روايات وقصص

حلم جوزى حكايات زهرة الربيع الثاني

الدنيا اسودت في عيني، ومحستش بحاجة بعدها غير وأنا بصحى على صوت عياط عيلتي وعيلة حازم حواليا. الكابوس الكبير اتحقق.. حازم مات في نفس اللحظة اللي شاف فيها العلامة وشال فيها ابنه! لكن الصدمة والواقعية اللي مكانتش على البال، هي اللي عشتها بعد كده.

 

مرت أيام العزا كأنها جنازة لروحي أنا كمان. أهل حازم من كتر صدمتهم وموت ابنهم الشاب فجأة، بدأوا يبصوا لي ويبصوا للولد بنظرات غريبة. مكنوش بيقولوا حاجة علني، بس نظراتهم كانت بتقول: “الواد ده قدمه شؤم.. الواد ده موت أبوه”.

لما رجعت بيتي لوحدي ومعايا “أحمد”، كنت ببص له بخوف ورهبة مش طبيعية. كنت خايفة أمد إيدي وأشيله. الكابوس اللي حازم حلم بيه واتحقق بالحرف خلاني أدخل في حالة “اكتئاب ما بعد الولادة” حاد، ممتزج برعب نفسي. كل ما عيني تيجي على كف إيده الصغير وأشوف البقعة الغامقة دي، جسمي يتفض.

بعد أسبوعين، قررت أواجه خوفي بشكل واقعي وعلمي. أخدت أحمد وروحت لدكتور أطفال كبير جداً في القاهرة. قعدت قدامه وأنا بترعش ووريتله كف إيد ابني. الدكتور بص للعلامة بكشف دقيق، وبعدين ابتسم ابتسامة هادية وقالي:

”يا مدام ندى، دي حاجة علمية ومعروفة جداً اسمها (الوحمة الصباغية الخلقية) أو Congenital Melanocytic Nevus. بقعة من الخلايا الصبغية بتتجمع في مكان واحد أثناء نمو الجنين وتعمل شكل عشوائي. الشكل ده بالصدفة البحتة، وبسبب الخيال البشري اللي بيميل يربط الأشكال بالحاجات اللي بيخاف منها، راسم شكل قطة. ده ملوش أي علاقة بموت جوزك الله يرحمه.”

كلام الدكتور ريحني بنسبة 1%, بس سألته بدموع: “طب وموت حازم؟ الحلم اللي حلم بيه وتكرر؟!”

الدكتور اتنهد بحزن وقالي: “جوزك الله يرحمه كان عايش تحت ضغط عصبي ونفسي رهيب لمدة شهور. الخوف والتوتر بيفرزوا هرمونات زي الأدرينالين والكورتيزول بنسب قاتلة. مع لحظة الولادة، ضربات قلبه وضغطه وصلوا للقمة، وأول ما شاف الوحمة، عقله ترجم إن الحلم بيتحقق، فجسمه دخل في صدمة عصبية أدت لجلطة وقلبه مستحملش. ده تفسير طبي وعلمي.. الخوف هو اللي قتله يا مدام، مش الوحمة ولا الطفل.”

خرجت من عند الدكتور والدموع في عيني.. كلامه عقلاني جداً ومنطقي، بس الإحساس بالذنب والرعب مكنش بيمشي بسهولة.

السنين الأولى.. وطاقة البيت المكسورة

مرت السنة الأولى والتانية، وحياتي انحصرت في تربية أحمد. أحمد كبر وبقى طفل هادي.. هادي بزيادة لدرجة تقلق. مكنش بيحب يلعب مع الأطفال، كان دايماً يفضل قاعد في الأركان. ومكنش فيه أي حاجة خارقة للطبيعة، طفل طبيعي بياكل ويشرب ويمشي.. بس فيه “حاجة” مش مريحة.

الحاجة دي كانت نظراته.. أحمد كان عنده حالة اسمها “الحول المتقطع” في عينه الشمال، لما يركز في حاجة، عينه بتسرح لبرة بشكل يخلي اللي يبص له يخاف، بالإضافة إن لون عينيه كان عسلي فاتح جداً وبتلمع في الإضاءة الضعيفة.

الناس في المنطقة وأهل حازم بدأوا يلاحظوا هدوءه الغريب وعلامة إيده. “الواد ده فيه إن”، “الواد ده أبوه مات أول ما شافه”، “بلاش عيالكم تلعب معاه”.. الكلمات دي كانت بتوصلي وتدبحني. أحمد بدأ يكبر وهو حاسس بنبذ المجتمع ليه، حاسس إن أمه نفسها بتبص لإيده بخوف قبل ما تبوسها.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى