
واقفة جوا النعش وماسكة بيد أباها، وقلت بصوت حاولت أجعله واثق ومسموع للكل
محدش يلمس النعش.. محدش يقرب منه لحد ما يجي الطوارئ!
مازن حاول يعترض بلهجة حادة
يا نورهان إنتِ بتقولي إيه؟ ده سليم راح لله، والبنت في صدمة ومش عارفة بتقول إيه! تعالي نخرجها من هنا بدل ما تعمل مشكلة!
بصيت له بنظرة حادة خلت هو اللي يتراجع خطوة لورا
فريدة مش بتكذب أبداً. وإن كان سليم راح لله، فما فيش مانع ننتظر شوية لحد ما يجي الدكتور والإسعاف، يطمنوا الجميع، وبعدين نكمل واجبنا.
حماتي كانت واقفة جنب الباب، دموعها ما وقفتش، بس لما سمعت كلامي وكلام فريدة، بدأت تتردد وتنظر ل مازن بترقب وقلق. كانت تحب سليم جداً، وكل كلمة بتقولها فريدة كانت تزيد من ارتباكها.
اتصلت بالإسعاف مرة تانية، وقلت لهم الحالة طارئة، وطلبت منهم يجوا بسرعة، وإن ممكن يكون فيه غلط في تشخيص الوفاة. في نفس الوقت، كنت حاسة إن مازن مش مرتاح أبداً، كان بيمشي يمين وشمال، يشوف الساعة كل دقيقة، ويحاول يكلمني عشان أغير رأيي، بس أنا كنت مصممة.
وفجأة، عينى وقعت على تليفون مازن اللي كان واقف على حافة الكرسي جنبه، والشاشة مفتوحة على رسالة جاية لسه من دقائق. ما كنتش ناوية أقراها، بس الكلمات اللي ظهرت كانت كفيلة بإن العالم كله يتقلب قدامي
الجثة محتاجة تدفن بكرة قبل ما يكتشف أي حاجة.. الدكتور طلع كل اللي عليه، بس لازم نخلص بسرعة قبل ما يتأكد حد إن القلب لسه بيدق!
الدنيا كلها سودت في عينيا! ده مش مجرد شك.. ده دليل قاطع! مازن كان عارف إن سليم لسه حي! كان متآمر عليه! وكل اللي حصل ده كان مخطط له من الأول!
بقيت متمسكة بنفسي بصعوبة بالغة، ما حبيتش أظهر له إن قرأت الرسالة، عشان ما ياخد حذره أو يعمل حاجة غبية. سحبت تليفوني ببطء وبدأت أصور الشاشة بتاعته من غير ما يحس، وكل كلمة في الرسالة كانت بتحرق قلبي زي الجمر.
في تلك اللحظة، سمعنا صوت صفارة الإسعاف برة.. أخيراً جاو! مازن لما سمع الصوت، اتغير وجهه أكتر، وبدأت تتضح عليه علامات الهلع الحقيقي. حاول يخرج برة بسرعة، بس أنا وقفت قدامه
مش تروح يا مازن.. انتظر معانا لحد ما الدكتور يشوف سليم.
أنا.. أنا هروح أستقبلهم برة! قالها بصوت متقطع ومحا من نظراتي.
خليك هنا.. محتاجة تكون موجود. قلتها بصرامة ما قدر يرد عليها.
دخل طاقم الإسعاف بسرعة، ومعاهم دكتور طوارئ شاب ومتمكن. لما شاف النعش والوضع، استغرب وقال
إيه الحالة دي؟ بلغنا إن فيه شخص ممكن يكون في حالة موت ظاهري؟
أنا رديت بسرعة
أيوه يا دكتور، زوجي سليم، أعلنوا وفاته في عيادة خاصة، بس بنتي بتقول إنه لسه حي، ولاحظنا عليه حركات غريبة.. أرجوك تفحصه بسرعة!
الدكتور ما ترددش، نزل على طول لجانب النعش، بدأ يفحص النبض، يستخدم سماعة الطبيب، يتفحص العينين، وكل دقيقة بتمر كانت بتزيد من خوف مازن وتوتره. كنت واقفة جنبه وماسكة إيد فريدة اللي كانت مبتسمة بثقة كأنها عارفة إن أباها هيرجع لنا.
بعد دقائق كانت كأنها دهور، الدكتور رفع رأسه وفمه مفتوح من الصدمة، وقال بصوت مذهول
السيدة دي صحيحة! القلب لسه بيدق بصوت خافت جداً.. هو في غيبوبة عميقة، وده حالة موت ظاهري ناتجة عن تسمم أو تأثير مواد مخدرة على الجهاز العصبي! لازم ننقله للمستشفى فوراً عشان نعمل له إنعاش كامل ونعالج السبب!
الكلام ده كان زي الصاعقة على راس مازن! حماتي صرخت من الفرحة والصدمة معاً، والعيلة كلها بدأت تضج بالكلام، ناس فرحانة، وناس مصدومة، وناس بتشوف مازن بنظرات اتهام واضحة. أنا اتجهت ل مازن وقلت بصوت هادئ لكنه مليء بالتهديد
سمعت يا مازن؟ سليم لسه حي.. وكل اللي عملته كان عشان تخلص منه.. صح؟
مازن ما قدرش يتكلم، لسانة اتعقد، وبدأت قدماه تترنح كأنه سيسقط في أي لحظة.
الجزء الثالث
نقلوا سليم بسرعة تامة للمستشفى، وطلبت من اثنين من أقاربنا الموثوقين يروحوا معاه، واتأكدت إنهم يبقوا معاه طول الوقت ولا يسمحوا لأحد بالاقتراب منه غير الأطباء. أما أنا فبقيت مع مازن في البيت، ومعايا اثنين من أعمام سليم اللي كانوا متواجدين، لأنني كنت عايزة أعرف كل حاجة، وكنت عازمة إن الحقيقة تظهر كاملة من غير أي خداع.
بدأت بمواجهته بالرسالة اللي صورتها، لما شاف الصورة على تليفوني، انهار تماماً وسقط على الكرسي، وبدأت الحقيقة تخرج منه مشتعلة زي البركان اللي كان مخبئه جواه.
قال مازن بصوت متهدج ومليء بالكراهية والندم معاً
أنا كرهته من قلبي.. سليم كان دائماً الأفضل.. الأب كان بيحبه أكتر، الناس بتحترمه أكتر، حتى الشركة لما ورثناها، هو اللي كان مديرها الحقيقي، وأنا مجرد موظف عنده.. كل حاجة ليه وأنا مفيش حاجة لي! حاولت أكون زيه، حاولت أثبت نفسي، بس الكل كان بيشوفني دائماً في ظله! لما كبرت الشركة وكبرت الأرباح، قلت لنفسي ده حقي.. ده أنا شريكه، لازم آخذ نصيبي الأكبر! سليم رفض، قال لي الشركة دي ورثناها من أبوينا، ولازم نبقي شركاء متساوين.. بس أنا ما قتنعتش! كنت عايز كل حاجة!
سكت شوية ثم كمل وعيونه بتدمع من الغضب على نفسه وعلى أخوه
اتفقت مع الدكتور اللي في العيادة.. دفعتله مبلغ كبير عشان يعطى سليم حقنة
تسبب له غيبوبة عميقة جداً لدرجة إن أي حد يظنه ميت، وبعدين يعلن وفاته، وبمجرد ما يندفن، كل حاجة في الشركة تروح لي.. كنت فاكر إن كل حاجة هتمشي زي ما أنا عايز، وإن محدش هيكتشف الحقيقة.. لحد ما فريدة قالت كلامها.. لحد ما أنتِ قرأتِ الرسالة.. أنا غلطت يا نورهان.. غلطت غلطة عمري!
الكلام ده كان بيدمرني وأنا أسمعه.. أخو الدم، الشريك، اللي كان المفروض يكون أقرب الناس ل سليم، هو اللي خطط ! كل ده عشان الفلوس! عشان السلطة! قيمته كانت أقل من أي حاجة رخيصة في نظري.
قلت له بكل برود وكراهية
أنتَ ما خسرتش فلوس يا مازن.. أنتَ خسرت نفسك.. خسرت أخوك.. خسرت كل اللي كان بينكم.. والندم ده مش هينفعك، لأنك كدت أقرب الناس ليك عشان أغراضك الدنيئة!
في تلك الأثناء، جاتني مكالمة من المستشفى، الدكتور قال لي إن سليم بدأ يستجيب للعلاج، وإن حالته مستقرة، وإنهم متفائلين بعودته للوعي في خلال أيام قليلة. الخبر ده ملأ قلبي بالفرح والأمل، وكنت حاسة إن ربنا نصرنا، وإن الحق غالب في النهاية مهما طال الزمن.
اتصلت بالمحامي فوراً، وقلت له كل التفاصيل، وأعطيته صورة الرسالة، وطلبت منه يتواصل مع النيابة العامة عشان يفتحوا تحقيق في الموضوع، لأن محاولة والتحايل على الناس وتزوير شهادة وفاة دي جرائم مش سهلة، ومازن لازم يتحمل عواقب أفعاله.
كمان طلبت من المحامي يتأكد إن الدكتور اللي شارك في كمان يتم القبض عليه، لأنه أثم وشارك في جريمة بشعة مقابل المال، وكل واحد منهم لازم ياخد جزاءه العادل.
مازن سمعني وأنا أتكلم مع المحامي، وما حاولش يدفاع عن نفسه، لأنه عارف إنه يستاهل كل اللي هيحصل له. قال لي بصوت خافت ومكسور
أنا مستعد لأي جزاء.. أنا أستاهل كل حاجة تيجي لي.. بس أرجوكِ لما سليم يفوق، قولي له إني آسف.. قولي له إني كنت أعمى وما شفتش قيمته غير لما كدت أخسره للأبد..
ما رديت عليهش، لأن الكلام ده جاء متأخر جداً، والندم اللي بيجي بعد فوات الأوان ما بيشفيش جرح ولا يصلح حال.
الجزء الرابع
مرت الأيام التالية وأنا أعيش بين الأمل والخوف، بزور سليم في المستشفى كل يوم، وفريدة كانت تيجي معايا وتجلس جنبه، تحكي له قصصها، تقوله كلام حلو، وتقوله إنه لازم يقوم عشان يلعب معاها وياخدها للنادي. الأطباء كانوا متفائلين جداً، وقالوا إن استجابته للعلاج ممتازة، وإن قوته البدنية ساعدته كتير في التغلب على تأثير المادة اللي اتعرض لها.
وفي يوم من الأيام، وبينما كنت قاعدة جنبه في الغرفة، ممسكة بيده، شعرت بيده تتحرك ببطء.. ثم فتح عينيه ببطء، ونظر لي بنظرة ضعيفة ومتعبة، وبصوت بالكاد يسمع قال
نورهان..
دموعي نزلت من غير ما أشعر، وقلت له بفرحة لا توصف
أنا هنا يا سليم.. أنا جنبك.. كل حاجة بخير.. فريدة كويسة.. وحنك كله بخير..
ابتسم بضعف وقال
كنت عارف إنك هتكتشفي.. كنت عارف إن فريدة مش هتسمح لهم ياخدوني منكم..
بدأت أروي له كل ما حدث، من لحظة ما أعلنوا وفاته، لحد ما فريدة اكتشفت إنه لسه حي، لحد ما وصلنا للرسالة وكشفنا مخطط مازن. استمع لي بتركيز، وملامحه اتغيرت من الهدوء للغضب الشديد لما عرف إن أخوه هو اللي عمل كده. لم يتكلم كتير، بس عينيه كانت بتقول كل شيء.. الألم والصدمة والغضب معاً.
بعد أيام قليلة، تحسنت حالة سليم بشكل كبير وسمحوا له بالخروج من المستشفى، بس كان محتاج راحة تامة ومتابعة دورية. رجعنا للبيت، وكنت حاسة إننا بدأنا حياة جديدة، حياة رجعت لنا فيها الأمل والفرحة اللي كدنا نفقدها للأبد.
أما مازن فتم القبض عليه بناءً على البلاغ اللي قدمناه، والتحقيقات كانت جارية، واتضح إن الدكتور اللي ساعده كان متورط في قضايا تانية كتير، وإن الاتفاق بينهم كان مدفوع بمبالغ ضخمة ووعود بأكثر من ذلك. الحقائق كلها اتكشفت، وما بقتش هناك أي خدعة أو سر.
حماتي كانت في حالة صدمة وندم لا توصف، كانت تعاني من مرض شديد بسبب ما حدث، وكانت تزور سليم كل فترة، تبكي وتعتذر منه، وتقول له سامحني يا ابني.. أنا ربيت مازن وما قدرش يطلع مني الطيب.. سامحني لأنه أخوك. سليم كان يسامحها ويعطف عليها، لكنه قال لها بوضوح أنا سامحكِ يا أمي، بس مازن عمل حاجة ما يتسامحش فيها.. هو اختار طريقه بنفسه، ولازم يتحمل نتيجة اختياره.
وبعد فترة، صدر الحكم النهائي في القضية، وحكم على مازن لمدة طويلة بتهمة محاولة والتحايل وتزوير شهادات طبية، والدكتور كمان حكم عليه بعقوبة مماثلة، وسحب رخصته الطبية للأبد. العدالة تحققت، وكل واحد أخذ جزاءه، وإن كان الألم اللي سببوه لنا مش هينتهي بسهولة.
الجزء الخامس
بعد مرور سنة كاملة، كانت حياتنا رجعت لطبيعتها، بل وأحسن من قبل. سليم استرد عافيته بالكامل، ورجع يدير شركته بنشاط وحماس، لكنه غير كتير من القواعد، وأصبح أكثر حذراً ودراية بمن حوله. قرر أن يفصل الجانب الشخصي عن الجانب العملي، وعين مديراً مستقلاً للشركة، وابتعد عن أي تعاملات مشبوهة أو أشخاص لا يثق بهم.
علاقتنا ببعض أصبحت أقوى وأعمق، لأننا كنا عرفنا إننا ممكن نفقد بعض في أي لحظة، وإن الحب والأمانة هما أغلى ما نملك. وفريدة


