روايات وقصص

الوصـية جـدتي ج 2 حكـايات مني السيد

متجريش وراه.
قلت
هو قال اسألي أمي.
هتسأليها.
رجعت الفندق.
لقيت أمي قاعدة مع سارة.
أول ما شافتني، وقفت.
قلت
ماما بابا قاللي أسألك عن السر.
وشها اتغير.
سارة بصت لها.
سر إيه؟
أمي بدأت ټعيط.
أنا كنت خاېفة.
من إيه؟
من أبوكي.
طب قولي.
هو مكنش لوحده.
نعرف.
لأ.
سكتت.
وبعدين قالت
في يوم جدتك وقعت في البيت.
سارة شهقت.
إمتى؟
قبل ۏفاتها بفترة.
وإيه اللي حصل؟
أمي مسحت دموعها.
أنا كنت في المطبخ. سمعت صوت خبط.
وبعدين؟
لقيت جدتك واقعة.
واتصلتوا بالإسعاف؟
سكتت.
ماما؟
قالت
أبوكي قال نستنى.
ليه؟
قال إنها
فوق مكتبها.
مش لبساها.
لأنها بقت قديمة ومهترئة.
لكنها حطتها قدامها.
وقالت
دي مش ذكرى.
أمال إيه؟
وعد.
وعد بإيه؟
إن محدش ياخد صوتي تاني.
ابتسمت.
وعد.
أنا مش هقول إن حياتنا بقت مثالية.
لأ.
لسه في أيام صعبة.
لسه في جلسات علاج.
لسه في أوراق ومحاكم.
لسه في آثار نفسية من سنين.
ولسه أمي بتحاول تصلح اللي اتكسر.
ولسه أبويا بيحاول يتعامل مع نتائج قراراته.
لكن في فرق كبير.
سارة دلوقتي
بتصحى الصبح وتقرر يومها.
بتشتغل.
بتتعلم.
بتخرج.
بتقابل أصحابها.
بتضحك.
بتزعل.
بتقول لأ.
وتقول آه.
وتطلب المساعدة لما تحتاج.
وترفضها لما مش محتاجاها.
مش لأنها بقت شخص تاني.
لكن لأنها أخيرًا بقت تعيش كشخص كامل.
وفي آخر مرة رحت فيها لبيت العيلة القديم، وقفت قدام المكان اللي لقيتها فيه راكعة.
السيراميك كان اتغير.
الحائط اتدهن.
لكن أنا لسه شايفة الصورة.
سارة على الأرض.
الكرسي بعيد.
والمقشة في إيدها.
سمعت صوتها في دماغي
بسرعة قبل ما يزعقوا لي.
غمضت عيني.
وبعدين فتحتها.
لقيت سارة جنبي.
قالت
إنتي بتفكري في إيه؟
قلت
في أول يوم.
قالت
وأنا بفكر في آخر يوم.
بصيت لها.
آخر يوم إيه؟
ابتسمت.
آخر يوم كنت بخاف فيه من المكان ده.
مدت إيدها.
مسكت إيدي.
ومشينا.
وقبل ما نخرج من الباب، بصت للبيت مرة أخيرة.
وقالت
تعرفي إيه أكتر حاجة اتعلمتها؟
إيه؟
قالت
إن الناس ممكن تحاول تقنعك إنك محتاجهم عشان تفضل ساكت.
سكتت لحظة.
بس أول ما تعرف إن ليك حق هتبدأ تسمع صوتك.
ابتسمت.
وإنتي سمعتي صوتك.
أيوه.
وعملتي إيه؟
بصتلي.
وقالت
مشيّت.
وضَحكت.
ضحكت معاها.
وخرجنا.
الباب اتقفل ورانا.
المرة دي
مش خوف.
ولا هروب.
كان مجرد باب بيتقفل على ماضي خلص.
وبعد كام شهر، جالي ظرف من المحامي.
كان فيه آخر مستندات القضية.
فتحت الورقة الأولى.
وبعدين التانية.
وفي آخر الملف
لقيت صورة قديمة لجدتي.
وتحتها ملاحظة بخط إيدها
أنا مش عايزة حفيدتي تكسب حربًا.
أنا عايزاها متضطرش تحارب أصلًا.
لكن لو اضطرت
خليها تفتكر إن الحق مش محتاج صوت عالي.
الحق محتاج نفس طويل.
قريت الجملة أكتر من مرة.
وبعدين حطيت الورقة مكانها.
سارة كانت واقفة ورايا.
قالت
بټعيطي؟
مسحت دموعي.
لأ.
كذابة.
ضحكت.
أيوه، بعيط.
قالت
جدتي كانت عارفة إنك هتعيطي.
كانت عارفة كل حاجة.
قالت
تقريبًا.
وبعدين سكتت.
إلا حاجة واحدة.
بصيت لها.
إيه؟
ابتسمت.
إن أنا هطلع أقوى مما كانت متخيلة.
حضنتها.
وقلت
وأنا كمان.
قالت
إنتي؟
أيوه.
قوية؟
مش قوي.
ضحكت.
أمال إيه؟
قلت
بس اتعلمت.
ومن يومها، كل ما حد يسألني
إزاي ماخدتيش بالك من اللي كان بيحصل؟
بقول
عشان أوقات أقرب الناس لينا بيعرفوا يخبوا الحقيقة كويس.
ولو حد سأل
وليه سارة ماحكتش؟
بقول
عشان الخۏف ساعات بيخلي الإنسان يشك حتى في الناس اللي بتحبه.
ولو حد سأل
وإيه اللي أنقذها؟
مش بقول الفلوس.
ولا القانون.
ولا الورق.
بقول
إن حد صدقها.
لأن أحيانًا
كل اللي الإنسان محتاجه عشان يخرج من مكان مؤذي
إن حد واحد بس يبصله في عينه ويقول
أنا مصدقك.
أما الجملة اللي أبويا قالها زمان
لازم تحلل لقمة عيشها.
فأنا مش هنسى إنها كانت السبب في أول شرارة.
لأن سارة اليوم ده كانت بتمسح الأرض عشان تثبت إنها تستحق الأكل.
لكن بعد سنة
كانت بتشتغل من مكتبها.
بتكسب من عقلها.
وبتساعد غيرها.
وكانت بتقول لأي بنت خاېفة
إنتي مش مطالبة تدفعي تمن وجودك.
ودي كانت أحلى لقمة عيش
أكلتها سارة في حياتها.
لقمة من تعب إيديها.
من عقلها.
من موهبتها.
ومن كرامتها.
من غير ما تركع لحد.
وفي آخر ليلة من السنة، كنا قاعدين في البلكونة.
سارة قالت
هو إحنا خلصنا؟
قلت
خلصنا إيه؟
الحكاية.
ضحكت.
إنتي عايزة تفتحي حكاية جديدة؟
قالت
لأ.
وسكتت.
بس حاسة إن حياتي لسه بتبدأ.
بصيت لها.
وقلت
وده الصح.
مدت إيدها.
وأنا مسكتها.
الإسورة الزرقا كانت معلقة فوق المكتب جوه.
مش في إيدها.
لكنها كانت موجودة.
زي وعد قديم.
وعد بين أختين.
إن محدش في الدنيا
مهما كان قريب
هيقدر يقنع واحدة فيهم إنها أقل من حقها.
أنا اسمي مش مهم.
ولا اسم أبويا.
ولا اسم أمي.
ولا حتى اسم الشركة.
لأن الحكاية دي مش عن عيلة واحدة.
ولا عن بيت واحد.
ولا عن بنت واحدة قاعدة على كرسي متحرك.
الحكاية عن كل حد اتقال له في يوم
اسكت عشان إحنا أهلك.
وعن كل بنت اتقال لها
استحملي عشان البيت.
وعن كل شخص احتاج مساعدة واتعاملوا مع احتياجه كأنه ضعف.
الحكاية عن إن الرعاية عمرها ما كانت إذلال.
وإن المسؤولية عمرها ما كانت سړقة.
وإن الحب عمره ما كان تحكم.
وإن البيت مش الحيطان.
البيت هو المكان اللي تقدر فيه تبقى على طبيعتك
من غير ما تخاف.
وسارة أخيرًا
بقى عندها بيت.
مش بس في السجل.
لكن جوه قلبها.
وأنا؟
أنا بقيت أختها.
مش الوصية.
مش اللي بتدفع.
مش اللي بتنقذ.
أختها وبس.
وده كان أكبر مكسب لينا الاتنين.
لأن سارة أخيرًا بطلت تشوف نفسها عبء.
وأنا أخيرًا بطلت أشوف نفسي مسؤولة عن إنقاذ العالم.
بقينا اتنين أخوات
كل واحدة فينا واقفة جنب التانية.
مش فوقها.
ولا تحتها.
جنبها.
وده
كان أول بيت حقيقي نبنيه سوا.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى