روايات وقصص

وهي في الشهر السادس من الحمل نسرين

الجزء الثالث
اليوم التالت كان لفتح الحيطة التالتة.. كانت في ناحية الصالة القديمة، جنب مدخل المطبخ.. لما سقطت قطعة المحارة الكبيرة، لمحت لمعان ورق سميك ومعطر.. كانت أوراق رسمية، مختومة وموثقة من الشهر العقاري، ومؤرخة قبل زواجنا بثلاثة أشهر!
قرأت الكلمات بصوت مهزوز:
إقرار وتعهد.. أنا خالد أحمد عبد الرحيم، أتعهد بأن كل ما أملك من أموال وممتلكات أكون قد ورثتها بالكامل عن جدتي فاطمة.. وأتعهد بأن أي زواج لي يكون بشرط أن تُقسم كل الممتلكات بالتساوي بين الزوجة والزوج.. وإن حدث خلاف أو انفصال، فللزوجة الحق في نصيبها كاملاً غير منقوص.
وقعت على الورقة توقيع خالد بنفسه، وشهادة الجدة فاطمة بصفتها الوصية..
يعني إيه ده؟ سألت منى وهي مشدوهة يعني من الأول كان ملزم إنه يديكِ نصيبك؟
أيوة.. وده معناه إنه كان عارف.. عارف إن لازم أخذ حقي.. وده سبب إنه حاول يخفي كل حاجة وينقل الفلوس ويطلقني بسرعة قبل ما أعرف.
بس الجدة عملت إيه؟
حطت الإقرار ده في مكانه.. عشان لما يضيع الطريق، ألاقي الدليل اللي بيرجعلي حقي.
دموعي نزلت بحرارة على الورق الأصفر.. الجدة ما سابتنيش وحدي حتى وهي رحلت.. كانت حارسة حقي من ورا الحجب.
اليوم الرابع جى بثقل وقلق.. الحيطة الرابعة كانت في حوش البيت، تحت الدرج القديم اللي بيؤدي للسطح.. كان المكان مظلم ورطب، ولما كشطنا طبقات الجبس، لقينا ظرفًا سميكًا مختوم بالشمع الأحمر.. جوته كان تسجيل صوتي قديم مسجل على شريط كاسيت، ورسالة قصيرة بتقول:
اسمعي ده لوحدكِ يا نسرين.. واعرفي إن الكذب ما يلبس إلا لفترة قصيرة، ثم يكشف نفسه بنفسه.
طلبنا من سيف يجيب لنا جهاز تسجيل قديم عند جده في الشارع.. لما سمعنا الصوت، تجمدنا في مكاننا.. كان صوت خالد بنفسه، وسط حديثه مع داليا:
لا تقلقي.. الجدة ماتت وما حدش هيعرف.. نسرين مسكينة وهتقبل أي حاجة.. هطلقها وأرميها في البيت القديم ده، ونعيش كل حاجة لنفسنا.
وإذا اكتشفت؟ سألت داليا بصوتها الحاد.
إيه تكتشف؟ ما عندها دليل ولا شاهد.. هتبقى وحيدة ومفلسة.. وأنا أملك كل حاجة!
الشريط انتهى بصوت ضحكتهم اللي اتردد في المكان كله.. سقطت على ركبتيّ، وقلبي كان بيوجعني لدرجة ما كنتش قادرة أتنفس.. عشر سنين! عشر سنين من الحب والتفاني والصبر.. وكل ده كان مجرد مسرحية متقنة من البداية للنهاية!
منى عانقتني بقوة: كفاية يا نسرين.. كفاية تعب.. ده كفاية عشان نروح للمحامي ونرفع عليه قضية ونرجع كل حاجة.
لسه واحدة فاضلة.. قلت وأنا بمسح دموعي بكمي الحيطة الخامسة والأخيرة.. الجدة قالت إنها الأهم.

