
قفلت مع سعيد، والسكوت اللي نزل على الصالة فجأة كان أتقل من جبل. البيت القديم بتاع ستي في أوسيم، بجدرانه العالية اللي شربت شقا السنين، وريحة الطين والموالح اللي طالعة من الجنينة مع نسمة العصر، كل ده كان بيصرخ في ودني. هشام وعيلته مكنوش بس عايزين يسرقوا ورقة أو حتة طين، دول كانوا عايزين يدوسوا على كرامتي، يمسحوا وجودي، ويخلوني كوبري يعدي بيه فوق رقبتي لدنيا تانية هو شايف إنه يستاهلها أكتر مني.
قعدت على الكنبة الخشب، ضامّة ركبي لصدري، والتليفون في إيدي تقيل كأنه حتة حديد مصدية. ستي الله يرحمها كانت تقول يا بتي، الغريق مبيخافش من البلل، بس الشاطر اللي يعرف يغطس ويطلع في إيده الصدف والسمك، ويغرق اللي زقّه. وأنا مكنتش هغرق، وحياة كل دمعة نزلت مني وأنا طفلة يتيمة في جنازة أمي وأبويا، ما كنت هسمح للندل ده ولا لأمه المغرورة إنهم يضحكوا عليا في الآخر.
رنة التليفون قطعت سرحاني، كانت نغمة الواتساب. سعيد باعتلي ملف كامل صور بطايق، قسيمة الجواز العرفي اللي متسجلة عند محامي بير سلم في العجوزة، وتفاصيل عن نيرمين وأبوها، وصورة شيك بنكي مسحوب على هشام ومرفوض لعدم كفاية الرصيد بمبلغ اتنين مليون جنيه لصالح راجل اسمه الحاج وفيق الشربيني.. مقاول تقيل وشريك قديم للواء رؤوف المنشاوي.
فتحت صورة نيرمين وفضلت باصة فيها. بنت في أواخر العشرينات، ملامحها بريئة بس باين عليها التوهة، لابسة لبس غالي ومحطوطة في قفص دهب كبرياء أبوها اللواء، وبطنها في الصور الأخيرة من صفحتها باين عليها شوية انتفاخ خفيف متداري تحت لبس فضفاض. هشام عرف ينقي الضحية التانية برضه.. واحدة صغيرة، خايفة من أبوها الصارم،
مستعدة تصدق أي كلمة حب عشان تداري على المصيبة اللي وقعت فيها.
اتصلت بسعيد تاني سعيد.. الورق ده كله يطبع منه تلات نسخ، نسخة تروح في ظرف مقفول على عنوان مكتب الحاج وفيق، ونسخة تانية تتشال معاك في خزنة مكتبك، والتالتة أنا اللي هسلمها بنفسي.. بس مش دلوقتي.
سعيد قالي بقلق ندى، البت نيرمين دي مأساة تانية، أبوها اللواء ده ملوش في الهزار، لو عرف ممكن يرتكب جناية فيها وفي هشام، إنتِ ناوية على إيه بالظبط؟ الفرح فاضل عليه ست أيام!
ست أيام يا سعيد كافيين يهدوا مدن ويبنوا غيرها. إنت قولتلي إن هشام واخد نص مليون عربون من وفيق بناءً على التوكيل اللي في جيبه، صح؟
صح، الواد بتاعنا اللي بيراقبه شافه وهو طالع من كافيه المهندسين في إيده شنطة جلد سودة، وراح على البنك أودع جزء منها وسدد فوايد الشيكات عشان يهدّي اللعب شوية لحد ميعاد البيع النهائي.
ابتسمت من ورا التليفون ببرود يرعب تمام أوي، يعني هو دلوقتي حاسس بالنشوة، متخيل إنه مسك السما بإيده.. عايزاه يعيش الوهم ده لآخر ثانية. أنا مش هفركش حاجة، بالعكس، أنا هنزل بكرة معاه أكمل بقية فرش الشقة، وهختار معاه فستان الفرح كمان!
سعيد اتخض إنتِ اتجننتي يا ندى؟! فستان إيه وفرش إيه وإنتِ عارفة إنه غدار؟
اسمع كلامي بس يا سعيد.. التعلب لما تحاصره في جحر يهرب، لكن لما تفرشله الأرض ريش نعام بيغمض عينيه وينام، وساعتها السكينة بتنزل على رقبته من غير ما يحس. المهم دلوقتي، جهزلي خط تليفون جديد مش متسجل باسمي، وعايزاك تجيبلي ميعاد خروج نيرمين من عيادة النسا اللي بتتابع فيها.
محلولة، بكرة العصر هتكون عندك المواعيد بالدقيقة.
تاني يوم، صحيت بدري، صليت ودعيت ربنا
يديني الثبات. جهزت نفسي، لبست عباية شيك بس هادية، ورسمت على وشي الهدوء اللي يسبق العاصفة. تليفوني رن، كان هشام. صوته كان متغير تماماً عن اليومين اللي فاتوا، صوته كان فيه نبرة غرور زايدة، راجل حاسس إن الفلوس جريت في إيده، ومبقاش محتاج يمثل قوي بس لسه مكمل علشان يضمن البيعة تتقفل
صباح الخير يا عروسة، نمتي كويس؟ جهزي نفسك علشان هنعدي على معرض الموبيليا في مدينة نصر ننقي أوضة السفرة، وبعدها نروح ل أتيليه في مصر الجديدة عشان تشوفي الفستان اللي حجزتهولك.. مش عايزك تشيلي هم حاجة، أنا صرفت ومستخسرتش فيكي قرش.
بيني وبين نفسي قولت من فلوسي وعربون أرضي يا ابن الحرام!، بس رديت بصوت ناعم ومكسور كعادتي القديمة ربنا يخليك ليا يا هشام، كلك ذوق، هنستناك تحت البيت.
جه هشام بعربيته، ركبت جنبه، وكان حاطط برفان غالي مكنتش متعودة يشتريه، وجايبلي علبة شيكولاتة مستوردة رماها في حجري بإهمال وهو سايق بإيد واحدة وفارد ضهره ورا الكرسي. طول السكة كان بيتكلم بتعالي أنا كلمت الفندق بتاع الفرح، حجزت القاعة الكبيرة.. طنط ميرفت معازيمها تقال ومينفعش يدخلوا قاعة عادية، كل أصحاب بابا في النادي وجيرانا في الكمبوند هيكونوا موجودين، مش عايز أي غلطة يا ندى.. فاهمة؟ أهل مامتك بتوع أوسيم لو هييجوا، ياريت تقعديهم في ترابيزة ورا بعيد عن الزفة، إنتِ عارفة الناس دي طريقتها في الفرح بتبقى بلدي وإحنا مش حمل كلام.
مسكت إيدي الاتنين في بعض وضغطت بضوافيري جوة كفي عشان ممدش إيدي أشرّح وشه بالعلبة اللي في حجري. هزيت راسي وبصيت في الأرض اللي تشوفه يا هشام.. أهلي ناس على قدهم ومبيحبوش الزحمة أصلاً، متقلقش مش هيعملوا دوشة.
نزلنا
قفلت مع سعيد، والسكوت اللي نزل على الصالة فجأة كان أتقل من جبل. البيت القديم بتاع ستي في أوسيم، بجدرانه العالية اللي شربت شقا السنين، وريحة الطين والموالح اللي طالعة من الجنينة مع نسمة العصر، كل ده كان بيصرخ في ودني. هشام وعيلته مكنوش بس عايزين يسرقوا ورقة أو حتة طين، دول كانوا عايزين يدوسوا على كرامتي، يمسحوا وجودي، ويخلوني كوبري يعدي بيه فوق رقبتي لدنيا تانية هو شايف إنه يستاهلها أكتر مني.
قعدت على الكنبة الخشب، ضامّة ركبي لصدري، والتليفون في إيدي تقيل كأنه حتة حديد مصدية. ستي الله يرحمها كانت تقول يا بتي، الغريق مبيخافش من البلل، بس الشاطر اللي يعرف يغطس ويطلع في إيده الصدف والسمك، ويغرق اللي زقّه. وأنا مكنتش هغرق، وحياة كل دمعة نزلت مني وأنا طفلة يتيمة في جنازة أمي وأبويا، ما كنت هسمح للندل ده ولا لأمه المغرورة إنهم يضحكوا عليا في الآخر.
رنة التليفون قطعت سرحاني، كانت نغمة الواتساب. سعيد باعتلي ملف كامل صور بطايق، قسيمة الجواز العرفي اللي متسجلة عند محامي بير سلم في العجوزة، وتفاصيل عن نيرمين وأبوها، وصورة شيك بنكي مسحوب على هشام ومرفوض لعدم كفاية الرصيد بمبلغ اتنين مليون جنيه لصالح راجل اسمه الحاج وفيق الشربيني.. مقاول تقيل وشريك قديم للواء رؤوف المنشاوي.
فتحت صورة نيرمين وفضلت باصة فيها. بنت في أواخر العشرينات، ملامحها بريئة بس باين عليها التوهة، لابسة لبس غالي ومحطوطة في قفص دهب كبرياء أبوها اللواء، وبطنها في الصور الأخيرة من صفحتها باين عليها شوية انتفاخ خفيف متداري تحت لبس فضفاض. هشام عرف ينقي الضحية التانية برضه.. واحدة صغيرة، خايفة من أبوها الصارم،
مستعدة تصدق أي كلمة حب عشان تداري على المصيبة اللي وقعت فيها.
اتصلت بسعيد تاني سعيد.. الورق ده كله يطبع منه تلات نسخ، نسخة تروح في ظرف مقفول على عنوان مكتب الحاج وفيق، ونسخة تانية تتشال معاك في خزنة مكتبك، والتالتة أنا اللي هسلمها بنفسي.. بس مش دلوقتي.
سعيد قالي بقلق ندى، البت نيرمين دي مأساة تانية، أبوها اللواء ده ملوش في الهزار، لو عرف ممكن يرتكب جناية فيها وفي هشام، إنتِ ناوية على إيه بالظبط؟ الفرح فاضل عليه ست أيام!
ست أيام يا سعيد كافيين يهدوا مدن ويبنوا غيرها. إنت قولتلي إن هشام واخد نص مليون عربون من وفيق بناءً على التوكيل اللي في جيبه، صح؟
صح، الواد بتاعنا اللي بيراقبه شافه وهو طالع من كافيه المهندسين في إيده شنطة جلد سودة، وراح على البنك أودع جزء منها وسدد فوايد الشيكات عشان يهدّي اللعب شوية لحد ميعاد البيع النهائي.
ابتسمت من ورا التليفون ببرود يرعب تمام أوي، يعني هو دلوقتي حاسس بالنشوة، متخيل إنه مسك السما بإيده.. عايزاه يعيش الوهم ده لآخر ثانية. أنا مش هفركش حاجة، بالعكس، أنا هنزل بكرة معاه أكمل بقية فرش الشقة، وهختار معاه فستان الفرح كمان!
سعيد اتخض إنتِ اتجننتي يا ندى؟! فستان إيه وفرش إيه وإنتِ عارفة إنه غدار؟
اسمع كلامي بس يا سعيد.. التعلب لما تحاصره في جحر يهرب، لكن لما تفرشله الأرض ريش نعام بيغمض عينيه وينام، وساعتها السكينة بتنزل على رقبته من غير ما يحس. المهم دلوقتي، جهزلي خط تليفون جديد مش متسجل باسمي، وعايزاك تجيبلي ميعاد خروج نيرمين من عيادة النسا اللي بتتابع فيها.
محلولة، بكرة العصر هتكون عندك المواعيد بالدقيقة.
تاني يوم، صحيت بدري، صليت ودعيت ربنا
يديني الثبات. جهزت نفسي، لبست عباية شيك بس هادية، ورسمت على وشي الهدوء اللي يسبق العاصفة. تليفوني رن، كان هشام. صوته كان متغير تماماً عن اليومين اللي فاتوا، صوته كان فيه نبرة غرور زايدة، راجل حاسس إن الفلوس جريت في إيده، ومبقاش محتاج يمثل قوي بس لسه مكمل علشان يضمن البيعة تتقفل
صباح الخير يا عروسة، نمتي كويس؟ جهزي نفسك علشان هنعدي على معرض الموبيليا في مدينة نصر ننقي أوضة السفرة، وبعدها نروح ل أتيليه في مصر الجديدة عشان تشوفي الفستان اللي حجزتهولك.. مش عايزك تشيلي هم حاجة، أنا صرفت ومستخسرتش فيكي قرش.
بيني وبين نفسي قولت من فلوسي وعربون أرضي يا ابن الحرام!، بس رديت بصوت ناعم ومكسور كعادتي القديمة ربنا يخليك ليا يا هشام، كلك ذوق، هنستناك تحت البيت.
جه هشام بعربيته، ركبت جنبه، وكان حاطط برفان غالي مكنتش متعودة يشتريه، وجايبلي علبة شيكولاتة مستوردة رماها في حجري بإهمال وهو سايق بإيد واحدة وفارد ضهره ورا الكرسي. طول السكة كان بيتكلم بتعالي أنا كلمت الفندق بتاع الفرح، حجزت القاعة الكبيرة.. طنط ميرفت معازيمها تقال ومينفعش يدخلوا قاعة عادية، كل أصحاب بابا في النادي وجيرانا في الكمبوند هيكونوا موجودين، مش عايز أي غلطة يا ندى.. فاهمة؟ أهل مامتك بتوع أوسيم لو هييجوا، ياريت تقعديهم في ترابيزة ورا بعيد عن الزفة، إنتِ عارفة الناس دي طريقتها في الفرح بتبقى بلدي وإحنا مش حمل كلام.
مسكت إيدي الاتنين في بعض وضغطت بضوافيري جوة كفي عشان ممدش إيدي أشرّح وشه بالعلبة اللي في حجري. هزيت راسي وبصيت في الأرض اللي تشوفه يا هشام.. أهلي ناس على قدهم ومبيحبوش الزحمة أصلاً، متقلقش مش هيعملوا دوشة.
نزلنا
نعم؟! إنتِ مين وعرفتي اسمي منين؟
طلعت من شنطتي ظرف أبيض صغير، حطيته في حجرها وقولت بنبرة واطية مسموعة ليها بس أنا ندى.. خطيبة هشام المنياوي، اللي فرحه عليا كمان خمس أيام.. واللي متجوزك عرفي بورقة مضروبة ومخبيكي عن سيادة اللواء أبوكي.
البنت وشها اتقلب زي الكفن، شفايفها بدأت ترتعش، والدم هرب من ملامحها تماماً. مسكت الظرف بإيدين بترجف وفتحته.. شافت صورة من ورقة الجواز العرفي، وشافت كشف حساب وشيكات هشام، وشافت صورة دعوة فرحي أنا وهو اللي مطبوع عليها أسامينا.
إنتِ.. إنتِ بتقولي إيه؟ هشام قالي إنه مفركش معاكي من تلات شهور! قالي إنه مسافر دبي يخلص شغل وأول ما يرجع هيطلبني رسمي من بابا ويوثق الجواز في المحكمة!
ضحكت بمرارة وقولتلها هشام مفركش، هشام بيلبس بدلة الفرح معايا عشان ياخد تمن أرضي ويسدد شيكاته للحاج وفيق، اللي هشام مهدد بسببه بالسجن.. والواد اللي في بطنك ده، هشام مش هيعترف بيه إلا لو قدر يبتز بيه أبوكي عشان يغطي على جرايمه. إنتِ بالنسبة له مجرد كارت محروق بيلعب بيه ضد سيادة اللواء، وأنا كنت مجرد سبوبة ياخد منها ملايين الأرض.
نيرمين بدأت تنهج وتعيط بهستيريا ووشها احمر بابا لو عرف هيموتني.. بابا مريض قلب ومش هيستحمل الفضيحة دي، هشام ضحك عليا، قالي إنه بيحبني، وأنا سلمتله نفسي وغلطت.. أعمل إيه؟ أرجوكي متفضحيش أهلي!
قربت منها، مسكت إيدها التلج دي وضغطت عليها بقوة اهدي خالص.. دموعك دي مش هتفيدك بحاجة، والخوف هيدمرك إنتِ واللي في بطنك. أنا مش جاية أفضحك ولا أكسر أبوكي.. أنا جاية أنقذك وأنقذ نفسي من دجال معدوم الضمير. بس عشان ده يحصل، لازم تسمعي اللي هقولك عليه بالحرف الواحد.. اللعبة دي خلاص بقت على المكشوف، وهشام لازم
يقع، بس يقع الوقعة اللي تخليه ميعرفش يقف على رجليه تاني طول عمره.
نيرمين مسحت دموعها وهي بتبصلي بذهول وأمل تايه أنا معاكي.. هعمل أي حاجة تقوليها، بس أخرج من المصيبة دي ومن غير ما بابا يجراله حاجة.
أبوكي هيعرف، بس في الوقت المظبوط وبالطريقة اللي تخليه فخور بيكي إنك صلحتي غلطتك ووقفتي في وش النصاب ده، مش الطريقة اللي تكسره.. ودلوقتي، اسمعي اللي هيحصل..
قعدت معاها نص ساعة، فهمتها الخطة خطوة بخطوة. نيرمين هتعمل نفسها عادية جداً، هتتصل بهشام بالليل وتبان هادية، وتطلب منه يقابلها قبل الفرح بيومين عشان تديله مفتاح شقة تانية بتاعت والدها في الساحل يهربوا فيها زي ما كان موهمها، وفي نفس الوقت، هي هتسلم الموبايل التاني اللي فيه كل الرسايل الصوتية والتهديدات لمحامي بتاعي عشان نثبت عليه جناية الابتزاز وخيانة الأمانة.
خرجت من عند نيرمين، وركبت تاكسي على مكتب سعيد. دخلت عليه لقيته قاعد والمكتب مقلوب ورق، ومعاه راجل خمسيني لابس بدلة كلاسيك باين عليه الهيبة والصرامة وشه صارم جداً وفي عينيه نظرة داهية من حيتان السوق.. ده كان الحاج وفيق الشربيني بنفسه!
سعيد وقف وابتسم تعالي يا ندى.. الحاج وفيق شرفنا هنا بنفسه بعد ما قرا الورق اللي بعتناه له الصبح.
الحاج وفيق بصلّي بنظرة تقدير، ونزل نضارة القراءة على صدره وقال بصوت جهوري يا أهلاً ببنت الأصول.. المحامي بتاعك حكالي الحكاية كلها من طقطق لسلامو عليكم، ووراني بند التوكيل الملعوب اللي الموظف حطهوله.. الواد هشام ده طلع أفعى صغيرة، مفكر إنه بيلاعب عيال! جاي ياخد مني نص مليون عربون من غير ما أملك شبر في أرض المحور؟ لا وكمان بيضحك على بنت أخويا وصاحب عمري اللواء رؤوف؟ ده حسابه معايا عسير أوي.
قعدت قدام الحاج وفيق وقولتله بثبات الحاج وفيق.. أنا مش داخلة أزايد على حضرتك، ولا عايزة مشاكل مع حد من الكبار. أرضي ورث ستي، ومش هفرط فيها برياغ، وأنا عارفة إن الدولة هتنزع جزء منها للمحور والتعويض هيكون بملايين.. لو حضرتك عايز تشتري وتعمل مشروعك بما يرضي الله، بعد ما نخلص من الأراجوز ده، الورق هيكون بيني وبينك رسمي في النور وبسعر السوق العادل.. لكن هشام، لازم ياخد درسه.
الحاج وفيق خبط كفه على المكتب بضحكة رنت في الأوضة جدعة! بنت بمية راجل يا ندى.. اعتبري هشام ده خلصان. النص مليون اللي خدهم عربون مش هيشم ريحتهم تاني، والشيكات اللي عندي اللي بمبلغ اتنين مليون جنيه هقدمها للنيابة في التوقيت اللي تحددوه، عشان يتلبش في قضية نصب وخيانة أمانة وإصدار شيكات بدون رصيد تقطعه في السجن تمن سنين مستريح.
سعيد دخل في الكلام يبقى كده كل الخيوط في إيدينا يا ندى.. بس الفرح؟ هتعملي إيه في ليلة الفرح؟ القاعة اتحجزت في الفندق، والمعازيم جالهم الدعاوي، ومدام ميرفت عاممة الدنيا فخر وشياكة.
بصيت لسعيد وللحاج وفيق، وقولت بابتسامة باردة الفرح هيتعمل.. وهيكون أحلى فرح في مصر كلها. بس بدل ما يكون فرح هشام وندى، هيكون ليلة الحساب. أنا هروح الفندق عادي، وهلبس الفستان الأبيض، وهقعد في الكوافير زي أي عروسة.. وأول ما الزفة تبدأ ويدخل القاعة والكل يشوفه العريس المنتصر، هتنزل الستارة على المسرحية بتاعته.
مرت الأيام التلاتة اللي بعد كده بسرعة البرق. هشام كان بيتصل بيا كل يوم، بيسأل باهتمام مصطنع عن التحضيرات، وأنا كنت برد عليه بكل هدوء. كان حاسس بالغرور يملى عروقه، خصوصاً بعد ما نيرمين كلمته ومبينتش أي حاجة، والمقاول موهمه إن باقي المبلغ الخمسة
مليون جنيه هيتسلموله بعد الفرح بيومين لما يروحوا الشهر العقاري يسجلوا العقد النهائي بالتوكيل.
هشام كان فاكر إنه خلاص.. قفل اللعبة. مسك الفلوس، وهيخلص من البنتين، وهيدخل عالم رجال الأعمال من أوسع أبوابه بفلوس أرضي أنا اللي ورثتها عن ستي.
وجه اليوم الموعود.
يوم الجمعة، ميعاد الفرح.
من الصبح بدري، فندق خمس نجوم على النيل في الزمالك، الحركة فيه متوقفتش. مدام ميرفت كانت نازلة رايحة جاية في بهو الفندق، لابسة فستان سواريه أزرق غامق مطرز بالألماظ الصناعي، وفاردة شعرها وبتتكلم مع إدارة الفندق بأوامر وقحة كأنها بتملك المكان. جوزها قاعد في الصالون بيستقبل أصحابه الباشوات، وهشام في سويت العريس فوق بيشرب ويهزر مع شلته ومبسوط بالبدلة التوكسيدو الإيطالي اللي اشتراها من فلوس العربون.
أنا كنت في سويت العروسة مع الكوافيرة ومعايا اتنين من صحباتي المخلصين اللي كانوا عارفين جزء من الحكاية وسعيد منسق معاهم. الميك آب آرتست خلصت، وقفت قدام المراية الكبيرة. كنت لابسة الفستان الأبيض، الطرحة الطويلة الشفافة نازلة على ضهري، ومحطوط لي ميك آب هادي جداً بس مخليني أنور. مكنش في وشي نظرة العروسة المرعوبة ولا السعيدة، كانت نظرة صقر مستني الفريسة تنزل تحت مخالبه.
الساعة بقت تمنية بالليل.
صوت المزيكة والدي جي تحت بدأ يعلى. المعازيم ملو القاعة الكبيرة، ترابيزات متغطية بالستان الأبيض والورد الطبيعي، ورجال أعمال وناس واصلة، وعيلة ميرفت كلها قاعدة في الصدارة.
الباب بتاع السويت خبط، وكان سعيد لابس بدلة شيك جداً وواقف بيبتسم جاهزة يا بنت خالتي؟ المعازيم كلهم تحت، والحاج وفيق وصل وقاعد في الترابيزة الرئيسية.. والمفاجأة الكبيرة، اللواء رؤوف المنشاوي وصل
أخدت نفس عميق، ورفعت راسي لفوق جاهزة يا سعيد.. يلا ننزل نولع الفرح.
نزلت في الأسانسير الداخلي ووقفت ورا باب القاعة المقفول. هشام كان واقف برة الباب، ماسك بوكيه ورد أبيض في إيده، أول ما شافني طالعة، عينيه لمعت بزهو مقرف، قرب مني وباس راسي قدام الكاميرات والمصورين اللي عمالين يضربوا فلاشات قمر يا ندى.. طالعة زي الملكة، يلا عشان الناس مستنيانا جوة نكسر الدنيا.
بصيت في عينيه وابتسمت أهدى ابتسامة عندي يلا يا هشام.. صدقني، الليلة دي عمر ما حد في القاعة هينساها أبداً.
البابين الكبار بتوع القاعة اتفتحوا على مصراعيهم.
صوت أغنية الزفة اشتغل بهدير عالي، الدخان الأبيض غطى الأرضية، والأنوار كلها اتسلطت علينا وإحنا داخلين ماسكين إيد بعض. المعازيم وقفوا يسقفوا، ومدام ميرفت كانت واقفة في أول الصف بتزغرد بفخر وتبص للمعازيم كأنها جابت الديب من ديله.
مشينا على السجادة الحمرا، وهشام فارد صدره وبيشاور للناس بابتسامة النصر. وصلنا لحد الكوشة، وقفنا قدام الناس عشان المصور ياخد اللقطة الأولى، والمأذون كان قاعد على ترابيزة على جنب مستني يكتب الكتاب الرسمي عشان نكمل المظاهر.
المصور رفع الكاميرا وقال ابتسامة حلوة بقى يا عريس.. ابتسامة يا عروسة!
في اللحظة دي بالظبط، سحبت إيدي من إيد هشام بعنف.
هشام اتلخبط وبصلي باستغراب وهو لسه راسم الابتسامة على وشه في إيه يا ندى؟ مسكتي إيدك ليه؟ الناس بتبص علينا!
مسكت المايك اللاسلكي اللي كان محطوط على ترابيزة
الكوشة جنب بوكيه الورد، وقربته من شفايفي. رفعت صوتي في المايك، الصوت رن في كل ركن في القاعة وسكت الدي جي تماماً
مساء الخير على كل المعازيم الكرام اللي شرفونا الليلة.. نورتوا فرح ابن الأكابر هشام المنياوي!
القاعة كلها سكتت، الناس استغربت إن العروسة هي اللي ماسكة المايك وبتتكلم بالطريقة دي في أول الزفة. مدام ميرفت وشها بدأ يتغير وخطت خطوة لقدام بقلق، وهشام عينه برقت وهمسلي بغيظ وهو بيحاول يشد المايك من إيدي إنتِ بتعملي إيه يا مجنونة؟! هاتي المايك ده انزلي من هنا وبطلي فضايح!
زقيته بإيدي بقوة خلت كعبه يرجع لورا خطوتين ويخبط في الكوشة، وقولت في المايك بصوت أعلى وأقوى هز أركان الصالة اثبت مكانك يا هشام! متتحركش خطوة واحدة.. عشان الناس اللي جاية تبارك لك الليلة دي، لازم تعرف هي بتبارك لمين بالظبط.. بتبارك للمقاول المحترم، ولا للنصاب الحرامي اللي داخل يسرق يتيمة ويهرب بفلوسها؟!
القاعة اتقلبت، همهمات وصدمة بين المعازيم، ومدام ميرفت صرخت إنتِ اتهبلتي يا شحاتة؟! أمن! طلعوا البنت المجنونة دي برة الفندق!
لكن قبل ما الأمن يتحرك خطوة واحدة، باب القاعة اتفتح على آخره، ودخل الحاج وفيق الشربيني، وجنبه راجل طويل عريض، شعره أبيض وشكله يقطع الخلف من الهيبة والصرامة.. اللواء رؤوف المنشاوي، وفي إيده بنته نيرمين اللي كانت منهارة في العياط!
هشام أول ما شاف اللواء رؤوف ونيرمين داخلين، وشه بهت تماماً، بقى شبه لوح التلج، ركبه خبطت في بعضها والبوكيه وقع من إيده على الأرض
وسحقته جزمته من غير ما يحس.
بصيت لهشام اللي كان بيبلع ريقه بصعوبة كأنه بيبلع إزاز مكسور، وشاورت عليه قدام الكل الفرح ده مكانش عشاني يا حضرات.. الفرح ده كان معمولي عشان أكون ستار يغطي بيه وساخته. التوكيل اللي حيلتك يا هشام، التوكيل اللي جريت تاخد بيه نص مليون جنيه كاش من الحاج وفيق عشان تسد بيه شيكاتك المرفوضة، حبر على ورق! التوكيل باطل وميسواش تمن الورقة اللي انطبع عليها!
طلعت من بوكيه الورد بتاعي نسخة من إخطار الشهر العقاري ورميتها في وشه أرض ستي متتباعش لا بيك ولا بأشكالك! وأرض أوسيم اللي كنت فاكر إنك هتبني عليها مجدك وتدفع بيها تمن غلطتك مع بنت الناس المحترمين، هتفضل باسمي وباسم أهلي!
هشام صرخ بهستيريا وهو بيبص للواء رؤوف اللي كان بيقرب منه بخطوات بطيئة ترعب كدابة! والله العظيم كدابة! يا سيادة اللواء دي واحدة نصابة عايزة تبتزني، نيرمين.. قولي لباباكي الحقيقة!
نيرمين رفعت راسها ودموعها نازلة وقالت بصوت مسموع قدام الكل أنا قولتله الحقيقة كلها يا هشام.. قولتله على الجواز العرفي، وعلى رسايلك اللي بتهددني بيها إنك هتفضحني لو مخدتش من بابا فلوس للشيكات بتاعتك.. قولتله على كل قرفك!
اللواء رؤوف وصل قدام الكوشة، وقف قدام هشام، وفي ثانية واحدة، صوت كف نزل على وش هشام رن في الميكروفونات والصالة كلها كأنه طلقة رصاص! هشام وقع على ركبه من قوة الضربة ومسك خده وهو بينهج ومش قادر ينطق.
اللواء رؤوف بص له باحتقار وبصوت زي الرعد كنت فاكر نفسك ذكي وهتلعب ببنتي
وبشرف بيتي يا حتة صايع؟ ورقة الجواز العرفي دي هتتحول لقضية تغرير بإنثى وخطف بالتحايل، ده غير تلات سنين سجن تابتين في الشيكات اللي الحاج وفيق مقدمها للنيابة دلوقتي حالاً.. البوكس مستنيك برة باب الفندق يا هشام، وهتدفع تمن كل دقيقة وجع سببتها للناس.
مدام ميرفت جريت على ابنها ووقعت على الأرض جنبه تصوت وتلطم على وشها ابني! ضيعتونا يا عالم يا ظلمة! ده ابني متربي في أحسن مدارس!
ضحكت في المايك بأعلى صوتي، ضحكة خلت كل المعازيم يسكتوا ويبصولي ابنك متربي في الزريبة اللي افتكرتيني جاية منها يا مدام ميرفت! الوزة اللي مجبتش مقاها في صالونكم الفخم، كانت أنضف من ابنك ومن كل الفشخرة الكدابة اللي عايشين فيها بالديون والنصب!
رميت المايك على الأرض بصوت فرقعة خضت القاعة كلها، ورفعت ديل فستاني الأبيض لفوق عشان ميتوسخش من التراب. نزلت من على الكوشة بخطوات ثابتة وراسي مرفوعة للسما، عديت من وسط المعازيم اللي كانوا واقفين فاتحين بوقهم من الصدمة، ومحدش قدر ينطق بحرف.
وصلت عند باب القاعة، لقيت سعيد مستنيني بابتسامة فخر عريضة، ومعاه تاكسي واقف على باب الفندق برة.
قلعت الطرحة من على راسي ورميتها على ترابيزة الاستقبال، وبصيت لسعيد يلا يا سعيد.. روحني على أوسيم.
الفستان الأبيض هتعملي فيه إيه يا عروسة؟
بصيت للفستان وضحكت من قلبي لأول مرة من سنين الفستان ده هروح بيه الجنينة، هقعد بيه تحت شجر البرتقال اللي ستي زرعته، عشان الأرض تفرح إن حفيدتها عرفت تحميها.. وإن غدر ولاد الأكابر
