روايات وقصص

حماتي كانت بتدوق الأكل بقلم بسمه

سكت.
ـ «كل مرة كنت بسمع أمي، كنت بقول معلش… وهي كبيرة… وهي أمي… وأنا ما خدتش بالي إن كلمة “معلش” دي كانت بتوجعك أكتر من كلامها.»
دموعي نزلت.
قلت له:
ـ «أنا ما كنتش عايزاك تختار بيني وبينها يا حسام.»
قال:
ـ «عارف.»
ـ «كنت عايزاك بس تكون عادل.»
مسك إيدي وقال:
ـ «ومن النهارده هكون.»
افتكرت إن الحكاية خلصت.
لكن اللي حصل بعدها بأسبوع خلاني أكتشف إن الموضوع كان أكبر من الأكل.
كنت في المطبخ، وحسام كان في الشغل، ورن موبايلي.
كانت حماتي.
رديت.
قالت:
ـ «نهى، أنا عايزة أجيلك.»
قلت:
ـ «طبعاً يا طنط، البيت بيتك.»
جت فعلاً.
لكن المرة دي كانت مختلفة.
دخلت المطبخ، وبصت على السفرة، وبعدين قالت:
ـ «ممكن تعملي لي شاي؟»
عملته.
قعدت تشرب وهي ساكتة.
وبعدين قالت:
ـ «أنا هقولك على حاجة، ومش عايزاكي تزعلي.»
قلت:
ـ «قولي.»
قالت:
ـ «أنا كنت متضايقة منك من أول يوم.»
استغربت.
ـ «ليه؟»
قالت:
ـ «لأن حسام اتغير بعد ما اتجوزك.»
ابتسمت بحزن.
ـ «بس ده الطبيعي يا طنط.»
هزت رأسها وقالت:
ـ «أنا عارفة… بس أنا ما كنتش عايزة أعترف بده.»
وبعدين قالت الجملة اللي ما توقعتهاش:
ـ «كنت بخاف يخليكي أهم مني.»
سكت.
قلت لها:
ـ «أنا عمري ما كنت عايزة أبقى أهم منك. كنت عايزة أبقى مراته وبس.»
عينيها دمعت.
وقالت:
ـ «يمكن أنا غلطت لما حاولت أخليكي تصغري في عينه عشان أفضل أنا الكبيرة.»
كانت دي أول مرة تتكلم بصراحة.
ومع إن جوايا كان فيه وجع كبير، إلا إني حسيت إن اعترافها ده أهم من ألف اعتذار.
مرت شهور.
حماتي بدأت تتغير فعلاً.
بقت لما تيجي عندنا تدخل المطبخ وتقول:
ـ «أساعدك؟»
وأنا كنت أضحك وأقول:
ـ «اتفضلي.»
وفي يوم عملت لها صينية مكرونة بالبشاميل.
حطيتها قدامها.
بصت لي وقالت:
ـ «أنا خايفة أقول رأيي.»
ضحكت.
قالت:
ـ «بس المرة دي هقول الحقيقة.»
أخدت لقمة.
سكتت ثواني.
وبعدين قالت:
ـ «تحفة.»
حسام كان قاعد جنبها وضحك.
قال:
ـ «ماما… إنتِ متأكدة إنك مش محتاجة نجيب تحليل؟»
ضحكنا كلنا.
حماتي ضربته على كتفه وقالت:
ـ «اسكت يا قليل الأدب.»
وبصت لي وقالت:
ـ «نهى… معلش.»
قلت:
ـ «خلاص يا طنط.»
قالت:
ـ «لا، مش خلاص. أنا عايزة أقولها.»
وسكتت لحظة.
ـ «أنا كنت غلطانة.»
وقتها حسيت إن حاجة تقيلة كانت فوق قلبي من سنين واتشالت.
لكن المفاجأة الحقيقية حصلت بعدها بشهر.
كنت بجهز الغدا، وحسام دخل البيت ومعاه حماتي.
وأول ما دخلوا، قال لي:
ـ «نهى، ماما عندها طلب.»
بصيت لها.
ابتسمت وقالت:
ـ «عايزة أتعلم منك تعملي البشاميل.»
فتحت عيني بدهشة.
قلت:
ـ «من عيني.»
قالت:
ـ «بس بشرط.»
ـ «إيه؟»
ضحكت وقالت:
ـ «ممنوع تقوليلي ناقص ملح.»
ضحكنا كلنا.
ومن يومها بقى المطبخ هو أكتر مكان جمعني بحماتي بدل ما يكون سبب في المشاكل بينا.
وأنا اتعلمت درس عمري كله:
مش كل حد بينتقدك عشان يساعدك.
ومش كل مرة تسمعي فيها كلمة تقلل منك لازم تصدقيها.
أحياناً المشكلة مش في الأكل…
المشكلة في الشخص اللي مصرّ يخليكي تشوفي نفسك بعينيه هو.
وأصعب حاجة مش إن حد يقول لك إنك فاشلة…
الأصعب إنك تصدقيه.
وعشان كده، لما حماتي في يوم من الأيام قالت لي:
ـ «إنتِ بقيتي أحسن مني في الطبخ.»
ضحكت وقلت لها:
ـ «لأ يا طنط… أنا بس بطلت أخاف من رأيك.»
بصت لي شوية، وبعدين حضنتني.
ومن يومها، كل ما نفتكر اللي حصل في العزومة، حسام يضحك ويقول:
ـ «أنا لحد النهارده مش فاهم إزاي أمي شتمت أكلها هي.»
فترد عليه حماتي:
ـ «اسكت بقى، ما تفكرنيش.»
وأنا أضحك.
لأن اليوم ده، رغم إنه كان أصعب يوم في حياتي الزوجية…
كان اليوم اللي رجّع لي ثقتي في نفسي.
وعلّمني إن السكوت على الإهانة مش دايماً طيبة…
وأحياناً لازم الإنسان يقول: كفاية.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى