
سلمى، أخت ندى الصغيرة، ماكنتش دخلت بيتي بقالها تقريبًا خمس سنين.
رجعت لورا من عند الشباك وأنا متلخبط، ورجلي خبطت في طرف حوض الزرع. وللحظة غريبة جدًا، فضلت واقف، ببص ناحية الشباك المنور وكأني ممكن أكون بتخيل.
وبعدين لفيت ناحية باب البيت، إيدي كانت بتترعش وأنا بدخل المفتاح في القفل ودخلت.
البيت كان صوته زي كل ليلة: الهمهمة الهادية بتاعة الأجهزة، صوت التلاجة، والدفاية القديمة.
لكن المرة دي كان فيه صوت تاني… صوت ست.
سلمى كانت بتقول:
ـ وماما لحد دلوقتي مصرة إن الفطيرة ما اتحرقتش، بتقول اتحمرت زيادة بس! أصل طبعًا فيه فرق كبير لما تكوني إنتي اللي نسيتيها في الفرن!
دخلت الأوضة. سلمى قامت بسرعة لدرجة إن رجلين الكرسي حكوا في الأرض بصوت عالي. وشها شحب.
ولا أنا اتكلمت… ولا هي.
خمس سنين غيروها؛ ظهر حوالين عينيها خطوط بسيطة ماكنتش موجودة قبل كده، وشعرها بقى أقصر، بس لسه عندها نفس حواجب ندى، ونفس الدقن الرفيعة.
بصيت عليها، وبعدين بصيت على ندى اللي كانت الليلة دي لابسة بلوزة خضرا ناعمة. وعلى التسريحة كانت زجاجة البرفان بغطاها الفضي.
قلت:
ـ سلمى.
قالت بسرعة:
ـ أنا أقدر أشرح.
قلت ببرود:
ـ ياريت.
بصت لندى قبل ما تبصلي:
ـ أنا كنت فاكرة إنك في القاهرة.
قلت:
ـ وأنا كنت فاكر إن مفيش حد بيدخل بيتي بالليل بدون إذن.
ملامحها اتشدت.
كنت عايز أتعصب. ولأسابيع أنا كنت مرعوب من احتمالات كل يوم أغرب من اللي قبله، وقسيت على نفسي كتير. وفي الآخر… أخت مراتي كانت داخلة خارجة من بيتي من غير ما أعرف.
سألتها:
ـ بتدخلي إزاي؟
وطت عينيها:
ـ من باب المطبخ.
ـ باب المطبخ مقفول. ومعايا مفتاح.
ـ إنتي ماعندكيش مفتاح.
فتحت شنطتها وطلعت مفتاح حطته فوق التسريحة. عرفته فورًا… الغطا المطاط الأزرق الباهت، مفتاح ندى الاحتياطي القديم.
قالت:
ـ ندى ادتهولي من سنين… قبل الحادثة.
فضلت باصص عليه. قلت:
ـ بقالك تلات شهور بتيجي؟
قالت:
ـ تقريبًا أربعة.
ـ وإنتي اللي بتغيري هدومها؟
ـ ساعات.
ـ والبرفان؟
ـ آه.
ـ والبلوفر اللي كان متطبق؟
سلمى بلعت ريقها:
ـ آه.
المفروض الإجابات دي كانت تريحني، لكن اللي حسيت بيه كان أعقد؛ راحة مخلوطة بخيانة، وامتنان مخلوط بغضب.
قلت:
ـ ليه؟
سلمى بعدت الكرسي شوية عن السرير، كأن المسافة بينا هتخلي الكلام أسهل:
ـ علشان كنت عايزة أشوف أختي.
ـ كان ممكن تخبطي على الباب.
بصتلي:
ـ جربت مرة… من خمس سنين.
وفجأة افتكرت؛ كان يوم شتوي رمادي وماكانش فات على الحادثة سنة. سلمى جت البيت ومعاها كيس من المخبز اللي ندى بتحبه، وأنا وقتها كنت بنام ساعتين أو تلاتة في اليوم بالعافية، وأي حد كان يكلمني عن ندى كنت بحس إنه بيتهمني.
سلمى وقتها قالت يمكن الأفضل ننقل ندى لمركز تأهيل متخصص، وأنا ما سمعتش من كلامها غير جملة واحدة: “إنت مش هتقدر تعمل ده للأبد”، فطردتها.
بعدها بعتتلي رسائل، ما رديتش، وبعدين الرسائل قلت لحد ما وقفت خالص.
