منوعات

بنتي الصغيرة

بنتي الصغيرة اللي عندها تلات سنين اتسللت من باب ممنوع، وراحت تغني لياسين الجبالي، أخطر وأخوف رجل أعمال في القاهرة، وهو نايم فاقد الوعي ومحاوطاه الأجهزة الطبية. هي أصلًا ما كانش المفروض تدخل الأوضة دي، لكن بعد تسعة وأربعين ليلة تقريبًا من غير أي استجابة، قلبه اتفاعل مع صوتها، ومع وقت الفطار، كانت الست اللي ماسكة إدارة قصره عارفة بالظبط مريم عملت إيه.
أنا أخدت الشغل في قصر عيلة الجبالي لأني تعبت من إني أشوف بنتي بتنام جوه عربيات الغسيل وأنا بشتغل ورديات ليلية.
لمدة سنة ونص، كنت بعمل أي شغل ممكن ألاقيه في القاهرة. أشتغل في مطعم الصبح. أنضف شقق. أغسل هدوم لحد الفجر. لحد ما ظهرت الوظيفة دي، والمرتب كان كفاية يخلي مريم وأنا نقدر أخيرًا ناخد نفسنا من غير ما أفضل طول الوقت خايفة من بكرة.
لكن كان فيه شرط واحد.
قالت لي الحاجة زينب، الست الكبيرة المسؤولة عن البيت، وهي بتبصلي ببرود
الدور التاني والجناح الطبي ممنوع تدخليه.
هزيت راسي وقلت
حاضر، فهمت.
ما سألتش ليه.
الست اللي محتاجة الفلوس بتتعلم بسرعة إن الفضول ممكن يضيّع منها أكل عيالها.
لكن مريم كان عندها تلات سنين.
وأنا كنت لسه بتفرج على أوض الملايات والمخازن، هي طلعت السلم من غير ما أحس، والأرنب الرمادي اللعبة بتاعها متدلي من إيدها.
وفي آخر الطرقة، لقت باب تقيل مفتوح سنة صغيرة، فقربت منه وزقته.
ودخلت.
جوه الأوضة كان نايم ياسين الجبالي.
عنده تمنية وتلاتين سنة.
راجل غني وقوي ومرعب لدرجة إن الرجالة اللي حواليه كانوا بيخفضوا صوتهم أول ما يسمعوا اسمه.
من تلات أسابيع، عربيته اتقلبت تلات مرات بعد حادثة بشعة على طريق السويس، بعد ما عربية خبطته بسرعة جنونية.
ياسين نجا.
لكن ما فاقش.
مريم ما كانتش تعرف أي حاجة من دي.
هي شافت بس راجل وشه شاحب، نايم لوحده، وأجهزة كتير حواليه، وجهاز تنفس بيساعده ياخد نفسه.
حكايات_شروق_خالد
قربت منه وهمست
يا عمو؟
ما ردش.
فضلت تبص له شوية، وبعدين قالت
إنت نايم؟
سحبت كرسي صغير وحطته جنب السرير، وطلعت عليه، ومدت إيدها لمست إيده الساكنة.
وقالت ببراءة
إنت مش بتخاف وإنت نايم لوحدك؟
وبعدين ابتسمت.
أنا بعرف أغني.
وبدأت تغني نفس الأغنية اللي كنت بغنيهالها كل ما الرعد يخوفها.
وعند باب الأوضة، كانت الممرضة نجلاء واقفة مكانها من الصدمة.
بصت على شاشة جهاز مراقبة القلب.
نبض ياسين ارتفع خمس ضربات.
وبعدين سبعة.
تسعة وأربعين ليلة كاملة، الأدوية، والأطباء، والأصوات، ولمس إيده، كل ده ما كانش بيعمل أي فرق يُذكر.
لكن صوت طفلة صغيرة غيّر الرقم.
مريم خلصت غناها، وباست إيد ياسين، وقالت له بهمس
بكرة هغنيلك أحسن.
وبعدين نزلت من على الكرسي وخرجت من الأوضة، من غير ما تعرف إن الممرضة نجلاء شافت كل حاجة.
نجلاء ما بلغتش عنها.
لكن تاني يوم الصبح، رجعت تراجع سجل ضربات قلب ياسين مرة تانية.
الاستجابة كانت لسه موجودة.
صغيرة.
لكن واضحة.
وحقيقية.
طبعت ورقة تخطيط القلب وخبّتها في درج مقفول عندها.
وأنا ما كنتش أعرف أي حاجة من ده لما الحاجة زينب دخلت مطبخ العاملين وأنا بصب الشاي.
قالت لي
سلمى… عايزاكي في كلمة.
قلبي اتقبض.
مشيت وراها لحد مكتبها، المكان اللي ريحته خشب قديم وعطور غالية.
قفلت الباب وراها.
صوت القفلة كان كفيل يخليني أتوتر أكتر.
وبعدين لفت ناحيتي.
وشها كان بارد بشكل يخوف.
وقالت
بنتك طلعت فوق امبارح ووو
قالت الحاجة زينب
بنتك طلعت فوق امبارح.
اتجمدت مكاني.
إيدي اللي كانت ماسكة كباية الشاي بدأت ترتعش.
قلت بسرعة
أنا آسفة يا حاجة… والله ما كنت أعرف إنها طلعت. هي كانت جنبي طول الوقت، يمكن غفلت عنها دقيقة…
قاطعتني بنبرة حادة
أنا مش بسألك كانت فين.
سكتُّ.
قربت مني خطوة وقالت
أنا بسألك… بنتك دخلت أوضة ياسين؟
حسيت إن الدم انسحب من وشي.
قلت
ياسين؟
بصتلي في عيني مباشرة.
أيوه. ياسين الجبالي.
بلعت ريقي وقلت
معرفش… والله معرفش.
فضلت ساكتة ثواني، وبعدها قالت جملة خلت قلبي يقع في رجلي
بنتك دخلت أوضته، وقعدت عند سريره، وغنّت له.
شهقت
إيه؟!
رفعت إيدها تمنعني من الكلام.
ولسه الموضوع مش هنا.
طلعت ورقة من درج مكتبها، وحطتها قدامي.
كانت صورة من جهاز مراقبة القلب.
الأرقام فيها كانت متغيرة بشكل واضح.
وقالت
من اللحظة اللي بنتك بدأت تغني فيها… ضربات قلبه ارتفعت.
بصيت للورقة وأنا مش فاهمة.
يعني إيه؟
قالت
يعني إن ياسين استجاب لصوتها.
سكتُّ تمامًا.
حاجة زينب سحبت نفس طويل وقالت
وإنتِ عارفة معنى ده؟
هزيت راسي بالنفي.
قالت
الأطباء مش عارفين يفسروه.
وفجأة، قبل ما ألحق أتكلم، الباب اتفتح بعنف.
دخلت الممرضة نجلاء، وشها متوتر، وفي إيدها ملف.
قالت
الحاجة زينب… لازم تيجي حالًا.
زينب قامت.
حصل إيه؟
نجلاء بصتلي للحظة، وبعدها قالت
التخطيط اتغير تاني.
سألت زينب بقلق
إزاي؟
قالت نجلاء
من عشر دقايق.
سكتت لحظة، ثم أضافت
نفس النمط اللي حصل لما مريم كانت بتغني.
أنا حسيت إن ركبتي مش شايلاني.
لكن نجلاء كملت
والمشكلة إن مريم مش موجودة فوق دلوقتي.
الحاجة زينب بصت لها بحدة.
متأكدة؟
متأكدة.
خرجنا من المكتب بسرعة.
وأنا ماشية وراهم، كنت مش فاهمة ليه قلبي بيخبط بالشكل ده.
وصلنا قدام الجناح الطبي.
كان فيه دكتورين واقفين عند باب الغرفة.
واحد منهم كان ماسك التابلت، والتاني بيتكلم بصوت منخفض.
أول ما شافوا الحاجة زينب، الدكتور قال
حصلت استجابة عصبية جديدة.
سألته
يعني إيه؟
بصلي، وكأنه لأول مرة يلاحظ وجودي.
ثم قال
مين الست دي؟
زينب ردت
دي أم الطفلة.
الدكتور سكت.
وبعدين قال
لازم نعرف بنتك قالت له إيه بالضبط.
اتوترت.
هي قالت له إنها هتغنيله بكرة… وبس.
الدكتور هز راسه.
لا.
بصيت له.
يعني إيه لا؟
قال
إحنا راجعنا التسجيل.
فتح التابلت.
وشغّل مقطع من كاميرا صغيرة كانت موجودة داخل الغرفة.
ظهرَت مريم وهي واقفة جنب السرير.
وسمعت صوتها وهي بتقول
إنت مش بتخاف وإنت نايم لوحدك؟
وبعدها بدأت تغني.
لكن فجأة…
قبل ما مريم تخلص الأغنية بثواني، ياسين حرّك صباعه.
مرة.
ثم مرة تانية.
الدكتور وقف التسجيل.
وقال
شوفوا هنا.
كبر الصورة.
إيد ياسين كانت فعلًا بتتحرك.
لكن الدكتور لم يبدُ مهتمًا بالحركة نفسها.
كان مركز في شيء آخر.
قال
في اللحظة دي بالذات، مريم قالت جملة.
بصلي.
وإحنا محتاجين نعرف قالتها لمين.
قلت
قالت إيه؟
شغّل المقطع مرة تانية.
وصوت مريم الصغيرة خرج من السماعة
متخافش يا عمو… أنا عارفة إنك سامعني.
الغرفة كلها سكتت.
أنا بصيت للدكتور.
هو بص للحاجة زينب.
أما نجلاء، فكانت بتبص للباب كأنها سمعت حاجة.
وفجأة…
جاء صوت من داخل الغرفة.
صفارة طويلة من جهاز المراقبة.
الدكتور اندفع للداخل.
ونجلاء وراه.
الحاجة زينب مسكت دراعي بقوة.
أما أنا…
ففضلت واقفة مكاني.
لحد ما سمعت الدكتور يصرخ
استنوا!
وبعد ثواني خرج وهو شاحب.
وقال
محدش يدخل مريم الأوضة تاني.
قلت بخوف
ليه؟
بصلي للحظات، ثم قال
لأن ياسين فاق.
لكن قبل ما أفرح…
هز رأسه وقال
أو على الأقل… عينيه اتفتحت.
وسكت.
ثم أضاف بصوت منخفض
والمشكلة إن أول حاجة عملها بعد ما فتح عينه… إنه بص ناحية الباب.
الحاجة زينب قربت منه.
يعني إيه؟
الدكتور رد
كأنه مستني حد يدخل.
ثم سمعنا من جوه الغرفة صوت ضعيف جدًا…
صوت رجل مبحوح بعد صمت طويل
مريم…اتجمدت في مكاني.
الحاجة زينب بصت للدكتور، والدكتور نفسه كان واقف مش مصدق اللي سمعه.
هو قال اسمها؟
نجلاء هزت راسها ببطء.
أيوه… قال مريم.
أنا قربت خطوة ناحية الباب.
لكن الدكتور مد إيده يمنعني.
استني.
قلت بصوت مرتعش
ده اسم بنتي… إزاي عرفه؟
محدش رد.
ومن جوه الغرفة، جاء الصوت مرة تانية، أضعف من الأول
مريم…
حطيت إيدي على بقي.
بنتي كانت هنا مرة واحدة بس.
الحاجة زينب بصتلي بحدة.
ومحدش كان بيناديها باسمها قدامه.
نجلاء قالت بسرعة
أنا اللي كنت موجودة وقتها، ومريم قالت اسمها بنفسها لما سألتها أنا.
الدكتور سألها
إمتى؟
قبل ما تدخل عنده بدقايق.
الدكتور سكت، وكأنه بيجمع كل الاحتمالات.
ثم دخل الغرفة.
بعد لحظات، خرج وقال
هو واعي، لكن لسه ضعيف جدًا.
قلت
عايزة أشوفه.
قال بحزم
مش دلوقتي.
لكن فجأة سمعنا صوت جهاز الإنذار.
جرينا كلنا ناحية الغرفة.
كان ياسين بيحاول يحرك إيده.
عيناه مفتوحتان، ووجهه شاحب، لكن نظرته كانت مركزة بشكل غريب.
كان بيبص للباب.
ثم رفع إيده بصعوبة وأشار ناحية الخارج.
الدكتور قرب منه وقال
عايز إيه؟
ياسين حاول يتكلم.
صوته خرج متقطعًا
البنت…
الدكتور سأله
مريم؟
هز ياسين رأسه.
أيوه…
ثم أغلق عينيه من التعب.
أنا قربت من الباب ودموعي نزلت من غير ما أحس.
لكن قبل ما أقول أي كلمة، الحاجة زينب أمسكت دراعي وقالت
سلمى… إنتِ لازم تسمعي الكلام اللي هقولهولك كويس.
بصيت لها.
قالت
من اللحظة دي، مريم مش هتدخل الجناح ده تاني.
قلت
حاضر.
سكتت لحظة.
ثم أضافت
ومش عشان حالته.
سألتها
أمال ليه؟
نظرت ناحية الغرفة وقالت
لأن قبل الحادثة بيومين، ياسين قال لي جملة غريبة جدًا.
قلبي اتقبض.
قال إيه؟
قالت
قال إن لو حصل له أي حاجة، فيه شخص واحد بس لازم نوصله قبل أي حد.
سألتها
مين؟
الحاجة زينب فتحت بوقها علشان تجاوب…
لكن قبل ما تنطق، ظهر رجل عند آخر الممر.
كان لابس بدلة سوداء، ووشه جامد، وفي إيده ملف بني.
وقف قدامنا وقال
الحاجة زينب… لازم نتكلم.
ردت
مش دلوقتي.
قال
بالعكس. دلوقتي بالذات.
ثم بص ناحيتي.
وقال
دي والدة الطفلة؟
زينب ما ردتش.
فابتسم ابتسامة صغيرة وقال
يبقى لازم تعرف الحقيقة.
أنا حسيت إن رجلي بتترعش.
حقيقة إيه؟
فتح الملف.
طلع منه صورة قديمة.
وحطها قدامي.
أول ما شفت الصورة…
ما قدرتش أتكلم.
لأن الصورة كانت لمريم.
لكن مريم وقتها كانت أصغر بكتير…
والأغرب من كده إن الصورة كانت متصورة داخل قصر الجبالي نفسه.
وأنا عمري ما دخلت

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى