
واحدة!”
أخت جوزي وشها جاب ألوان، الغل والغيظ اتحولوا لرعب حقيقي لما لقت ضهرها اتكشف وإخواتها اللي كانت فاكراهم هيشيلوا عنها وقفوا في وشها بالمرصاد.
بصيت لسلفتي ولإخوات جوزي، وحسيت لأول مرة من سنين إن ضهري مسنود، وإن صوت الحق بيعلى حتى لو أصحاب الدم حاولوا يدفنوه. بصيت لمرفت وقولت بثقة هزت المكان:
* “سمعتي شهودك يا مرفت؟ سمعتي إخواتك اللي كنتي فاكراهم هيبلطجوا معاكي؟ مفيش محاكم هتطول.. قدامك ٢٤ ساعة بس، تلمي كراكيبك وعيالك وتفضي شقتي، وإلا إخواتك هما اللي هينزلوا عفشك للشارع بإيديهم!”
مرفت مفرّطتش بسهولة، بدل ما تلم عزالها، شياطين الإنس ركبوها وبدأت تلعب لعبة الابتزاز الرخيص. وقفت على السلم قدام الجيران تفضح وتتبلى، وتلمح إنها هتبلغ وتشتكي وتقول إن العقد ده اتعمل تحت ضغط، وراحت بعتت رسايل تهديد لجوزي إنها هتقلب العيلة وتعمل محاضر عدم تعرض وتجرجرنا في الأقسام، فاكرة إن التهديد بالبهدلة والفضيحة هيلوي دراعي ويخليني أرميلها الفلوس اللي طلباها.
بس اللي مرفت مكنتش تعرفه، إن الست لما بيتداس على شقاها وكرامتها، الخوف بيتبخر من قلبها.
تاني يوم الصبح بدري، أخدت أصل العقد وكل وصولات الأمانة اللي كنت محتفظة بيها في الدرج، ونزلت على المحامي من ورا الكل. رفعت دعوى صحة توقيع، وعملت إثبات حالة ، وفتحت محضر رسمي بتسليم الشقة. المحامي طمني وقالي: “العقد فيه بند استلام صريح، وشهادة إخوات جوزك هتقفل القضية لصالحك في أول جلسة.”
الخبر نزل على العمارة زي الصاعقة لما وصل الإخطار على يد محضر!
ساعتها بس، حماتي شافت الجد وعرفت إن الموضوع دخل في سكة محاكم وأقسام، وإن بنتها هتخرج مطرودة بفضيحة قدام الحارة كلها وهتتحبس لو فكرت تبتز أكتر من كدة. البيت اتقلب، وإخوات جوزي اتدخلوا بكل ثقلهم.. سلفي الكبير جه وخبط على بابي وهو معاه جوزي وأخوه التاني، وقعدوا وقالوا: “حقك فوق راسنا يا سحر، وبلاش نوصل للمحاكم اللي حبالها طويله والنهاردة الموضوع ده هيتقفل نهائي.”
القعدة كانت حاسمة ومليانة شد وجذب، بس صوت الحق والورق كان حاطط السكينة على رقابهم. في الآخر، انكسرت شوكة مرفت ورضخت للأمر الواقع بعد ما لقت إن مفيش ولا مليم هيدخل جيبها، وإن القانون واقف في صفي بنسبة مية في المية.
وانتهى الاتفاق على الحل الوحيد اللي يحفظ ماية وشهم: مرفت تلم عفشها وعيالها وتنزل تعيش مع حماتي في شقتها اللي في الدور الأرضي، والشقة تتسلم ليا بالمفتاح وعلى بياض قدام إخواتها كلهم.
يوم النقل، وقفت في مدخل الشقة، شفتهم وهما بينزلوا الكراكيب لشقة أمها.. مرفت كانت نازلة السلم عينيها في الأرض ومكسورة كسر السنين، وحماتي ساكتة ومقدرتش تنطق بحرف.
أول ما خرج آخر عيل من عيالها، مسكت المفتاح بإيدي، دخلت ورزعت الباب، ودورت الكالون تلات تكات.. قعدت على الأرض في الصالة الفاضية، وسندت ضهري على الحيطة، ولأول مرة من خمس سنين أتنفس نفس كامل من غير غصة.. الشقة رجعت لحضن صاحبتها، والابتزاز واللؤم انداسوا تحت جزمة الحق والقانون.
فضلت قاعدة على الأرض في نص الصالة الفاضية، سامعة رنة السكوت اللي مكنتش حسيت بيها من شهور طويلة. الحيطان كانت متبهدلة ومحتاجة وش نضافة، وشخابيط عيالها مالية المداخل، بس الهوا جوة الشقة كان مختلف.. كان خالي من ريحة الغل والظلم.
قومت على حيلي، وطلعت مفك ومفتاح جديد كنت شرياه وأنا راجعة من عند المحامي. أول حاجة عملتها إني غيرت كالون الباب بإيدي، شيلت القديم اللي كان مع حماتي نسخة منه وركبت قلب جديد، وحطيت المفاتيح التلاتة في جيبي.
نزلت على شقتي، لقيت جوزي قاعد في الصالة، حاطط راسه بين إيديه والهم راكبه، مش قادر يحط عينه في عيني. قربت منه بهدوء ورزعت المفتاح القديم على الترابيزة قدامه:
* “الكالون اتغير يا ابن الناس، والشقة قفلتها بضبتها ومفتاحها.. واللي حصل ده درس عمري ما هنساه، لا ليك ولا لأهلك.”
رفع عينه وبصلي بكسرة:
* “حقك عليا يا سحر.. والله ما كنت متخيل إن الأمور هتوصل لكدة، دي أختي وكنت فاكرها هتعمل حساب للدم.”
رديت بابتسامة باردة كلها وجع:
* “الدم عمره ما حمى حق يا أبو ابني.. القانون والورق والوقفة الحامية هما بس اللي بيحموا. لولا إني وقفت على رجلي وجرجرت الورق في المحاكم وكان إخواتك في ضهري بالحق، كان زمان شقايا راح في بطن أختك ولا كنت أنت هتنطق بكلمة.”
من اليوم ده، بدأت صفحة جديدة تماماً..
مرفت عايشة تحت مع أمها، تاكل وتشرب في حسها، وكل ما تشوفني طالعة ولا نازلة تدور وشها كأنها شايفة عفريت، وحماتي مكسورة ومش قادرة تفتح بقها بنص كلمة، عرفوا إن الهادية المطيعة لما بيتداس على حق ضناها بتقلب الدنيا عاليها واطيها.
أما أنا، فجبت نقاش ونضفت الشقة ودهنتها من أول وجديد بألوان فاتحة تفتح النفس، وركبت باب حديد على باب الشقة كمان للأمان. كل مسمار بدقه كان بيردلي روحي، وكل ركن بنضفه كان بيمسح أثر سنة كاملة من القهر. قفلت الشقة بالمفتاح وشيلته في أعمق حتة في دولابي.. أمان لمستقبل ابني، وشاهد حي على إن الحق المأخوذ بالقوة، مبيرجعش إلا بالعين الحمرا والقانون.
مرت السنين وتوالت الأيام، وحيطان البيت شهدت على تبديل الأحوال؛ ماتت حماتي، وفضلت مرفت قاعدة في الشقة التحتانية محبوسة في حسرتها وغلّها، تشوفني طالعة نازلة معززة مكرمة وراسها هي في الأرض،
أما ابني.. نور عيني اللي بعت دهبي وشقيت سنين عشان أضمنله سقف يستره، فكبر قدام عيني راجل يملا العين، اتخرج واشتغل وبقى ضهري وسندي اللي بيعوضني عن كل ليلة نمتها مكسورة الخاطر.
وجه اليوم اللي كان أقصى حلمي وأنا بدق أول مسمار في الشقة دي زمان.
اتفتحت أبواب الشقة على ، بس المرة دي مش بصوت كراكيب وعياط وزعيق، المرة دي اتفتحت بالزغاريد والأنوار وريحة الورد والبخور. وقفت في نص الصالة أفرش عفش عروسته بإيدي، وأعلق الستاير معاه وهو بيضحك ويطبع بوسة على جبيني ويقولي:
* “تسلم إيدك وشقاكي يا أمي.. لولا وقفتك زمان وجدعنتك مكنش زمان ليا مكان أبدأ فيه حياتي مرفوع الراس.”
دموعي نزلت في اللحظة دي، بس كانت دموع برد وسلام مسحت كل مرار الخمس سنين والسنة اللي راحت من عمري في المحاكم والقهر.
يوم الفرح، زفيته لعروسته وطلعوا على شقتهم، وصوت الزغاريد كان مسمّع في العمارة كلها، طالع يرن في ودان مرفت تحت ويفكرها إن الباطل مهما اتفرعن آخره ينداس، وإن حق الضنا اللي حاربت عشانه أمه، رجع وصان صاحبه وعمّر بيته بالخير والستر.
وقفت على باب العمارة بالليل بعد ما المعازيم مشيوا، بصيت لشباك شقة ابني المنور بالفرحة، وحمدت ربنا ملء السما والأرض.. شقا العمر مراحش هدر، وربنا نصر الصابرة ورزقها راحة البال بعد طول