قلت بصوت أهدى:
ـ أنا عارف إني ماكنتش سهل في الكلام وقتها.
قالت بهدوء:
ـ لأ… بس ده برضه ما يفسرس إنك تتسللي بيتي.
ـ ماكنتش عايزة خناقة تانية.
مشيت لحد آخر سرير ندى. البلوزة الخضرا اللي سلمى اختارتها كانت واحدة من البلوزات اللي ندى بتحب تلبسها يوم الجمعة.
فاكر إني كنت برخم عليها وأقول لها: “هو لازم كل حاجة عندك تتكوى؟”، وكانت ترد: “فيه ناس لسه مؤمنة إن الحضارة تستاهل نحافظ عليها.”
بصيت لسلمى، وقلت:
ـ إنتي بتلبسيها هدومها القديمة؟
ـ آه.
ـ ليه؟
ترددت، وبعدين فتحت شنطتها تاني، وطلعت نوتة صغيرة سودا مليانة تواريخ وملاحظات.
قلت:
ـ إيه ده؟
قالت:
ـ حاجة كان المفروض أوريهالك من بدري.
بدأ صبري يخلص:
ـ سلمى…
رفعت عينيها وقالت:
ـ أنا شايفة إن ندى بتستجيب لبعض الحاجات.
كل الأفكار في دماغي وقفت. قلت:
ـ إيه؟
قالت بسرعة:
ـ مش كل مرة، وأنا مش بقول إنها فاقت، أنا عارفة الدكاترة قالولك إيه، بس لما بدأت أجيلها، جبت لها حاجات كانت تعرفها؛ موسيقى، برفان، حكايات، هدوم.
بصيت على زجاجة البرفان:
ـ يعني البرفان ماكنتش ليكي؟
ـ لأ.
ـ إنتي اللي كنتي بترشيه؟
ـ على منديل… عمري ما رشيته عليها مباشرة.
ما رديتش. فتحت النوتة، فقالت:
ـ 23 مارس… شغلتلها الأغنية السخيفة اللي كانت بتحبها أيام الجامعة.
غصب عني كادت ابتسامة تفلت مني، فسألت:
ـ أنهي أغنية سخيفة؟ ما هي كان عندها كتير.
كملت:
ـ جفونها اتحركت كذا مرة أثناء الكورس.
ـ ده ممكن يحصل.
ـ عارفة، الممرضين شرحولنا موضوع ردود الأفعال من سنين.
قلبت صفحة:
ـ 30 مارس… سألتها فاكرة لما بابا وقع ديك الرومي بتاع العزومة؟
افتكرت القصة لما أبو ندى فتح الفرن فالديك الرومي وقع منه واتزحلق في المطبخ، والكلب عاش أسعد نص دقيقة في حياته.
قالت سلمى:
ـ تنفسها اتغير.
ـ وده برضه ممكن يحصل.
ـ عارفة.
قلبت صفحة تانية:
ـ 4 أبريل… مسكت إيدها وطلبت منها تضغط على إيدي.
قلبي بدأ يدق أسرع. قالت:
ـ ما عملتش حاجة.
وللحظة حسيت براحة وكرهت نفسي على الإحساس ده، لكن سلمى كملت:
ـ بس لما قلتلها: “ندى، لو سامعاني حركي صباع الإبهام”… أنا حسيت إنه اتحرك.
ـ إنتي حسيتِ.
ـ آه… وبقالك شهور مستنية أي علامة.
رفعت عينيها:
ـ وإنت كمان.
الكلمة نزلت بينا بهدوء. لفيت وشي؛ كانت عندها حق.
سنين وأنا بدرب نفسي ما اعتبرش كل حركة معناها حاجة، لأن الأمل لما يبقى من غير مكان يروح له، بيتحول لعذاب.
في الأول، كانت عيون ندى تفتح فجأة وكنت أقول لنفسي إنها بتبصلي، والدكاترة قالوا دي دورات نوم وصحيان. وكان فمها يتحرك أوقات فأتخيل أنها بتحاول تتكلم، فقالوا رد فعل لا إرادي. ومع الوقت، كان لازم أتعلم الفرق بين اللي نفسي يكون حقيقي واللي حقيقي فعلًا.
قلت:
ـ كان لازم تقوليلي.
ـ كنت خايفة تقول إني بتخيل.
ـ غالبًا كنت هقول.
ـ عارفة.
بصيت لندى وقلت:
ـ مدام سامية تعرف؟
ـ لأ.
ـ أي دكتور؟
ـ لأ.
ـ يعني كله مبني عليكي إنتي؟
ـ آه… علشان كده فضلت أجيلها. كنت عايزة يبقى عندي ملاحظات كفاية قبل ما أقول حاجة، مش مجرد إني نفسي أصدق.
قفلت النوتة، ونسيت كل الغضب القديم وبصيت لها:
ـ وريني.
رفعت عينيها باستغراب:
ـ إيه؟
ـ اللي بتعمليه… وريني.
رجعت الكرسي جنب ندى، فضلت دقايق ماعملتش حاجة مميزة؛ ظبطت الغطا، شالت خصلة شعر من على جبينها، وقربت وقالت:
ـ يا نودي… محمود موجود معانا النهارده.
كنت واقف جنب التسريحة ضامم دراعاتي. ابتسمت سلمى وقالت:
ـ شكله متعصب، يعني الدنيا رجعت طبيعية.
مفيش حاجة حصلت. صوت الجهاز مستمر، والمضخة بتطقطق.
سلمى جابت المنديل اللي عليه البرفان وخلته بعيد شوية، وقالت:
ـ فاكرة الريحة دي؟
مفيش حاجة.
حطته، ومسكت إيد ندى اليمين:
ـ يا نودي… لو سامعاني، إنتي عارفة تعملي إيه.
استنينا. ولا حاجة. عشر ثواني. عشرين. تلاتين.
طلعت نفسي بضيق خفيف:
ـ سلمى…
وفجأة…
إبهام ندى اتحرك. حركة صغيرة جدًا، تكاد تكون رعشة… بس أنا شفتها، وسلمى شافتها.
ولا واحد فينا اتحرك.
همست:
ـ ممكن تبقى حركة لا إرادية.
ـ آه.
عينيها دمعت، لكن صوتها فضل ثابت:
ـ علشان كده ما بوقفش من أول مرة.
قربت أكتر وقالت:
ـ نودي… اعمليها تاني.
مفيش حاجة. الإحباط جه جوايا بسرعة لدرجة إني اتكسفت منه.
لكن سلمى غيرت السؤال وقالت:
ـ ندى، لو محمود واقف جنبي وبيعمل فيها عنيد كالعادة… حركي إبهامك.
بعدها كنت أقسم إن سلمى قالت الجملة دي علشان عارفة إنها حاجة ندى كانت هتضحك عليها.
وفجأة…
إبهام ندى اتحرك تاني.
المرة دي ببطء… وبوضوح.
مسكت طرف التسريحة بإيدي. سلمى بصتلي. ولا واحد فينا قال كلمة.
فاقت؟
كنا خايفين نطقها بصوت عالي.
تاني يوم الصبح، كلمت دكتور المخ والأعصاب المتابع لحالة ندى، دكتور شريف علام، اللي كان متابعها بقاله أربع سنين رغم إن الزيارات في آخر فترة بقت مجرد مراجعات سنوية.
حكيتله اللي حصل، وكان حذر جدًا، وقال إن أي استجابة تدريجية وسط بيئة مألوفة وعاطفية تستحق المتابعة الدقيقة والفحص الفوري بالمستشفى…
تفضل القصة بعد مراجعتها وتنقيحها لتكون متوافقة تمامًا مع سياسات النشر والتقييمات الرقمية، مع الحفاظ على كامل تفاصيلها الإنسانية والدرامية:
تكون ذات معنى. بس لازم تقييم طبي حقيقي.
قلت:
— إمتى؟
— أقدر أرتب تقييم قريب.
— تقييم إيه؟
— اختبارات سلوكية الأول، وممكن أشعة أو فحوصات مخ حسب اللي نشوفه.
بصيت من الباب ناحية ندى. سلمى كانت نامت على الكنبة عندي، ولأول مرة من ست سنين حسيت إني محتاج إذن علشان أسمح لنفسي أتمسك بالأمل.
كمل الدكتور:
— محمود، لازم أجهزك لحاجة. رجوع الوعي بعد المدة دي غير شائع، وحتى لو فيه درجة من الإدراك، الاستجابة ممكن تبقى غير منتظمة.
قلت:
— فاهم.
بس الحقيقة إني ماكنتش فاهم، مش بجد.
سأل:
— بقالكم قد إيه ملاحظين ده؟
بصيت لسلمى، وقلت:
— كام شهر.
سكت شوية، وقال:
— وليه ماحدش كلمني؟
— الموضوع معقد.
— معظم العائلات معقدة.
وبعدين صوته هدي:
— هاتوا النوتة معاكم.


