روايات وقصص

روماني مكرم 2

أول ما فتحنا باب ، استقبلتنا ريحة بخور هادية ونظافة غريبة. الحاج متولي كان مكلم جارتنا الأستاذة أم أحمد تنزل تنضف الشقة وتجهز لنا أكل سخن قبل ما نوصل. حسن دخلني  ونيمني على ، وجاب صالح وحطه جنبي، وقالي بنبرة حسم:

«ارتاحي يا هدى.. النهار ده العيلة كلها جيا هنا، والحاج متولي هو اللي جمعهم. حقك هيجي لحد عندك وأنتِ حاطة رجل على رجل، ومن غير ما تنطقي كلمة واحدة».

على الساعة سبعة بالليل، الصالة برة بدأت تملى بالصوت. صوت خطوات تقيلة وكلام مكتوم. الحاج متولي جاب حماتي، ونعمة، ووفاء، وأزواجهم، وقعدهم في الصالة. حسن قفل باب النوم عليا بالراحة، وخرج يقف في نص الصالة، مكلّم حد ولا مبين أي تسامح في وشه.

الحاج متولي وقف في النص وبدأ الكلام بصوت يهز الكيان:

«أنا جمعتكم النهاردة عشان نضع حد للمهزلة دي. سعاد أختي.. أنتِ كبرتي في السن، بس نسيتي إن الظلم ظلمات يوم القيامة. البنت دي دخلت بيت ابنك يتيمة، بدل ما تكوني ليها أم وتلميها، عايرتيها بقلة أهلها، وسخنتي ابنك عليها وهو راجع مهدود حيله، ولما لقيته حنين عليها وقفتي تدعي !»

حماتي كانت قاعدة بصة للأرض، ووشها مسود، وقالت بقلة حيلة:

«يا متولي.. أنا كنت خايفة على ابني يركبه الدلع، وأنا طول عمري بشقى..»

رد عليها الحاج متولي بقسوة:

«الشقا ما يعلمش القسوة والافتراء! وأنتِ يا نعمة..» ولف أصبعه ناحية نعمة اللي كانت قاعدة حاطة إيدها في جنبها: «أنتِ وأختك.. بدل ما تكونوا إخوات لبنت يتيمة، بتتصلوا بأخوكم تشرشحوا له وتعايروه بمراته وتتهموه في رجولته عشان بيأكلها وهي بالطفل؟ هو ده الأصل اللي ربيتكم عليه؟»

زوج نعمة حاول يتدخل ويقول: «يا حاج متولي الموضوع مش كدة..»

بس حسن قطع كلامه بصوت زلزل الشقة كلها:

«سكتك يا حسام! محدش يتكلم في بيتي غير الحاج متولي! أنت ومراتك جايين تحاسبوني في بيتي وتسخّنوا أمي؟»

حسن خطى خطوتين وقاف أمام أخته نعمة وحماتي وقال بنبرة مليانة مرارة وقوة:

«أمي.. على راسي، ورجليها أشيالها فوق دماغي في أي وقت، بس شرط واحد: رجلك ما تعتبش الشقة دي تاني إلا لما تعتذري لهدى وتطلبي منها السماح على كل كلمة سمّت بيها قلبها. أما أنتِ يا نعمة.. وأنتِ يا وفاء.. فالمفتاح اللي كان معاكم اتمسح، وبيتي محرم عليكم لحد ما تعرفوا أدب التعامل مع بيت أخوكم وتعرفوا إن هدى مش لوحدها.. هدى أختكم الكبيرة برضاكم أو غصب عنكم، وعيلتها هي أنا وصالح اللي جوة ده!»

نعمة وقفت بغل:

«بتبايع إخواتك عشان واحدة غريبة مالهاش عيلة؟!»

حسن قرب منها وعيونه فيها شرار وقال بصوت هادي ورسول:

«هي مش غريبة.. هي بيتي. واللي يمس بيتي يتقطع لسان أي حد يذكره بسوء! الحاج متولي موجود، وأنا قدام العيلة كلها بقولها: أي حد هيقول كلمة تانية في حق هدى أو يعايرها بيتمها، هعتبره خصمي ليوم الدين ومش هشوف وشه تاني!»

الحاج متولي ضرب بعصايته على الأرض وقال:

«الكلام اتختم! سعاد تعتذر لمراته دلوقتي، والبنات يلموا نفسهم ويرجعوا بيوتهم وما يدخلوش هنا إلا بالاستئذان وباحترام!»

حماتي رأسها بالرفض في الأول من كبرياء الغل، بس لما شافت عين حسن وعين أخوها متولي اللي إنه ، قامت ببطء ودخلت عندي.

أنا كنت قاعدة على ومسكة صالح في حضني، ودموعي نازلة بأسى. حماتي وقفت عند باب ، بصت لي وللطفل، ولأول مرة أشوف في عينها انكسار حقيقي مش تمثيل. قربت خطوتين وقالت بصوت مكسور ومردود:

«سامحيني يا هدى.. الشيطان كان حاطط غشاوة على عيني.»

أنا بصيت لها، والجرح كان لسه حاي، بس قلت بصوت واطي:

«مسامحاكي يا حماتي عشان خاطر ربنا وعشان خاطر حسن وصالح.. بس الجرح اللي اتفتح مش بسهولة يتلم.»

خرجت حماتي من  وهي ساكتة، وسحب الحاج متولي العيلة كلها وخرجوا، والباب اتقفل وراهم.

الصمت رجع للشقة، بس المرة دي كان صمت نقي، صمت نصرة وراحة. حسن دخل ، وقفل الباب بالمفتاح، وقعد جنبي على . حط إيده حوالين كتفي وضمنا أنا وصالح لصدره، وقال وهو بيتنفس بعمق:

«خلصت يا هدى.. الحق رجع، والبيت ده مش هيدخله تاني إلا اللي يعرف قيمتك».

أنا بصلت له وقلت وأنا بحط رأسي على كتفه:

«يا حسن.. أنا خايفة، أختك نعمة مش هتسكت، وعيونهم المليانة غل دي مش هتسيبنا في حالنا..»

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى