
«حماتي كانت بتدوق الأكل قدام جوزي وتقول: «ناقصه ملح… اللحمة مستوية زيادة… الرز معجن.» مهما أعمل، لازم تلاقي عيب. وفي يوم حطيت الأكل قدامها وقلت لها: «اتفضلي كلي براحتك.» وبعد أول لقمة، جوزي سألها: «حلو؟» بصت لي وقالت جملة كشفت لي إنها كانت بتتعمد تكرهني في طبخي!»
الكلمة دي لما خرجت من بؤها، كانت النقطة اللي أفاضت الكيل، وضحت لي كل السنين اللي فاتت بلمحة واحدة.
طول ثلاث سنين جواز، كان دخول حماتي للمطبخ أو قعدتها على السفرة بالنسبة لي زي اختبار ثانوية عامة مابينتهيش. مش مهم أد إيه تعبت، ولا كم ساعة وقفت على رجلي أعدل البهارات وأظبط الملح؛ كان لازم دايماً في نغمة تقليل مستمرة قدام «حسام» جوزي: «الأكل دلع يا حبيبي، الرز ده مكتوم ليه؟ اللحمة دي لمست النار كتير فاقتلت طعمها!»
وكان حسام، بقلة حيلة وبنية طيبة زبادة، بيعدي الكلام ويقولي: «معلش يا نهى، هي أصلها واخدة على أكل زمان وطبعها دقيق، اتعلمي منها». وكنت ببلع الإهانة، وأدخل المطبخ أعيط في سكات وأنا بنظف المعالق، وأسأل نفسي: هو أنا فعلاً فاشلة للدرجة دي؟
لحد ما جه اليوم ده.. يوم عزومة العيلة الكبيرة.
قررت من الفجر إن اليوم ده مش هيعدي زي غيره. وقفت عملت صينية بشاميل وطاجن لحمة بالبصل ورز بالخلطة. لكن قبل ما أغرف بحاجات بسيطة، دخلت حماتي المطبخ بحجة إنها بتساعدني، ووقفت عند البوتاجاز ثواني وطلعت برة.
ساعتها، قلبي نغزني. مشيت بخطوات هادية، وبدال ما أغرف من الشغل اللي عملته، بدلت الطباق بطريقة محدش يلاحظها خالص.. أخدت الأكل اللي هي طابخاه وجايباه معاها في حلتها الخاصة من بيتها ومحتفظة بيه في المطبخ بحجة «إنها عامله حسابها»، وغرفته هو في طبقها، وحطيت أكلي أنا في باقي السفرة!
قعدنا كلنا، وحطيت الطبق قدامها بمنتهى الهدوء وقلت لها: «اتفضلي يا طنط.. كلي براحتك وقولي لي رأيك.»
أخدت أول معلقة، ومضغتها ببطء، وعينيها رايحة جاية عليا بنظرة تحدي وتحفز.
حسام بصلها باهتمام وسألها بحسن نية: «إيه يا أمي؟ حلو الأكل النهاردة؟»
حماتي حطت المعلقة بقمة القرف والازدراء، ولوت بؤها وقالت بثقة وغل قدام العيلة كلها:
«زي الزفت كالعادة يا حسام! رز معجن والبشاميل ماسخ ومفيهوش ريحة الطعم.. قلت لك ألف مرة البت دي عمرها ما هتتعلم طبخ ولا تنفع تشرفك قدام حد!»
الصالة كلها سكتت، وحسام وشه اتخطف وبص للأرض بإحراج..
في اللحظة دي، ابتسمت ابتسامة هادية جداً، ابتسامة خلت حماتي تقلق وترتبك في قعدتها. طلعت تلفوني، وحطيته على الترابيزة، وقلت لها بصوت واطي وواضح سمع الكل:
«طب الحمد لله إنك اعترفتي برأيك بكل صراحة يا طنط.. بس المشكلة إن الطبق اللي إنتِ لسه واكلة منه وبتشتمي فيه ده، هو نفس الأكل اللي إنتِ طبختيه بإيدك في بيتك وجايباه معاكي الصبح، وأنا نقلته في طبقك قبل ما تقعدي بثواني والمطبخ متصور كاميرا كاملة فيديو من التلفون ده!»
وش حماتي اتغير مية وثمانين درجة، والدم هرب من ملامحها، وبصت للطبق برعب وذهول، والحاضرين كلهم بدأوا يتهامسوا بذهول!
التفتّ لحسام اللي كان مصدوم ومش مصدق عينيه، وسألته السؤال اللي نشّف الدم في عروق أمه وشل حركتها:
الجزء الثاني
اتلفتّ لحسام اللي كان مصدوم ومش مصدق عينيه، وسألته السؤال اللي نشّف الدم في عروق أمه وشل حركتها:
ـ «حسام… لو أنا اللي كنت حاطة الأكل ده قدام ماما، وكانت هي اللي عملته وقالت عليه زي الزفت… كنت هتصدق مين؟»
حسام ما ردش.
فضل ساكت، وعينيه معلقة في الطبق قدامه.
أمه حاولت تلحق نفسها وقالت بسرعة:
ـ «يا ابني هي بتكدب عليك! أنا… أنا كنت بتذوق بس!»
ضحكت وقلت:
ـ «بتذوقي إيه يا طنط؟ ده أكلك إنتِ!»
وبعدين فتحت الفيديو قدام الكل.
الفيديو كان واضح.
من أول ما دخلت حماتي المطبخ، وهي بتبص على الأكل بتاعي، وبعدها راحت للحلة اللي جايباها معاها، وسمعتها وهي بتقول لواحدة من قرايبنا:
ـ «أنا جايبة أكلي معايا، أصل أنا عارفة إن نهى هتعمل أي حاجة والسلام.»
الصالة كلها اتقلبت همس.
واحدة من قرايب حسام قالت:
ـ «يعني إنتِ كنتِ عارفة إن الأكل بتاعها حلو؟»
حماتي سكتت.
واحدة تانية ضحكت وقالت:
ـ «دي مش أول مرة يا جماعة… أنا فاكرة عزومة السنة اللي فاتت لما ماما قالت إن الكفتة ناشفة، وأنا اللي كنت واخداها من نهى قبل ما تتجوز حسام، وكانت بتشكر فيها!»
حماتي بصت لها بحدة وقالت:
ـ «إنتِ كمان داخلة فيها؟»
لكن حسام أخيراً رفع عينيه لأمه.
وقال بصوت هادي، بس كان فيه غضب عمري ما سمعته منه قبل كده:
ـ «ليه يا أمي؟»
حماتي اتلخبطت.
ـ «ليه إيه؟»
ـ «ليه بتعملي فيها كده؟»
ـ «أنا خايفة عليك يا ابني.»
حسام ضرب بإيده على الترابيزة وقال:
ـ «خايفة عليا من إيه؟ من مراتي؟!»
سكتت.
قال:
ـ «ثلاث سنين وأنا كل مرة أسمعك بتقولي لها الأكل وحش، وأنا أقول لها اتعلمي من أمي… وإنتِ أصلاً كنتِ بتقولي الكلام ده على أكلك إنتِ؟»
حماتي بدأت تعيط.
ـ «أنا أمك يا حسام، وكنت عايزة مصلحتك.»
رد عليها:
ـ «مصلحتي إنك تكسري مراتك كل يوم؟»
أنا وقتها حسيت إن رجلي مش شايلاني.
مش عشان أخد حقي…
لكن عشان لأول مرة حسام فهم.
فهم إني ما كنتش حساسة زيادة.
ولا كنت بدور على مشكلة.
ولا كنت بغير من أمه.
أنا كنت فعلاً بتوجع.
حماتي قامت من مكانها وقالت:
ـ «خلاص! أنا همشي من هنا.»
حسام وقف.
ـ «استني.»
بصت له.
قال:
ـ «قبل ما تمشي، اعتذري لنهى.»
اتصدمت.
وقالت:
ـ «أنا أعتذر لها؟!»
ـ «أيوه.»
ـ «دي مراتك، مش بنتي!»
قالها حسام بمنتهى الهدوء:
ـ «وعشان هي مراتي، لازم أحميها. زي ما كنت بحميك طول عمري.»
الجملة دي كانت أول مرة أحس إن جوزي فعلاً وقف جنبي.
حماتي بصت لي، ودموعها نازلة، وقالت:
ـ «حقك عليا يا نهى.»
أنا ما فرحتش.
لأن الاعتذار بعد ثلاث سنين وجع مش بيرجع اللي فات.
قلت لها:
ـ «أنا مش زعلانة عشان قلتي على أكلي وحش. أنا زعلانة عشان خليتيني أشك في نفسي. كل مرة كنت بدخل المطبخ بعدها وأنا مقتنعة إني فاشلة… وكنت بعيط وأنا بقول يمكن أنا فعلاً مش بعرف أعمل حاجة.»
حماتي نزلت عينيها.
كملت:
ـ «كنتِ ممكن تعلميني لو شايفة إني محتاجة أتعلم. لكن إنتِ اخترتي تكسري ثقتي في نفسي.»
ما ردتش.
وبعدها قامت ومشيت.
العزومة انتهت بعدها بدقايق.
لكن اللي حصل في اليوم ده ما انتهيش.
بالليل، وأنا في الأوضة، حسام دخل وقعد جنبي.
فضل ساكت شوية.
وبعدين قال:
ـ «أنا آسف.»
بصيت له.
قال:
ـ «أنا ظلمتك.»



