
الفصل الثاني
إيدي كانت بتترعش بس مش من الخوف، من كمية الإهانة اللي شربتها في بيتي وعلى سريري وفي صبيحة فرحي. طارق كان واقف قدامي، عروقه نافرة، وعينيه تايهة ما بين إنه يثبت لأمه إنه راجل، وما بين خوفه الدفين إنه يخسر المشروع اللي بناه عليا.
بصيت له في عينه نظرة واحدة، نظرة خلت إيده تبعد لوحدها من غير ما أصرخ ولا أقاومه. مسحت وشي، وطلعت الموبايل ببرود مريب رعبهم هما التلاتة.
حماتي وفاء رمت كيس العيش على الترابيزة الرخام اللي في المدخل، واتخصرت وهي بتبص لي بقرف هتعملي إيه يعني؟ هتشتكي لأبوكي عشان ييجي يلمك؟ أهو أبوكي زمانه قاعد في بيته ومصدق إنه ارتاح منك وجوزك!
مردتش عليها بنص كلمة. صباعي كان بيدوس على تطبيق الكاميرات.
قبل ما نفرش الشقة بأسبوع، والدي ربنا يديه الصحة كان مصرّ نركب كاميرا صغيرة في مدخل الطرقة وزاوية الريسبشن بتسجل صوت وصورة، عشان لو حصل سرقة في العمارة وهي لسه تحت التشطيب. طارق مكنش يعرف إن الكاميرا شغالة وبتسحب على الكلاود على تليفوني وتليفون والدي.
دوست زرار التسجيل وشيلت الموبايل في جيبي، وفتحت القفل الإلكتروني على خط الطوارئ الخاص بأمن الكومباوند ألو.. أمن البوابة الغربية؟ أنا مدام ميادة عبد الرحمن، عمارة 14 شقة 3. عندي اقتحام للشقة وتعدٍ على حقوق الملكية، ارفعوا لي إشعار طوارئ وابعتوا أفراد الأمن حالاً واطلبوا لي نجدة التجمع.
الكلمة نزلت على وش طارق زي مية تلج. وشه اللي كان محمر من العصبية قلب رمادي في ثانية.
ميادة! إنتي اتجننتي؟! نجدة إيه وأمن إيه؟! إنتي عاوزة تفضحيني قدام زمايلي وقدام إدارة الكومباوند؟! أنا موظف ومسؤول، عاوزة تدمري مستقبلي عشان كلمتين وزعل عائلي؟!
أنا اللي ادمر مستقبلك؟ ضحكت ضحكة مكسورة عالية ملهاش أي طعم أنت دمرت نفسك من اللحظة اللي طلبت مني أتنازل عشان أمك تفرض سيطرتها عليا جوه شقتي. اطلعوا برة بالذوق قبل ما النجدة تطلع.
كارما، اللي كانت لسه قاعدة على السرير بجزمتها وحاطة رجل على رجل، اتعدلت وشفايفها بتترعش لما حست إن الحكاية مبقتش تمثيلية ولا خناقة ستات هيطلعوا منها بكام ألف جنيه وأوضة نوم ببلاش.
حماتي حست إن البساط بيسحب من تحت رجليهم، فبدل ما تهدا، زادت غباوة بتخوفينا بالحكومة يا بنت الأكابر؟ شقتك إيه وقرف إيه؟! هو إحنا جايين نشحت منك؟ ده ابني داخل عليكي ومجوزك بعد ما سنك عدى التلاتين في المدارس الحكومية، جاية تطردينا عشان بنتي المستورة اتطلقت وملهاش حتة تروحها؟!
بنتك تروح مطرح ما تروح.. الشارع واسع، أو تروحي تأجري لها شقة من حر مالك! إنما عفشي، ومرتبي، ودم قلب أبويا وأمي، مش سبيل ليكي ولا لأشكالك!
في اللحظة دي، جرس الباب رن بعنف.
طارق جرى على الباب وفتحه، وكان متخيل إنه هيلاقي بواب العمارة، بس لقى قدامه اتنين من أفراد أمن الكومباوند مع مشرف الوردية، وكان باين على وشوشهم الجدية والتوتر؛ بلاغات التعدي في المنطقة دي بتاخد مجرى رسمي في دقايق.
مشرف الأمن بص جوة الشقة، شاف الشنط المرمية في وسط الصالة، وبص عليا.
خير يا فندم؟ جالنا بلاغ استغاثة واقتحام من الأبلكيشن بتاع حضرتك.
طارق اتلجلج وابتسم بصفار وهو بيحط إيده على كتف الراجل يا فندم مفيش حاجة، دي خلافات عائلية بسيطة، المدام بس أعصابها تعبانة شوية بعد الفرح، ودي والدتي ودي أختي.. يعني أهل بيت.
لا مش أهل بيت، قطعت كلامه ودخلت وقفت قدام المشرف، وعيني ثابته الشقة دي ملكي أنا بموجب عقد مسجل في الشهر العقاري. الأستاذ جوزي رسمي من امبارح، لكن الشقة مش ملكه ولا له حق استضافة أي حد فيها بدون موافقتي. الست دي وبنتها دخلوا من غير إذني، والتسجيل الصوتي والمرئي موجود على السيستم. أنا بطالب بإخراجهم من الشقة حالاً وإثبات الحالة لحد ما عربية النجدة توصل.
وفاء اتجننت وصرخت والله ما طالعة! دي شقة ابني وعفش ابني، وإنتي اللي هتخرجي بهدومك دي!
المشرف كان راجل خمسيني فاهم القانون كويس، بص لطارق بحدة يا أستاذ، الست معاها ما يثبت ملكيتها المنفردة، وده كده هيتحول لمحضر رسمي، ولو النجدة طلعت هنا والهانم مصممة على البلاغ، والدتك وأختك هيركبوا البوكس قدام الكومباوند كله. اتفضل لم الموضوع واخرجوا برة بدل ما الحكاية تكبر وتوصل لقسم أول التجمع.
كارما قامت تجري تلم شنطها وهي بتعيط بهستيريا وتسب وتلعن فيا منك لله، الله يخرب بيتك، فضحتينا وخليتي اللي يسوى واللي ميسواش يتفرج علينا!
طارق بص لي بعيون كانت مليانة حقد وغِل أول مرة ألمحهم في حياتي. مكنش وشه الوديع اللي كان بيقعد في صالون بيتنا يشرب الشاي مع أبويا ويقول أنا كل اللي يهمني أستر بنتك وأشيلها في عيني. القناع وقع، وبان وراه شخص تاني.. شخص جعان، باصص لكل قرش في جيبي، متغاظ من كوني صاحبة البيت وهو مجرد ضيف فيه.
قرب مني وهمس في ودني بصوت واطي فحيحه زي التعبان، والأمن واقف عند الباب ورحمة أبويا ما هسيبك.. فاكرة إنك هتخلصي مني بالساهل بعد ما صغرتيني قدام أهلي؟ ده أنا هخليكي تلفي حوالين نفسك في المحاكم، ومش هتشوفي مني طلقة واحدة إلا لما تتنازلي عن نص الشقة دي تمن الفضيحة اللي عملتيهالنا النهاردة!
ابتسمت له بسخرية وأنا حاطة إيدي في جيبي المحاكم تلف باللي عليه حق يا طارق، وأنا شقاي مسجل بورقة وقلم، وإنت داخل الشقة دي بشنطة هدومك.. اتفضل خدها في إيدك وانت خارج.
وفاء مسكت دراع ابنها وهي بتنهج من الغيظ وضغطها باين إنه عالي بجد المرة دي امشي يا واد، سيبها، دي ولية قادرة.. بكره تيجي تبوس رجلك عشان ترجعلها والناس تقول عليها مطلقة في صباحيتها، سيبها تخيس في الشقة لوحدها!
خرجوا التلاتة، وأفراد الأمن قفلوا الباب وراهم ووقفوا على مدخل العمارة مستنيين دورية النجدة اللي بلغتهم وأنا متابعة تحركها.
أول ما الباب اتقفل والترباس نزل.. رجلي ما شالتنيش.
وقعت على ركبي في نص الصالة، السيراميك كان بارد، والهدوء اللي عم فجأة كان بيخنقني أكتر من صراخهم. بصيت حواليا.. الفازات، الستاير اللي نقيتها فتلة فتلة، ريحة الورد اللي كان لسه باقي من بوكيه الفرح المرمي على الكونسول.. كل ده اتبنى بحلم نقي، وانهار في أقل من 24 ساعة.
دموعي نزلت، مش عشان طارق.. طارق مات في نظري من أول ما طلب مني أتنازل وأخضع عشان أمه. بكيت على نفسي، على ال 900 ألف جنيه اللي طلعتهم من لحمي، على شقا أبويا اللي قضى 35 سنة في شغله عشان ييجي واحد زي ده يستكتر عليا أعيش مستورة في ملكي.
مسحت دموعي بسرعة. الوقت مش وقت عياط ولا نياح.
قمت، غسلت وشي بمية ساقعة، وغيرت هدومي ولبست عباية سودا وطرحتي. أول حاجة عملتها، فتحت إعدادات الكالون الذكي من التليفون، مسحت كل البصمات، وغيرت الباسورد، وحذفت الكود اللي كان معاه ومع أخته، وخليت فتح الباب ببصمة صباعي أنا بس.
مسكت الفلاشة، وحطيتها في شاشة التحكم، وسحبت نسخة من فيديو الصباحية.. التعدي، وموقف طارق السلبي، وبجاحة كارما، واعتراف أمه الصريح بإنها جاية تستولى على الشقة.
تليفوني رن.. كان والدي.
أول ما شفت اسمه، بلعت غصتي وحاولت أخلي صوتي طبيعي أيوة يا بابا.. صباح الخير.
صباحية مباركة يا قلب أبوكي.. طمنيني عنك يا بنتي، صوتك ماله؟ إنتي مش على بعضك ليه؟ طارق جنبك؟
غمضت عيني بقوة، وقولت بصوت متحشرج مش قادرة أداريه أكتر من كده بابا.. البس هدومك وتعالى لي على قسم أول التجمع.. بنتك اتغدر بيها، ومحتاجة ضهرك معايا دلوقتي حالاً.
قفلت السكة قبل ما أسمع صدمته، وأخدت شنطتي والتوكيلات والأوراق الرسمية، وفتحت الباب ونزلت. المعركة مع طارق وأهله كانت لسه في أولها، بس اللي ميعرفوهوش إني زي ما كنت قادرة أجمع تمن الحيطان دي مليم على مليم، قادرة أهد المعبد كله على دماغ اللي فكر يستغلني.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

