روايات وقصص

اتجاه عكسي – محمد نور

خلال أول كام أسبوع، عشت في شقة صغيرة مفروشة قريبة من المطار.

ما كانتش جميلة.

ما كانش فيها صورنا.

ولا الكنبة اللي اخترناها سوا.

لكن كل حاجة فيها تخص الحاضر بس.

وده كان كفاية.

أول رحلة ليا ككابتن كانت يوم التلات الساعة ستة وعشر دقايق الصبح.

لما دخلت قمرة القيادة، مساعد الطيار، يوسف، قام.

— صباح الخير يا كابتن.

لنصف ثانية حسيت إني عايزة أبص ورايا.

لسه مش متعودة.

— صباح النور.

قعدت.

لمست أدوات التحكم.

وأخدت نفس.

قبل كده كنت متخيلة اللحظة دي وآدم جنبي.

لكن لما برج المراقبة ادانا إذن بالإقلاع والطائرة بدأت تزيد سرعتها، حصل شيء ما كنتش متوقعاه.

ما فكرتش فيه.

فكرت بس:

أنا عملتها.

لما عدينا السحاب، الشمس ظهرت فوق بحر أبيض من السحاب.

كان شيء غريب.

من الأرض، الصبح كان رمادي.

من فوق، السما كانت زرقا تمامًا.

ابتسمت.

يمكن بعض الحاجات بتشتغل كده.

كل اللي محتاجه إنك تعلى شوية عشان تشوفها بشكل مختلف.

عدت ست شهور.

وحياتي بدأت تتغير واحدة واحدة.

اتصاحبت على طاقم الطائرة.

عرفت أحسن أماكن الفطار القريبة من المطار.

اشتريت أثاث.

جبت نبتة كدت أقتلها مرتين.

رجعت أجري الصبح.

أهلي جم يزوروني.

أمي دخلت شقتي وقالت:

— شكلها بقت بتاعتك.

ما فهمتش معنى الجملة دي غير لما بقيت لوحدي.

بتاعتك.

سنين طويلة حاجات كتير في حياتي كانت “بتاعتنا”.

بيتنا.

رحلتنا.

فريقنا.

دلوقتي بقى عندي حاجة ببساطة بتاعتي أنا.

مش وحدة.

دي كانت مساحة.

آدم بعت رسايل كتير خلال الشهور الأولى.

في البداية كانت رسايل طويلة.

بعد كده صور.

الكافيه اللي كنا بنحبه.

البيت الفاضي.

ما رديتش ولا مرة.

وبعدها بطل يبعت.

وفي يوم اكتشفت إن عدى تلات أسابيع من غير ما أشوف إذا كان بعت حاجة ولا لأ.

اليوم ده عرفت إني بدأت أتعافى.

بعد حوالي سنة، شركة الطيران عملت مؤتمر قومي عن سلامة الطيران في القاهرة.

كان مطلوب مني أشارك في جلسة عن القيادة للطيارات السيدات.

وآدم كان اسمه موجود ضمن الحضور.

لما شفت اسمه في البرنامج، قلبي نط نطة صغيرة.

مش من الحب.

من الذكرى.

لشهور كنت بسأل نفسي هبقى عاملة إزاي لما أشوفه تاني.

الإجابة وصلتني في بهو الفندق.

كنت بتكلم مع يوسف لما سمعت:

— ليلى.

لفيت.

آدم كان واقف على بعد كام متر.

كان شبه نفسه.

ومختلف في نفس الوقت.

نفس الوش.

نفس الوقفة.

لكن كان فيه هدوء أكتر في ملامحه.

— أهلًا — قلت.

— أهلًا.

يوسف بص لنا.

— أشوفك جوه يا كابتن.

— شكرًا.

ومشي.

آدم ابتسم ابتسامة خفيفة.

— كابتن.

— بقالي سنة. ممكن تبطل تستغرب.

— مش أعتقد إني هبطل أستغرب.

سكتنا شوية.

— شكلك كويس — قال.

— وإنت كمان.

— سمعت إن طاقمك أخد جايزة في السلامة التشغيلية.

— أيوه.

— مبروك.

— شكرًا.

وساعتها حصلت حاجة ما كنتش أتخيلها.

الكلام كان عادي.

مافيش شرارة.

مافيش غضب.

مافيش رغبة في إثبات أي حاجة.

بس شخصين كانوا في يوم يعرفوا كل تفصيلة في حياة بعض.

— بعت البيت — قال.

هزيت راسي.

— أتمنى يكون الموضوع مشي كويس.

— أيوه.

— وريهام؟

آدم ضحك ضحكة صغيرة.

— مش مع بعض.

— ما كنتش محتاج توضح.

هز راسه.

— افتكرت يمكن…

— لأ.

هز راسه.

— بطلنا نتكلم بعد ما مشيتي بفترة قصيرة.

— فهمت.

— واعتذرت لها كمان.

استغربت.

— ليه؟

— عشان استخدمتها عشان أحاول أوجعك. وده برضه ما كانش عادل ليها.

بصيت له.

آدم ده ما كانش بالظبط الراجل اللي سيبته.

يمكن خسارة حاجة مهمة بتجبر الإنسان أحيانًا إنه يتغير.

— مبسوطة — قلت.

— ليلى…

— أيوه؟

— أنا مش هطلب منك ترجعي.

أخدت نفس.

— شكرًا.

— بس كان لازم أقولك حاجة.

استنيت.

— إنتِ كان عندك حق.

ابتسمت ابتسامة خفيفة.

— دي جملة خطيرة لما تطلع من طيار.

ضحك.

وبعدين بقى جاد.

— أنا كنت بحبك.

— عارفة.

— بس كنت فاكر إن حبي ليكي يديني الحق إني أهملك.

هز راسه.

— ما فهمتش ده غير بعد ما مشيتي.

لأول مرة قدرت أسمع الكلام ده من غير ما أحس بألم.

— أتمنى ما تكررش الغلطة دي.

— وأنا كمان.

— مع اللي هتيجي بعدي.

عينيه فضلت في عيني.

— أيوه.

حد أعلن إن الجلسة الجاية هتبدأ بعد خمس دقايق.

رجعت خطوة.

— لازم أدخل.

— ليلى.

— أيوه؟

— إنتِ سعيدة؟

بصيت حواليا.

فكرت في شقتي.

في طاقمي.

في صباحات سياتل.

في البدلة اللي عليها أربع خطوط ذهبية.

في كل مرة كنت بهبط فيها طائرة وصوت حد من البرج يقول:

“شغل ممتاز يا كابتن.”

فكرت في البنت اللي من سنة كانت واقفة قدام صورة وبتسأل نفسها ليه هي مش كفاية.

وابتسمت.

— أيوه.

آدم وطّى عينه لحظة.

وبعدين هز راسه.

— مبسوط عشانك.

— وأنا كمان أتمنى تبقى سعيد في يوم من الأيام.

اتودعنا.

من غير حضن.

ما كانش محتاج.

مشيت ناحية قاعة المؤتمر.

المرة دي ما بصتش ورايا.

بعد سنتين، جالي عرض جديد.

مديرة تدريب الطيران.

لما الكابتن محمود اتصل عشان يبلغني، بدأ يضحك.

— فاكرة لما اضطريت أقنعك تقبلي T028؟

— ما كنتش محتاج تقنعني أوي.

— دي حقيقة.

— ودلوقتي؟

— دلوقتي عايزك تدربي الجيل الجاي من الكباتن.

وافقت.

بعد كام أسبوع، أثناء حفل تخرج، طيارة شابة قربت مني.

ما كانش عمرها يتعدى خمسة وعشرين سنة.

— كابتن ليلى.

— قولي.

— كنت عايزة أشكرك.

— على إيه؟

— بسببك قدمت في برنامج القيادة.

اتصدمت.

هي ابتسمت.

— لما دخلت الشركة، كل الناس كانت بتتكلم عنك. عن إزاي سيبتي واحدة من أهم الرحلات عشان تقبلي عملية جديدة محدش كان عايز يقودها.

ضحكت.

— الحكاية الحقيقية كانت أعقد شوية.

— يمكن.

بصت للشارات اللي على كتفي.

— بس خليتيني أفكر إني مش محتاجة أستنى حد يديني إذن عشان أتقدم.

الكلام ده فضل معايا أيام.

لأن في الآخر، ده بالظبط اللي عملته.

سنين وأنا مستنية إذن.

إذن عشان أبقى كابتن.

إذن عشان أختار شغلي.

إذن عشان أزعل.

إذن عشان أطلب أكتر.

إذن عشان أمشي.

لحد ليلة بطلت أستنى.

بعد وقت طويل، لقيت الصورة القديمة ليا أنا وآدم قدام أول طيارة.

كانت جوه صندوق مقفول من يوم ما نقلت.

قعدت على الأرض.

ومسكتها بين إيديا.

كنا صغيرين أوي.

وواثقين أوي.

وسعداء أوي.

كنت متوقعة أحس بالحزن.

لكن بدل كده ابتسمت.

أنا ما كنتش بكره ليلى القديمة.

ولا كنت عايزة أحذرها.

ولا كنت عايزة أمنعها من إنها تحب.

لأن حبي لآدم كان برضه جزء من حياتي.

كان فيه أيام جميلة.

سفر.

ضحك.

ليالي طويلة بنذاكر فيها سوا.

هبوطات صعبة كنا بعدها نبص لبعض من غير كلام، عشان كل واحد فينا كان عارف بالظبط التاني بيفكر في إيه.

مش كل اللي حصل كان كدب لمجرد إن العلاقة انتهت.

هي بس انتهت.

ويمكن دي واحدة من أصعب الحاجات اللي ممكن الإنسان يتقبلها.

بعض الناس مش بييجوا حياتنا عشان يفضلوا.

بييجوا عشان يمشوا معانا جزء من الطريق.

وبعدها الطرق بتتفرق.

مش بالضرورة عشان واحد فيهم وحش.

لكن لأنهم خلاص ما بقوش رايحين لنفس المكان.

حطيت الصورة تاني.

لكن المرة دي ما حطتهاش في صندوق.

حطيتها جوه ألبوم.

في صفحة من الماضي.

المكان اللي تنتمي له.

الليلة دي خرجت للبلكونة.

طيارة كانت بتعدي ببطء في سما سياتل.

أنوارها الحمرا والبيضا بتلمع بين السحاب.

افتكرت المكالمة اللي حصلت من سنين.

“رحلتك هتروح ناحية الغرب.”

“ورحلة آدم ناحية الشرق.”

“يمكن تعدي سنين من غير ما تشوفوا بعض.”

ساعتها الكلام ده كان بالنسبالي مأساة.

دلوقتي فهمت حاجة مختلفة.

مش كل الناس اللي بتاخد طرق عكس بعض بتكون بتضيع من بعض.

أوقات كل واحد بس بيكون رايح للمكان اللي ينتمي له فعلًا.

موبايلي اهتز.

كانت رسالة من مساعدة طيار جديدة هتبدأ معايا تاني يوم.

“كابتن ليلى، عندك نصيحة ليا قبل أول رحلة؟”

ابتسمت.

وكتبت:

“ثقي في تدريبك. وما تخافيش تاخدي القيادة لما ييجي وقتك.”

بصيت للجملة قبل ما أبعتها.

يمكن ما كانتش مجرد نصيحة في الطيران.

دست إرسال.

وبعدين رفعت عيني للسما.

في مكان ما، على بُعد آلاف الكيلومترات ناحية الشرق، غالبًا كان آدم هو كمان بيبص لسما تانية.

سنين وأنا فاكرة إن حبنا معناه إن لازم نوصل لنفس المكان.

كنت غلطانة.

هو كان ليه طريقه.

وأنا لقيت طريقي.

وفي اليوم اللي بطلت أستنى فيه حد يرجع عشاني…

اتعلمت أخيرًا أطير لوحدي.

النهاية

خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى