
بدأت إجراءات السفر. كانت صعبة وطويلة، بس عبير كانت مصممة. كل ورقة بتخلصها، كل خطوة بتاخدها، كانت بتشوف فيها حلم الشقة بيقرب. عدت الأيام، وجه يوم الوداع.
ملك وملاك كانوا صغيرين أوي عشان يفهموا يعني إيه “ماما مسافرة”. حضنوها وهما بيبكوا، وعبير كانت بتقطع قلبها. “هتوحشوني يا روح قلبي. ماما رايحة عشان تجيبلكوا بيت حلو.”
ودعت مختار بحضن طويل. “خلي بالك من البنات يا مختار. دول أمانة في رقبتك.”
“في عنيا يا عبير، روحي وأنتي مطمنة.” مختار قالها وعيونه كانت بتلمع لمعة غريبة عبير ماقدرتش تفسرها في زحمة المشاعر.
وسافرت عبير.
في بلد الغربة، كانت عبير بتشتغل بجهد كبير. شفتات طويلة، أيام مرهقة، الوحدة كانت بتقرص في قلبها، لكنها كانت بتفكر في بناتها ومختار والشقة. كل شهر، كانت بتبعت جزء كبير من مرتبها لمختار عشان يجمع فلوس الشقة. كانت بتحاول تكلمهم كل يوم، بس المكالمات كانت قصيرة ومختار دايماً مشغول.
“الفلوس وصلتك يا مختار؟”
“أيوة يا حبيبتي، وصلت. ربنا يكرمك يا عبير، بتتعبي أوي.”
“المهم أنتوا كويسين. البنات عاملين إيه؟ وحشوني أوي.”
“البنات كويسين وزي الفل. سلميلي على أمك. ها، جمعتي قد إيه؟”
في يوم من الأيام، بعد حوالي سنة من سفر عبير، مختار كلمها وهو صوته فيه فرحة. “عبير، لقيت الشقة! شقة ممتازة يا عبير، في مكان نضيف، وهتشطب على ذوقنا. فلوسك كفت الحمد لله! أنا خلاص حجزتها وبدأنا تشطيب.”
عبير قلبها كان بيرقص من الفرحة. “بجد يا مختار؟ يا روحي يا مختار! أخيراً الحلم هيتحقق! دي أحلى أخبار سمعتها في حياتي! مبروك علينا يا حبيبي!”
فضلت عبير تبعت الفلوس عشان التشطيب والفرش، ومختار كان دايماً يطمنها إن كل حاجة ماشية تمام. في المقابل، حياة مختار في مصر كانت بتاخد مسار تاني خالص.
بعد ما استلم الشقة الجديدة، ونقل هو وأمه والبنات ليها، كانت حماتها طايرة من الفرحة. أخيراً عندها مكان واسع ومريح. لكن المشكلة القديمة فضلت موجودة. عبير بعيدة، ومختار عايش لوحده مع أمه وبناته.
في العمارة الجديدة، كانت فيه جارة مطلقة اسمها نرمين، ست هادئة ومقبولة، ولسانها معسول. نرمين كانت دايماً بتشوف مختار وهو رايح الشغل وراجع، وبيوصل بناته للمدرسة. بدأت نرمين تتقرب من أم مختار، تساعدها في قضاء حوائجها، وتزورها وتونسها. أم مختار بدأت تحب نرمين وتتكلم عنها قدام مختار.
“بصراحة يا مختار، نرمين دي ست بيت أصيلة. بنت حلال. بتدخل قلبي والله. مش زي اللي سابوكي وسافروا.”
مختار كان بيسمع الكلام ده في الأول باستهزاء، بس مع الوقت، وبفعل الوحدة اللي كان بيحس بيها، وبفعل قرب نرمين منه ومن بناته، بدأ قلبه يلين. نرمين كانت بتهتم بيه، بتسأله عن يومه، بتعمله أكل في الأيام اللي أم مختار بتكون تعبانة، وبتلاعب بناته. فرق كبير بينها وبين عبير اللي في آخر الدنيا.
“إيه رأيك يا مختار لو اتجوزتيني؟” في يوم من الأيام، نرمين قالتها لمختار بكل صراحة. “أنا عايزة أعيش معاك العمر كله، وأربيلك بناتك كأنهم ولادي. مش عايزة منك غير الحلال.”
مختار اتردد في الأول. “بس أنا متجوز يا نرمين.”
“عبير في بلد تانية يا مختار، وسابتك سنين. وانت محتاج ست جنبك. أنا مستعدة أكون الست دي.”
نرمين كانت ذكية. عرفت تلعب على وتر ضعفه ووحدته. أم مختار كانت بتايدها بقوة. “اتكل على الله يا ابني. عبير اختارت السفر. أنت ليك حق في ست تهتم بيك.”
وافق مختار. لكن نرمين كان عندها شرط قاطع. “مش هتجوزك إلا لما تطلقها. أنا مش ضرة لحد، ومش هعيش في وضع غير مناسب.”
الشرط ده كان صعب على مختار. عبير؟ اللي بنت معاه عش الزوجية؟ اللي سابت حياتها عشانه؟ لكن إغراء نرمين، وكلام أمه، والوحدة، كانوا أقوى. مختار قرر يطلق عبير غيابي، من غير ما تعلم، ومن غير ما تسمع كلمة واحدة منه. كل ده وهو لسه بيستقبل فلوسها، وبيطمنها على الشقة.
بعد طلاقه لعبير، مختار ونرمين اتجوزوا بسرعة، في سرية تامة. محدش عرف غير المقربين أوي. مرت الأيام، ونرمين حملت، وبعد حوالي سنة من جوازهم، نرمين خلفت ولد سموه “آسر”. مختار كان طاير من الفرحة. ولد! أخيراً بقى عنده ولد زي ما كان يتمنى.
في الوقت ده، عبير كانت بتخلص إجراءات رجوعها. جمعت كل الفلوس اللي كانت بتحلم بيها. شافت الشقة الجديدة متشطبة ومفروشة في خيالها. كانت عايزة تعمل مفاجأة لمختار، وتشوف الفرحة في عيونه لما يلاقوها قدامه.
حجزت عبير طيارتها، وما قالتش لمختار. خدت أجازة من شغلها، وجهزت شنطتها، ورجعت مصر بعد سنين غربة. قلبها كان بيدق من الشوق لبناتها ولمختار. كانت بتتخيل لحظة لقاهم، والحضن اللي هيدفي سنين الشوق.
وصلت عبير المطار، وخدت تاكسي على العنوان الجديد. العمارة كانت حلوة، والشارع رايق. طلعت عبير السلالم، وقلبها بيطير من الفرحة. وصلت قدام باب شقتها الجديدة، اللي تعبت وشقيت عشانها.
خبطت على الباب. مرة، واتنين، وتلاتة.


