
القصر ده قبل الوظيفة دي.
ولا مريم عمرها شافت المكان ده قبل اليوم اللي دخلت فيه غرفة ياسين.
رفعت عيني للرجل وأنا مش فاهمة.
فقال بهدوء
الصورة دي اتصورت من أربع سنين.
ثم أشار لمريم في الصورة.
وساعتها بنتك كان عمرها حوالي سنة.
وسكت لحظة قبل ما يقول
وياسين الجبالي كان واقف جنبها أنا بصيت للصورة تاني، وقلبي بدأ يدق بسرعة.
مستحيل…
الرجل ما ردش.
مد إيده وأشار لركن الصورة.
كان ياسين واقف فعلًا، أصغر بأربع سنين، لكن ملامحه واضحة.
وفي إيده طفلة صغيرة لابسة فستان أبيض.
نفس ملامح مريم.
نفس العينين.
حتى الشامة الصغيرة اللي فوق حاجبها كانت موجودة.
قلت بصوت مبحوح
دي مش بنتي.
الحاجة زينب قربت من الصورة.
بصت لها طويلًا، وبعدين قالت
سلمى… دي مريم.
هزيت رأسي بعنف.
لأ. أنا متأكدة. مريم كانت معايا طول الوقت. أنا ولدت بنتي وأنا…
توقفت.
لأني افتكرت حاجة.
حاجة عمري ما بحب أفتكرها.
يوم ولادة مريم.
المستشفى.
الزحمة.
الخوف.
والساعات اللي قضيتها لوحدي قبل ما أشوف بنتي.
الرجل اللي ماسك الملف قال
إحنا مش بنقول إنها اتولدت هنا.
قلت
أمال الصورة دي إزاي؟
قال
دي بالضبط المشكلة.
الحاجة زينب انتزعت الصورة من إيده.
مين سمح لك تفتح الملف ده؟
رد بهدوء
ياسين نفسه.
سكتنا.
قال
قبل الحادثة بأيام، طلب مني أراجع كل الملفات القديمة المتعلقة بطفلة اسمها مريم.
بصيت له.
ليه؟
لأنه كان عارف إن فيه حد بيدور عليها.
قلبي اتقبض.
مين؟
قال
مش عارف.
ثم فتح الملف على صفحة تانية.
كان فيها تقرير قديم جدًا.
قرأ منه
الطفلة مريم… اختفت من المستشفى لمدة سبع ساعات أثناء انقطاع الكهرباء.
حسيت إن نفسي اتقطع.
اختفت؟
الرجل كمل
وبعد سبع ساعات رجعت.
بصيت له وأنا مش قادرة أرمش.
أنا ماعرفش الكلام ده.
الحاجة زينب بصتلي بطريقة غريبة.
سلمى… إنتِ كنتِ فين خلال السبع ساعات دول؟
قلت بسرعة
كنت في المستشفى.
لوحدك؟
أيوه.
سكتت.
ثم سألت
ومين كان موجود معاكي وقتها؟
بدأت أحاول أفتكر.
الممرضة.
الدكتور.
واحدة من قرايبي.
ثم افتكرت اسمًا.
اسمًا ما سمعتوش من سنين.
قلت بصوت منخفض
كان فيه راجل…
الرجل صاحب الملف رفع عينه.
راجل مين؟
قلت
ماعرفش اسمه.
شكله؟
غمضت عيني أحاول أفتكر.
وبدأت ملامح قديمة ترجع في دماغي.
بدلة سوداء.
ساعة فضية.
وشامة صغيرة عند رقبته.
وفجأة…
الرجل قدامي سألني
كان عنده شامة هنا؟
وأشار لرقبته.
اتجمدت.
أيوه.
بص للحاجة زينب.
يبقى هو.
سألت
مين هو؟
وقبل ما يرد، جاء صوت خطوات سريعة من آخر الممر.
جريت نجلاء ناحيتنا.
وشها كان مرعوب.
الحاجة زينب!
لفينا لها.
قالت وهي تلتقط أنفاسها
ياسين بيتكلم.
قلت
قال إيه؟
نجلاء بصتلي مباشرة.
قال جملة واحدة.
سكتت لحظة.
ثم قالت
خلي سلمى تاخد مريم وتمشي من هنا… قبل ما يعرفوا إنها رجعت هنكشف سر الظرف على مراحل، بحيث كل معلومة تفتح سؤال أكبر من غير ما نحرق المفاجأة بدري.
إيدي فضلت معلقة فوق الظرف.
بصيت للرجل.
ثم لمريم.
ثم للظرف تاني.
كان اسمي مكتوب عليه بخط إيدي… أو على الأقل الخط شبه خطي بشكل مرعب.
قلت
إنت كتبت ده إمتى؟
الرجل ما ردش.
ياسين كان بيراقبه من فوق السرير.
قال بصوت ضعيف
افتحيه يا سلمى.
الرجل لف ناحيته بسرعة.
متدخلش.
ياسين ابتسم ابتسامة خفيفة.
أنت طول عمرك بتخاف من الورق أكتر من الناس.
الجملة خلت وش الرجل يتغير.
أنا فتحت الظرف ببطء.
جواه كانت فيه ورقة واحدة.
مش رسالة.
إيصال مستشفى.
التاريخ كان من أربع سنين.
وقفت مصدومة.
قرأت الاسم.
ثم رجعت أقرأه مرة تانية.
الاسم المكتوب كان
مريم سلمى عبدالعزيز.
لكن تحت الاسم كان فيه سطر تاني
تم استلام الطفلة من قسم الطوارئ بواسطة السيد ياسين الجبالي.
رفعت عيني لياسين.
إنت استلمت بنتي من المستشفى؟
غمض عينيه.
أيوه.
الرجل صاحب المعطف قال بسرعة
لكن ده مش معناه اللي إنتِ فاكرة.
لفيت له.
أنا لسه ما قلتش إنت بتقول إيه.
سكت.
قلبت الورقة.
كان فيه ختم قديم، وتوقيع الطبيب.
وتحت التوقيع جملة مكتوبة بخط اليد
لا يتم تسليم الطفلة للأم إلا بعد التأكد من هويتها.
اتخضيت.
يعني إيه التأكد من هويتي؟
ولا حد رد.
بصيت للحاجة زينب.
إنتِ كنتِ عارفة؟
هزت رأسها.
كنت أعرف إن فيه ملف قديم… لكن ما كنتش أعرف محتواه.
رجعت أبص للورقة.
كان فيه رقم ملف.
وفي آخر الصفحة، رقم هاتف قديم.
قلت
الرقم ده لمين؟
الرجل صاحب المعطف قال
الرقم ده اتقفل من زمان.
سألته
لمين كان؟
سكت.
ياسين قال
لأخوك.
اتجمدت.
أنا معنديش أخ.
ساد الصمت.
الرجل بص للأرض.
الحاجة زينب رفعت عينيها لي.
أما ياسين فقال
كان عندك.
حسيت إن الدنيا بتلف.
يعني إيه كان عندي؟
ياسين أخذ نفسًا بصعوبة.
أخوك اختفى قبل ولادة مريم بسنتين.
قلت
أنا عمري ما كان عندي أخ!
الرجل صاحب المعطف أخيرًا تكلم
لأن عيلتك أخفت الموضوع عنك.
فتحت بوقي، لكن مفيش صوت خرج.
ثم سحبت الورقة من إيدي بسرعة.
كفاية.
الرجل بصلي.
قلت
أنا عايزة الحقيقة.
قال
الحقيقة مش كلها في الظرف.
ثم أشار للورقة.
دي مجرد الصفحة الأولى.
نظرت للظرف.
كان لسه فيه شيء آخر.
شيء صغير ومستطيل.
سحبته ببطء.
كان مفتاحًا نحاسيًا قديمًا.
ومربوط فيه ورقة صغيرة جدًا.
فتحتها.
كان مكتوبًا عليها
المكان الذي خبأنا فيه الحقيقة… لا يفتحه إلا سلمى.
رفعت عيني.
وقلت
مكان إيه؟
ياسين رد
البيت القديم.
قلت
بيت مين؟
وقبل ما يجاوب، جاء صوت مريم من خلفي
البيت اللي فيه الصورة.
لفيت لها.
أي صورة؟
مريم أشارت للمفتاح.
وقالت بمنتهى البراءة
الصورة اللي كانت ماما بتخبيها تحت السرير.
اتجمدت.
لأني عمري ما قلت لمريم عن صورة مخبيّاها تحت السرير.
والأغرب…
إني فعلًا كان عندي صورة قديمة تحت سريري.
صورة ما فتحتهاش من سنين.
وصورة كنت متأكدة إني شوفت فيها…
ياسين الجبالي اتسمرت مكاني.
قبل ما يعرفوا إنها رجعت؟
كررت كلام نجلاء وأنا مش فاهمة.
الحاجة زينب بصت للرجل صاحب الملف.
مين هم؟
لكنه ما جاوبش.
بدل كده، قفل الملف بسرعة وقال
لازم ننزل مريم من القصر فورًا.
قلت بعصبية
لأ! أنا مش هاخد بنتي وأمشي من غير ما أفهم. إيه اللي حصل لبنتي زمان؟ وإيه علاقة ياسين بيها؟
الحاجة زينب قربت مني وقالت
لأن ياسين ما كانش مجرد شاهد على اللي حصل.
أمال كان إيه؟
سكتت.
وفي اللحظة دي، خرج الدكتور من الغرفة وقال
ياسين طلب يشوف أم مريم.
بصيت له.
دلوقتي؟
أيوه.
دخلت وأنا قلبي بيخبط.
ياسين كان مستلقي على السرير، الأجهزة حوالين جسمه، لكنه كان صاحي.
ولأول مرة شفت عينيه بوضوح.
كانت مرهقة، لكن فيها إصرار.
قربت منه.
أنا سلمى.
حاول يتكلم.
صوته كان ضعيفًا
عارف.
اتصدمت.
إزاي؟
حرك عينه ناحية الباب.
كنت… مستني اليوم ده.
قربت أكتر.
يوم إيه؟
أخذ نفسًا بصعوبة.
اليوم اللي مريم… ترجع فيه هنا.
سألته
بنتي كانت هنا قبل كده؟
غمض عينيه لحظة.
ثم قال
أيوه.
قلبي وقع.
إمتى؟
من أربع سنين.
وإنت كنت تعرفها؟
هز رأسه.
مش زي ما إنتِ فاكرة.
ثم حاول يرفع إيده.
فشفت إنه كان ماسك شيئًا صغيرًا داخل كفه.
طلبت منه نجلاء تفتح إيده.
كانت قطعة معدنية صغيرة، على شكل أرنب.
أول ما شفتها…
اتنفست بصعوبة.
لأن مريم عندها أرنب رمادي لعبة من وهي صغيرة.
لكن القطعة اللي في إيد ياسين كانت مطابقة تمامًا لتعليقة كانت مربوطة في اللعبة.
قلت
دي بتاعة مريم.
ياسين فتح عينيه بصعوبة.
وقال
عشان كده… عرفتها.
سألته
عرفت بنتي من إيه؟
قال
من صوتها.
سكت لحظة.
ثم أضاف
نفس الأغنية.
أنا حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
إيه الأغنية؟
ياسين نظر للسقف.
وقال
أمك كانت بتغنيها لك… وإنتِ صغيرة.
اتجمدت.
أمي؟
هز رأسه.
أيوه.
أنا ما فهمتش.
أمي ماتت قبل ولادة مريم بسنين.
لكن ياسين قال جملة أخيرة خلتني أحس إن كل اللي أعرفه عن حياتي ممكن يكون ناقص
مريم مش هي السر يا سلمى…
وسكت.
السر الحقيقي… هو إنتِ.
وقبل ما ألحق أسأله، انطفأت أنوار الجناح بالكامل.
صرخت نجلاء.
وبعد ثواني، اشتغل ضوء الطوارئ.
الحاجة زينب دخلت بسرعة.
لكن ياسين كان بيبص ناحية الباب.
وقال بصوت متقطع
وصلوا.
ثم سمعنا صوت مفتاح بيلف في الباب الخارجي للجناح.
حد كان داخل القصر حسيت إن الأرض بتتحرك تحت رجلي.
بصيت لمريم.
إنتِ شفتي الصورة دي فين؟
مريم هزت كتفها.
في البيت يا ماما.
إمتى؟
فكرت شوية، وبعدين قالت
قبل ما نيجي هنا.
أنا سكت.
لأن البيت اللي كانت بتتكلم عنه هو شقتنا القديمة.
الشقة اللي سبتها من أكتر من سنة.
والصورة فعلًا كانت موجودة هناك.
لكن أنا كنت حاطاها داخل ظرف، والظرف متخبي في صندوق مقفول.
مستحيل مريم تكون شافته.
التفتُّ لياسين.
إنت تعرف الصورة دي؟
رد بعد صمت
أيوه.
كانت فيها إيه؟
بص لي طويلًا.
ثلاثة أشخاص.
سألته
مين؟
قال
أنا… وأمك… وشخص ثالث.
قلبي خبط.
مين الشخص الثالث؟
ياسين غمض عينيه.
لما تشوفي الصورة، هتعرفي.
الرجل صاحب المعطف تدخل
مفيش وقت.
بصيت له.
ليه؟
قال
لأن المفتاح اللي في إيدك مش مفتاح بيت.
سكت لحظة.
ده مفتاح خزنة.
الحاجة زينب قالت
خزنة فين؟
رد
في البيت القديم لعيلة سلمى.
أنا بصيت للمفتاح.
بيت عيلتي؟
هز رأسه.
أيوه.
سألته
وإيه اللي جواها؟
قال
حاجة ياسين خبّاها من أربع سنين.
ياسين فتح عينيه وقال
مش أنا اللي خبّيتها.
الرجل التفت له.
كنت موجود.
كنت موجود، لكن مش أنا اللي حطيتها.
أنا بصيت بينهم.
حد يفهمني!
ياسين حاول يرفع نفسه، والدكتور منعه.
لكنه أصر.
وقال
سلمى… لما وصلنا للمستشفى من أربع سنين، مريم ما كانتش لوحدها.
سكت.
أنا قربت منه.
كانت مع مين؟
نظر لي مباشرة.
كانت مع ست.
مين؟
ياسين بلع ريقه.
الست دي كانت ماسكة صورة ليكي.
قلبي اتقبض.
صورتي؟
أيوه.
وقالت لك إيه؟
ياسين ظل ساكتًا لحظات.
ثم قال
قالت لي لو سلمى سألت عن بنتها… قول لها إن بنتها ماتت.
شهقت.
نجلاء حطت إيدها على بقها.
أما أنا فحسيت إن رجلي ما بقتش شايلاني.
إنت كنت عارف؟
ياسين قال
أيوه.
دموعي نزلت.
وسبتني أفتكر إن بنتي…
قاطعني بسرعة
لا.
أمال ليه ما قلتليش؟
لأن


