
مرّ أسبوع كامل، كان البيت فيه هادي هدوء محترم، هدوء المكان اللي اتمسح منه الشقا والاستغلال. بس الهدوء ده كان عامل زي السكون اللي بيسبق ضربة الفأس الأخيرة.
في عصر يوم جمعة، جرس الباب رن. فتحت، لقيت محمود واقف، بس ما كانش لوحده. كان معاه حماتي، وسحر، ووحدة ثانية.. بنت في أواخر العشرينات، لابسة هدوم مبهرجة ومكياج صارخ، وبتبص لي من فوق لتحت بثقة واستعلاء. كانت “عبير” بنت خالته.
محمود أخد خطوة لجوه ومسك في يده شنطة صغيرة، وقال بنبرة فيها التحدي اللي بيحاول يداري بيه كسرة القسم:
“أنا جاي آخد عيالي يا صابرين.. وجاي أعرفك إن مكتوب كتابي على عبير انكتب امبارح رسمي.”
حماتي زقت الباب بكتفها ودخلت وهي بتعدل طرحتها وتبتسم بشماتة:
“أهو يا صابرين.. الباشا تجوز الهانم الصغيرة اللي تنعنشه، وجايين نلم هدوم العيال عشان يعيشوا مع أبوه مرتاحين في بيته الجديد، وأنتِ تقعدي هنا في الشقة الخاوية دي تتفرج على أربع حيطان.. ورجلك فوق رقبتك هتديهم له، بدل ما نسحب منك النفقة ونمرمطك في المحاكم على حضانتهم!”
عبير ضحكت بصوت واطي وقالت وهي بتبص لصالون البيت:
“هو ده البيت يا عمه؟ ماشي.. بكره لما العيال ييجوا معانا العزبة هيبقوا يتسدوا في أي أوضة، أهم حاجة محمود يرتاح.”
في اللحظة دي، شفت محمود بيبص لي ومستني يشوف الهزيمة في عيني، مستني ينزل مني الدمع اللي متعود عليه، أو يستجدي منه يخلي العيال معايا. كانوا فاكرين إن كارت “العيال” هو اللي هيخليني أركع تحت رجليهم وأقبل بأي شروط.
بس صابرين اللي قدامهم دي.. خلاص، الجلد القديم اتسلخ بالكامل.
ابتسمت.. ابتسامة هادية جداً، وفتحت الباب على آخره وقلت بصوت مسموع للشارع كله:
“يا أهلاً بالعروسة الجديدة.. خطوة عزيزة يا عبير.”
حماتي اتسمرت مكانها، ومحمود حواجبهم اترعشت من الاستغراب.
نديت بصوت عالي: “أحمد! شهد! تعالوا يا حبايب قلبي.. باباكم وجدكم والعروسة الجديدة جايين ياخدوكم.”
خرج أحمد وشهد من أوضتهم. أحمد كان ماسك في إيده تليفونه المحمول، وشهد واقفة وراه بثبات.
محمود قرب من أحمد وقال بتمثيل العاطفة:
“يلا يا أحمد يا حبيبي.. لم حاجتك أنت وأختك، تعالوا عيشوا مع بابا في الشقة الجديدة، بدل ما تقعدوا هنا مع أمكم اللي حارماكم من كل حاجة وعاوزة تخرب البيت.”
أحمد بص لأبوه ببرود تام.. برود أشد من برودي. رفع تليفونه وضغط على زرار التشغيل، وطلع منه صوت تسجيل واضح.. تسجيل للصوت اللي أحمد سجله على تليفونه يوم ما محمود وحماتي جم يهددوني قبل ما يروحوا القسم.
صوت حماتي كان طالع من التليفون وهي بتقول لمحمود:
“العيال دول تاخدهم يا محمود غصب عنها، مش عشان بتحبهم، عشان نذلها بيهم! نجيبهم عندنا يخدموا عبير ونحرمها منهم فتسيب الشقة وتترجاك ترجعها!”
وسمع صوت محمود وهو بيلد بالرد:
“أيوة يا أمي، العيال هما الكارت اللي هيخليها تجيب ورا وتتراجع عن قضايا النفقة.”
الصوت امتلأ بيه الصالة.. عبير وشها اتغير وبصت لمحمود بصدمة، وسحر بلعت ريقها، وحماتي اتخرست تماماً.
أحمد بَصّ لأبوه وقال بصوت ثابت هز الصالة:
“أنا عندي 14 سنة يا بابا.. والقانون بيدي القاضي الحق يسألني أنا وأختي نعيش مع مين. وأنا وشهد قايلين للمحامي من الصبح إننا مش عايزين نعيش غير مع أمنا.. الست اللي شقيت عشاننا وعشانك، والست اللي أنت جايب ناس يذلوها بيا وبأختي!”
شهد قربت مني ومسكت إيدي وقالت لمحمود:
“أنت مش بابا بتاع زمان.. أمي هي كل حاجة لينا، وأنت اختارت طريقك.. روح كمله بعيد عنا.”
محمود كان واصل لمرحلة من الذهول مش قادر ينطق.. الكارت الأخير اتحرق، والعيال اللي كان فاكرهم العكاز اللي هيتكسر عليه، بقوا السيف اللي بيقطع أمل أخير ليه.
في اللحظة دي، رن جرس الباب تاني. فتحت.. كان الأستاذ عبد المجيد المحامي ومعاه اثنين رجال شرطة ومعاهم أوراق رسمية.
الأستاذ عبد المجيد دخل بكل هيبة وقال:
” مساء الخير يا حضرات.. الأستاذ محمود، اتفضل استلم أمر التنفيذ الوقتي بتمكين الموكلة صابرين من الشقة بصفاتها الحاضنة المباشرة للأولاد، مع حظر دخولك أو التعرض لها بأي شكل، وده قرار النيابة العاجل بصرف نفقة مؤقتة لحين صدور حكم المحكمة النهائي بقطع جزء من مرتبك وأرباح شركتك لصالح الأولاد.”
الضابط قرب من محمود وقال بصرامة:
“يا أستاذ محمود.. اتفضل اخرج برة الشقة فوراً أنت والضيوف اللي معاك، بلاش نعمل مشكلة هنا.”
حماتي صرخت: “يا لهوي! بنطرد من بيت ابني للمرة الثانية؟ يا ناس يا عالم!”
قربت من حماتي، وبصيت في عينيها بثبات وقلت لها بالراحة:
“أنتِ ما بتتطلعيش من بيت ابنك يا حماتي.. أنتِ بتطلعي من بيتي أنا. الشمعة اللي كانت بتتحرق عشانكم.. جابت المحامي وقادت النار في كل كدبة عشتوها. ابقوا خلو ‘عبير’ بقى تعجن لكم الفطير الفجر، وتنضف لكم النجف، وتقمع لكم البامية وتسكت على إهانتكم.. لو قدرت!”
عبير بصت لمحمود بغضب وقالت له وهي بتسحب إيدها منه:
“هو ده البيت اللي قلت لي إنك سيد فيه؟ وهي دي العزبة اللي هتعيشني فيها؟ أنت طلعت مش حيلتك حاجة وكل حاجة باسم مرتك القديمة! أنا راجعة بيت أبويا يا محمود.. وورقة طلاقي تجيلي!”
وسابتهم ونزلت تجري على السلم. سحر جرت وراها وهي بتصوت، وحماتي كانت بتتحرك بالعافية وهي بتتحسر على المخطط اللي انهار فوق دماغهم.
وقف محمود عند الباب.. كان شكله كأنه كبر عشر سنين في دقائق. بَصّ لي بنظرة رجاء أخيرة، نظرة واحد أدرك إنه خسر كل حاجة: مراته اللي كانت شايلها، عياله اللي تبروا من تصرفاته، فلوسه، وكرامته قدام الناس.
قال بصوت مبحوح: “صابرين.. أنتِ هدمتي كل حاجة؟”
رديت عليه وأنا بحط إيدي على كتف أحمد وشهد، وببص له بمنتهى القوة والشموخ:
“أنا ما هدمتش حاجة يا محمود.. أنا بس هديت السور اللي كنت حبسة نفسي جوام عشان أرضيكم، وبنيت مكانه بيتي الحر. أنت اللي هدمت نفسك يوم ما سمعت كلام أمك في المنور وقلت ‘اللي تشوفيه’. روح بقى يا محمود.. عيش اللي تشوفه أمك.”
ورزعت الباب للمرة الأخيرة.
المرة دي.. ما كانش في أي صوت بره، غير خطواتهم وهي نازلة مكسورة على السلم.
لتفت لعيالي، حضنتهم بكل قوتي، وتنفسنا إحنا الثلاثة نفس عميق ودافي. الصالة كانت منورة بالكتير من الضوء الطبيعي، والشمس كانت داخلة تصبح على الهانم الحقيقية.. صابرين، الست اللي صبرت ولما قامت.. أخدت حقها كاملاً غير ملموس.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



