
حكايات مني السيد حصري
جوزي رفض يروح معايا سنوية أبويا عشان ماكتبش له حاجة في الميراث… وبعدها بأيام طلب مني أخدم في سنوية أبوه وهددني بالطلاق!
يوم السنوية التانية لوفاة بابا، جوزي قرر يفضل ممدد قدام التلفزيون ومأنتخ على الكنبة، وقالي جملة عمري في حياتي ما هنساها
لو أبوكي كان عايزني أعمله خاطر وأحترمه بعد ما يموت، كان سابلي قرشين ولا ورّثني حاجة في حياته!
أمي كانت مستنياني في المقابر عند باب النصر، وكنت مجهزة الصدقة والقرص عشان أوزعها، وطارق لسه قاعد بالترنج وحاطط رجل على رجل.
أنا بطلب منك ساعة زمن واحدة بس …قولتله بصوت مخنوق…. ده كان حماك وفي مقام أبوك.
ما أنا حضرت الجنازة والعزا وخلاص! وبعدين هو أنا كسبت إيه يعني من ورا جوازي منك ومن عيلتكم؟ ولا مليم!
الكلمة دي ما طلعتش من فراغ.
أنا اتجوزت وأنا عندي خمسة وتلاتين سنة، وطارق كان تمانية وتلاتين. بابا، الله يرحمه الحاج صبري، كان وارث حتة أرض زراعية على أطراف البلد من جدي. مع الوقت والأرض لما دخلت كردون مباني، باع حتة منها واشترى بتمنها محلين وشقة كويسة. عمره ما كان فشيخ ولا بيحب المظاهر؛ كان يفضل لابس جلاليبه العادية ويصحى من النجمة يشوف حساباته وشغله حصري علي صفحة روايات و اقتباسات
أول ما عرف إن أنا وطارق بنفكر ناخد قرض من البنك وندخل في متاهة التمويل العقاري عشان نشتري شقة، وقف في وشنا وقالي
لا يا بنتي، ماتبدأوش حياتكم ومديونين للبنك عشرين سنة والفايدة تاكل عيشكم.
اشترى لنا شقة تمليك محترمة في مدينة نصر، وكتب العقد باسمي.
يومها طارق بكى من الفرحة ومسك إيد بابا يبوسها
حمايا ده راجل مفيش زيه في الدنيا، عمري ما هنساله الجميل ده وهشيله فوق راسي طول العمر.
وفضل ماشي جنب الحيط كذا سنة، بعدها ربنا رزقنا ببنتنا، سلمى، وقولت خلاص دنيتي استقرت وربنا كرمني.
كل ده اتقلب 180 درجة لما بابا مات فجأة بأزمة قلبية بعد أربع سنين من جوازنا. حكايات_مني_السيد
بعد العزا بيومين اتنين بس، وأنا وأمي مش شايفين قدامنا من العياط ومش عارفين ننام، لقيت طارق داخل عليا وبيسأل
هو أبوكي ما سابش وصية؟
افتكرته بيسأل عشان يساعدنا في الإجراءات والدفاتر.
ملحقناش نتكلم في حاجة زي دي خالص، الموضوع جه فجأة.
طب والمحلات والأملاك اللي سايبها دي كلها؟ هو ما كتبليش أي حاجة باسمي خالص؟
بصتله بذهول ولساني عاجز
يكتبلك إنت؟!
وفيها إيه يعني؟ هو مش أنا جوز بنته الوحيد وسنده؟ كنت فاكر إنه هيعمل حسابي ويسيبلي حتى محل من المحلين أفتحه وأسترزق منه!
طبعاً شدينا في الكلام وطردته، راح قعد عند أمه كذا يوم. رجع بعدها يوطي على راسي ويبوس إيدي ويطلب السماح، وأنا وافقت أعديها لسبب واحد قبل ما بابا يموت بفترة قليلة، كان قايلي
خلي بالك من بيتك وبنتك يا بنتي، إوعي تخرّبي بيتك على كل خناقة، أنا شيلت المرار وشوفت عذاب الدنيا لما أهلي اتطلقوا زمان.
وطارق كان عارف الكلمتين دول كويس ومع الوقت، اتعلم إزاي يلوح بيهم في وشي ويلوي دراعي بيهم.
بعدها بسنة، دخل في دماغه هوس إنه يفتح معرض ومخزن لمواد البناء والمعمار
إنتي ورثتي كتير وعندك سيولة، اديني قرشين أعمل بيهم المشروع وأسيب الشغل عند الناس والمرمطة.
طب اعمل دراسة جدوى واضحة، حط جزء من مدخراتك من تعبك وإثبتلي إنك قد المسؤولية وهتكمله.
أحوش إيه وأتعب إيه؟ هو إحنا مش واحد وجيوبنا واحدة؟!
كنت عارفة طبعه كويس. طارق ينفع يشتغل موظف بمدير يزن فوق راسه ويديله مواعيد حضور وانصراف، لكن مشاريع خاصة؟ يدخل بحماس وأول ما الدنيا تتقل معاه يرمي كل حاجة بعد أسبوعين. ماكنتش مستعدة أضيع شقى وتعب أبويا طول عمره عشان شوية منظرة ووجاهة على الفاضي.
كل نقاش كان بينتهي بنفس الأسطوانة
أبوكي ما نابنيش منه حاجة، أقلها إنتي تقفي في ضهري وتديني من الفلوس!
عشان كده، لما جه في السنوية التانية لبابا ورفض ينزل معايا المقابر، في حاجة جوايا ماتت واتكسرت ومبقاش ينفع تتصلح.
نزلت لوحدي، وقولت لأمي إنه عنده شغل طارئ ومردتش أكسر بخاطرها في يوم زي ده.
بعدها بتلات أيام بس، كانت الذكرى السنوية لوفاة أبو طارق.
صحي من سبعة الصبح لابس قميص وبنطلون ومستعد
يلا بسرعة البسي عشان تلحقي تروحي مع أمي نعمل الأكل ونجهز الصواني بتاعة الناس اللي جاية تقرأ الفاتحة.
فضلت قاعدة مكاني في الصالة وبرود الدنيا في عيني
مش رايحة.
ملامح وشه اتغيرت وتنح
نعم؟! يعني إيه مش رايحة؟
زي ما إنت ما روحتش معايا لسنوية بابا.
ماتقارنيش ده بده! إنتي مرات الابن ولازم تروحي تخدمي وتوجبي مع أهلي!
وهو إنت مش جوز البنت وكان لازم توجب برضه؟
الموضوع مختلف تماماً!
لأ، بالنسبة لي هو نفس الموضوع بالظبط.
طارق ثار واتعصب وبدأ يزعق، وقالي إني بتنك عليه وبدوس عليه عشان ورثت ومعايا فلوس، وإنه محتاج المشروع ده عشان يرجع هيبته وراجل البيت، وإني لو اديته رأس المال اللي هو عاوزه، ساعتها بس هيحترم أهلي ومناسباتهم.
بصتله وقولتله آخر سؤال
لو بطلت تستغل سيرة بابا وفلوسه عشان تضغط عليا، ونزلت معايا النهاردة وعملت اللي عليك بما يرضي الله من غير مساومة توعدني إنك تبطل الأسلوب ده؟
رد بابتسامة صفرا
وعدك بكل اللي إنتي عايزاه أول ما تحوليلي الفلوس في حسابي.
يبقى لأ، مش رايحة ومش دافعة.
ضحك ضحكة استقواء رمت تلج في عروقي وقالي بثقة عمياء
إنتي أجبن من إنك تطلبي الطلاق. أبوكي موصيكي تحافظي على بيتك، وإنتي عمرك ما هتكسري كلمته وتربتي بنتك يتيمة وأبوها عايش.
ساعتها بس فهمت الحقيقة المرة كلها.
طارق ماكنش واثق في حبي ليه ولا باقي عليا
هو كان واثق في عقدة الذنب اللي فيا ومستغل وصية بابا عشان يكسرني.
كمّل وهو بيقفل جاكتته وبيبصلي بتهديد
لو ما جيتيش ورايا النهاردة، لما أرجع بالليل هيكون كلامنا عن الطلاق وحضانة سلمى، وهوريكي بقى هتعرفي تعيشي لوحدك إزاي!
بصتله بهدوء غريب وابتسمت
عندك حق. انزل إنت الأول، وأنا هحصلك كمان شوية.
وشه فك واتنفس براحة
كنت عارف إنك هتعقلي وترجعي لصوابك في الآخر.
ماتقلقش هجيب معايا حاجة مهمة أوي.
أول ما رزع الباب وراه، قعدت على أقرب كرسي وعيطت دقايق عشان أطلع كل القهرة والوجع اللي جوايا.
بعدها قومت، غسلت وشي، لبست هدومي، ونزلت من البيت.
بس ماروحتش السوق أشتري خضار ولا لحمة لسنوية حمايا أنا طلعت على طول على مكتب المحامية
نزلت درجات السلم ورجلي تقيلة، بس قلبي كان خفيف بشكل غريب، كأن همّ سنين انزاح فجأة واترمى ورا ضهري بمجرد ما الباب اتقفل وراه. الشارع في مدينة نصر كان زحمة زي عادته، صوت الكلاكسات وبياعين الخضار، والدنيا ماشية عادي جداً ولا فارق معاها إن في ست جواها بركان بيهد عمارة بحالها. وقفت على أول الشارع أخدت نفس طويل، ولقيتني بركب تاكسي وأنا بقوله اطلع بيا على عمارة الأطباء في مكرم عبيد يا أسطى.
مكتب الأستاذة نهاد مكانش غريب عليا، دي كانت صاحبة عمري من أيام الجامعة، بس بقالنا سنين متباعدين بسبب دوامة الجواز ومسؤوليات البيت اللي طارق كان حابسني جواها. دخلت عليها المكتب، السكرتيرة أول ما شافت منظري وعينيا الحمر دخلتني على طول.
نهاد قامت من ورا مكتبها مخضوضة ياسمين؟! خير يا حبيبتي، مالك شكلك عامل كده ليه؟ سلمى جرالها حاجة؟ قعدت على الكرسي الجلد الأسود، وفتحت شنطتي وطلعت منها أوراق بابا اللي كنت مجهزاها في فايل من غير ما طارق يعرف، ورميتها على المكتب أنا مش قادرة أستحمل دقيقة زيادة يا نهاد. طارق بيهددني بكسرتي، بيهددني ببابا ووصيته، وعايز ياخد شقى عمري ويلوي دراعي بسلمى.
قعدت نهاد قدامي، مسكت إيدي وقالتلي بحزم المحامين اللي يطمن اهدي بس واشربي كوباية مية، واحكيلي من طقطق لسلامو عليكم، ومفيش مخلوق يقدر يلوي دراعك طول ما إنتي على حق.
حكيتلها كل حرف. حكيت عن السنوية، عن قعدته بالترنج، عن الكلمة اللي غرزت في صدري زي الخنجر لما قال إنه ما نابوش حاجة من أبويا، وعن تهديده بالطلاق والحضانة قبل ما يقفل الباب وراه بربع ساعة. نهاد كانت بتسمع وهي بتهز راسها بضيق، وبتكتب نقط في مفكرتها. لما خلصت، ضحكت ضحكة سخرية خفيفة ورمت القلم
بيهددك بالحضانة؟ طارق ده شكله مبيفهمش ألف باء قانون، أو متخيل إنك جاهلة بالقانون زيه. سلمى عندها كام سنة؟ ست سنين؟ الحضانة معاكي إنتي بقوة القانون لحد خمستاشر سنة، ده غير إن شقة الزوجية مكتوبة باسمك إنتي في الشهر العقاري وباباكي الله يرحمه دافع تمنها كاش. يعني حتى لو الشقة مكانتش باسمك، إنتي حاضنة وليكي حق التمكين، فما بالك بقى وإن الشقة ملكك خالص مالص؟ هو اللي في الشارع يا ياسمين، مش إنتي!
الكلام نزل عليا زي المطر في عز الصيف، بس برضه كان في غصة في حلقي ووصية بابا يا نهاد؟ بابا قالي حافظي على بيتك، بابا اتعذب لما جدي وجدتي اتطلقوا وكان بيترجاني مابهدلش عيالي. نهاد مسكت وشي بإيديها الاتنين وبصت في عيني وقالتلي كلام فوقني تماماً أبوكي الله يرحمه قالك حافظي على بيتك، مقالكيش حافظي على واحد شايفك بنك وشايف بنتك كارت إرهاب! أبوكي لما كتب الشقة باسمك ومكتبهاش باسمه هو أو باسمكم إنتو الاتنين، كان حاسس بحاجة وقاري اللي قدامه. الحاج صبري كان تاجر وشاطر ومبيرميش قرشه في الأرض، وحماكي من طمع طارق حتى وهو في قبره. إنتي مش بتكسري وصية أبوكي، إنتي بتحمي بنتك ونفسك من واحد لو طال يبيعكم عشان حتة مخزن هيعملها.
الكلام حط النقط على الحروف، والغيامة اللي كانت على عيني انقشعت. فتحنا الفايل وبدأنا نشتغل إحنا مش هنتسرع بالخلع أو الطلاق دلوقتي عشان منخسروش حقوقك القانونية نهاد قالتلي بخطة واضحة ومحبوكة، إحنا هنعمل محضر إثبات حالة إنه ساب بيت الزوجية وهددك، وفي نفس الوقت هنرفع دعوى نفقة زوجية ونفقة صغار، وهنقدم أصل عقد الشقة للحي والقسم عشان ميعرفش يقرب من الباب لو حاول يغير الكوالين. بس الأهم من ده كله… إنتي ناوية تعملي إيه النهاردة في سنوية حماه؟
ابتسمت نفس الابتسامة الباردة اللي ابتسمتها لطارق الصبح مش قولتله هجيب معايا حاجة مهمة وأحصله؟ أنا رايحاله… بس مش بالأكل ولا الشرب.
خرجت من عند نهاد، عديت على بيت أمي الأول. أمي كانت قاعدة في الصالة ماسكة سبحتها وبتدعي لبابا. أول ما دخلت شافت في وشي ملامح أبوها، قوة مكانتش متعودة عليها مني. مالك يا بنتي؟ رجعتي من المقابر وشك مخطوف،