الجزء الرابع
اليوم الخامس.. الساعة كانت 6 الصبح، والشمس لسه ما طلعتش كويس.. وقفت قدام الحيطة الخامسة في أوضة الاستقبال القديمة، اللي كانت أكبرهم وأعمقهم.. قلت لمنى:
خليني أفتحها لوحدي.. عشان أعرف إيه آخر سرّ سابتوه لي.
بدأت أكسر المحارة ببطء.. كل قطعة بتسقط كانت بتكشف طبقة جديدة من الماضي.. ولما اتسعت الفتحة، لقيت صندوقًا خشبيًا ضخمًا، محفور عليه زهور ونجوم.. جوته كان وصية رسمية موثقة، ورسالة طويلة بخط الجدة فاطمة، ومغلف مغلق عليه اسم لخالد إن رجع يوم.
قرأت الرسالة ببطء، وكل كلمة كانت بتدخل قلبي زي المطر:
حبيبتي نسرين.. لو قريتي الكلام ده، فده معناه إن الخيانة ظهرت، والحق اتخفى سنين وطلع للنور أخيرًا. ما تحزنيش.. اللي جرىلكِ مش عشانكِ غلطانة.. ده عشانكِ طيبة أكتر من اللازم، والطيبة في زمن القسوة بتتعرض للجروح.
خالد ما ورثش طبع أهلي.. ورث الجشع اللي جاء من برة. حذرته كتير وما سمعش.. فقررت أسيب الحق لمن يستحقه. كل ما أملك الأراضي، المحلات، الشقق، والبيت ده كتبته باسمكِ من قبل ما أموت.. أنتِ الوحيدة اللي تستاهليه لأنكِ خدمتيه بصدق من غير ما تنتظري مقابل.
وما تنسى حاجة واحدة يا بنتي اللي باعكِ بلا ثمن، أنتِ اللي ربحتي حريتكِ منه. والبيت ده مش مجرد حيطان.. هو ملجأكِ وملجأ اللي جاي منكِ. احميه واحمي نفسكِ.. وربكِ هيكفكِ شرهم.
جدتكِ المحبة فاطمة.
وقعت الوصية باسمي أنا.. كل شيء لي! ما خالدش يملك ورقة واحدة.. كل ما كان يظنه ملكًا له، كان في الحقيقة أمانة سلمتها الجدة ليا!
مسكت المغلف المكتوب عليه اسمه.. كان لازم أقرر هأبعته له وأكشفه؟ ولا أسيبه يكتشفه بنفسه؟
قررت أبعته له.. لما يفتحه يعرف إن كل خطته انقلبت عليه، وإن الجدة كانت أذكى منه بكتير.
في نفس اليوم، كلمت محامية عائلة قديمة.. قالتلي: الوثائق دي قاطعة يا نسرين.. كل حاجة راجعة ليكِ.. وحتى اللي نقلهم لحساب داليا ممكن نسترجعهم بالقانون.
مش عايزة أخذ حاجة ما ليا.. بس عايزة حقي.. وكل قرش تعبنا فيه مع بعض.
هيرجعلكِ.. وبأسرع وقت.
مر يومان.. لم يأتِ خالد، ولم يتصل.. لكن في صباح اليوم التالت، سمعت دقًا عنيفًا على باب البيت.. لما فتحت، لقيته واقفًا، وجهه أحمر من الغضب، والمغلف مفتوح وممزق في إيده:
أنتِ اللي عملتي كده؟!
أنا ما عملتش حاجة.. الجدة فاطمة سابت الأوراق دي قبل ما تموت.. وأنا اكتشفتها زيك بالظبط.
كدابة! أنتِ خططتي كل حاجة!
دخل من غير إذن وبدأ يصرخ في الحوش: دي بتاعتي! كل حاجة لي!
وقفت قدامه بكل ثبات، ويدي على بطني اللي بيكبر كل يوم:
خالد.. اسمعني كويس.. البيت ده بتاعي بالوثائق الرسمية.. والفلوس اللي سحبتها لازم ترجعها.. وكل ما فكرت إنك تقدر تاخد حاجة مش بتاعتك، هتخسر أكتر.
وأنا مش هسيبكِ تاخدي حاجة!
القانون هيفصل بيننا.. وأنا واثقة إن الحق هيرجع.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى