
“حكايات الكاتبة ملك إبراهيم.. رفعت النضارة السودا من على عينيها، وبصت لمختار بابتسامة باهتة بس جادة. مختار اتصدم. قلبه وقع في رجليه. دي… دي عبير! عبير طليقته؟ إيه اللي جابها كده؟ إيه العربية دي؟ إيه اللبس ده؟ عبير قربت منه بخطوات واثقة، عكس المرة اللي فاتت تمامًا. مختار كان واقف مصدوم، مش قادر ينطق ولا كلمة.
“إزيك يا مختار.” قالتها عبير بصوت هادي، بس جواه قوة غريبة. “متتخضش كده. أنا مش جاية أعمل مشاكل.”
مختار بلع ريقه بصعوبة. “عبير… إيه اللي جابك؟ إيه العربية دي؟”
عبير تجاهلت سؤاله، وكأنها سامعتهوش. “أنا جاية عشان بناتي يا مختار. الفلوس اللي خدتها مني، والشقة اللي إنت عايش فيها مع الست اللي اتجوزتها، كل ده ولا حاجة بالنسبة لي. أنا رجعت ومعايا فلوس كتير أوي يا مختار. اشتريت شقة أكبر وأفخم من شقتك دي بكتير في منطقة راقية جدًا. والعربية دي… زي ما أنت شايف.” بصت العربية بإيماءة خفيفة.
مختار كان بيسمع وهو مش مصدق ولا كلمة. عبير دي؟ عبير اللي كانت بتمشي بالجنيه على الجنيه؟ عبير الممرضة اللي كانت شغالة ليل ونهار عشان توفر قرشين؟
“أنا عايزة بناتي يباتوا عندي النهاردة. وكل أسبوع هيجوا يقضوا معايا يوم.” قالتها عبير بصوت أمر، مش سؤال.
مختار كان لسه في حالة صدمة، عقله مش قادر يستوعب التحول ده. “إزاي… إزاي يعني؟”
“إزاي دي مش مشكلتك. المهم إن بناتي هيجوا معايا الليلة دي. والليلة دي بس، عشان أقدر أعوضهم عن غيابي. وبعد كده، كل أسبوع يوم. ولو رفضت… أنا ممكن أوريك وش تاني خالص يا مختار، وش عمرك ما شفته قبل كده.” قالتها عبير وعينيها ثابتة، ووشها هادي وقوي.
في اللحظة دي، البنات خرجوا من المدرسة. أول ما شافوا عبير، عيونهم وسعت بس المرة دي كانت فيه فرحة، مش خوف. “ماما!” الاتنين جريوا ناحيتها.
عبير حضنتهم بحب، رفعتهم عن الأرض وهي بتضحك من قلبها. مختار كان واقف بيتفرج على المشهد، حاسس إن الأرض بتتسحب من تحت رجليه. عبير القديمة اللي يعرفها اختفت، وحلت محلها ست تانية خالص. ست قوية، وماحدش يقدر يكسرها.
تخيل مختار للحظة إن كل ده كابوس وهيصحى منه. لكن صوت البنات وهما بينادوا “ماما!”، وحضن عبير ليهم، أكدله إنها حقيقة. عبير دي، اللي كانت من شوية ممرضة على باب الله، رجعت بلمعة في عينيها وقوة في صوتها.
مختار، اللي عقله كله بقى مشغول بظهور عبير المفاجئ، ماقدرش يرفض طلبها. “خلاص يا عبير، خدي البنات. بس يبقوا يرجعوا بكرة بدري.” قالها بصوت هادي، بيحاول يداري الصدمة اللي جواه.
عبير ابتسمت ابتسامة انتصار خفيفة. “متخافش، هيرجعوا بكرة في ميعادهم. سلام يا مختار.” خدت عبير البنات، وركبت عربيتها، وسابت مختار واقف لوحده، عقله بيودي ويجيب. ندم، ندم مرير، بدأ ياكل في قلبه. ياريتني ما طلقتك يا عبير. ياريتني ما سمعت كلام نرمين. ياريتني ما فرطت في بيتي.
رجع مختار البيت وهو بيبص لنرمين بغيظ مكتوم. كل حركة بتعملها، كل كلمة بتقولها، كان شايف إنها السبب في اللي حصل. زمانه كان قاعد في شقة أكبر، معزز مكرم. لكن دلوقتي؟ لا. عبير قطعت التواصل. بقى مضطر هو اللي ينزل ويشتغل عشان يكفي البيت، بعد ما اتعود إن الأمور كانت أسهل. بص لـ”آسر” ابنه وهو بيبكي، حس إن المسؤولية طوق حوالين رقبته.
في نفس الوقت، عبير كانت في قمة سعادتها وهي بتفرج بناتها على شقتها الجديدة. الشقة كانت فعلًا تحفة، واسعة، وفيها كل حاجة ممكن يحلموا بيها. غرفة خاصة لكل بنت، ألعاب كتير، وشاشات تلفزيون كبيرة. عبير كانت قاصدة إن البنات ينبهروا، عشان يروحوا يحكوا لأبوهم على كل التفاصيل.
“ودي أوضتك يا ملك، ودي أوضتك يا ملاك! اختاروا اللي تعجبكوا.” قالتها عبير وهي بتفتح أوضتين كبار، كل واحدة أحلى من التانية.
البنات عيونهم كانت بتبرق من الفرحة. كانوا بيجروا في الشقة، يكتشفوا كل زاوية، ويضحكوا بصوت عالي. “الله يا ماما! الشقة دي تحفة! أحلى بكتير من شقتنا!” قالت ملك وهي بتنط على السرير الجديد.
“آه يا ماما! أنا عايزة أعيش معاكي هنا على طول!” كملت ملاك.
عبير حضنتهم بحنية. “كل حاجة في وقتها يا حبايبي. المهم دلوقتي تستمتعوا بوقتكوا معايا.”
تاني يوم، البنات رجعوا بيت أبوهم وهما طايرين من الفرحة. أول ما دخلوا، مختار كان مستنيهم بلهفة، مش عشان شوقه ليهم، قد ما كان عايز يعرف تفاصيل الزيارة.
“ها يا حبايبي، اتبسطوا عند ماما؟”
“أوي أوي يا بابا! ماما عندها شقة كبيييرة كبيييرة! وفيها أوضتين لينا إحنا بس! وألعاب كتيير، وتلفزيون كبير أوي!” ملك كانت بتحكي وهي بتلوح بإيديها الصغيرين.
“آه يا بابا! أحلى من شقتنا بكتير! وفيها بلكونة كبيرة وفيها زرع! وماما عندها عربية كبيرة أوي لونها أسود، حلوة خالص!” ملاك كملت بحماس.
مختار كان بيسمع وكل كلمة بتتقال كانت بتوجعه أكتر وتأكدله حجم الخسارة. نرمين كانت قاعدة سامعة ومبتغاظة، بس مش قادرة تتكلم.
“نفسنا نعيش معاها على طول يا بابا. ينفع يا بابا؟” ملك سألت ببراءة.
مختار ما عرفش يرد. بص لبناته، وبعدين بص لنرمين اللي وشها كان قالب ألوان. فكرة إن بناته عايزين يعيشوا مع عبير، وإن عبير عندها حياة أفضل من حياته، كانت بتطحنه. الشقة الفخمة، العربية، كل ده كان بيزود الطمع في قلبه، والندم بيزيد كل لحظة.
جه معاد الزيارة التانية للبنات عند عبير. مختار، اللي كان الفضول بياكل في قلبه، قرر إنه لازم يروح معاهم. “أنا هوصل البنات يا عبير، عشان متتعبيثي.” قالها وهو بيحاول يبان مهتم، لكن عبير كانت عارفة كويس اللي بيدور في دماغه.

