
لقيت أختي راكعة على رُكبها وبتمسح الأرض، وأول ما قرّبت منها الكرسي المتحرك، ترجّتني بصوت واطي بسرعة قبل ما يزعقوا لي. أهلي كانوا بيقولوا إنها لازم تحلل لقمة عيشها، مع إني ببعتلهم كل شهر فلوس مخصوص عشان مصاريفها ورعايتها. أخدتها ومشيت من غير ما أدخل في نقاش….
الشغالة ورا في المطبخ بتنضف، ده اللي أبويا قاله عن أختي وهو بيعدّل كرافتته عشان كان رايح يتكرّم في جمعية وياخد درع الأب المثالي وملاك الرحمة.
وصلت بيت العيلة في مصر الجديدة قبل ميعاد الحفلة بساعتين. أهلي كانوا مفكرين إني هاجي على ميعاد الضيوف، وسط الورد والضحكات الصفرا المتفصلة للمظاهر. بقالي فترة كل ما أحاول أزور سارة يلغوا الزيارة بحجة إنها تعبانة ونايمة أو إن في صيانة ونقاشة في البيت. عشان كده روحت فجأة ومن غير ما أعرّفهم.
أنا دخلتلها عشان أساعدها تجهز وتلبس، قولت كده وأنا داخلة. حكايات_مني_السيد
أمي تهاني بصت لأبويا رجب بارتباك، وقال
هي مشغولة دلوقتي.
مشغولة بإيه يعني؟
بتساعد في ترويق البيت.. البنت لازم تحس إن ليها لازمة مش قاعدة عالة.
من جوة الطرقة سمعت صوت حك منتظم.. كحت، سكون، وكحت تاني…حصري على صفحة روايات و اقتباسات…
دخلت على الصالة اللي جنب المطبخ، وأول حاجة شوفتها كان الكرسي المتحرك بتاع سارة، مركون جنب الحيطة على بعد مترين منها ومتثبت فرامله عشان ميتحركش. بعدها شوفتها هي.. راكعة على ركبتها فوق فوطة مبلولة، وماسكة مقشة خشنة وبتدعك في السيراميك، وإيديها الاتنين وارمين وحمر من مية الكلور.
سارة عندها اتنين وعشرين سنة، اتولدت بشلل دماغي مأثر بس على حركتها ورجليها. تقدر تذاكر، تكتب، تاخد قرارات وتدير حياتها عادي جداً. الحاجة الوحيدة اللي متقدرش تعملها بأمان هي إنها تقوم لوحدها من على أرض مبلولة وتوصل لكرسيها البعيد.
سارة؟
اتخضت وبصت وراها للطرقة بړعب قبل ما تبصلي
ممكن تقربيلي الكرسي بسرعة؟ قبل ما يحسوا بيكي.
نزلت لمستواها على الأرض
بتعملي كده ليه يا بنتي؟
تمارين.. بحرك دراعاتي.
سارة، قولي الحقيقة.
صوت أبويا زعق من الريسبشن قدام
لسة تحت النيش متمسحش، متكسليش!
سارة مسكت المقشة جامد وعينيها مکسورة
بيقولوا لازم أحلل مصاريفي وأكلي.
حسيت بدمي بيفور وڼار قادت جوايا.
سندتها لحد ما طلعت على الكرسي براحة، وأول ما خرجت بيها لقيت أهلي واقفين وشهم في وشي.
أبويا اتنرفز وقال
هتفضلي تدلعي فيها كده؟ ماهي لازم تتعلم متعتمدش على حد.
فين الممرضة اللي المفروض قاعدة معاها وبتخدمها؟
سكتوا الاتنين تماماً.
أمي ردت ببرود
سابت الشغل ومشيت.
أنا بحوّل كل أول شهر فلوس مخصوص للممرضة، وجلسات العلاج الطبيعي، وتوصيلها بالمخصوص.
سارة رفعت راسها وبصتلي بذهول
هو إنتي اللي بتدفعي كل ده؟
طبعاً يا سارة، أومال مين؟
مسكت في الإسورة الزرقا اللي كنت عاملاهالها بإيدي وإحنا صغيرين وقالت
هما قالولي إنك زهقتي من مصاريفي، وإن لو عملت أي مشاكل إنتي هتبطلي تصرفي عليا تماماً.
سألتها عن كل حاجة.. الممرضة طلعت ماشية بقالها شهور، العلاج الطبيعي اتقطع من زمان، والعربية المخصوص قالوا غالية ومستخسرينها، وكورس الجامعة اللي المفروض تبدأه متدفعش أصلاً. حكايات_مني_السيد
كل ده وأنا بيوصلي كشوف حساب متفصلة وفواتير مضړوبة كل شهر!
أبويا بص في ساعته وقال بزهق
بلاش نكد وفضايح، الناس زمانها جاية ولازم يشوفوا تعبنا السنين دي كلها بيتكرم إزاي.
قربت من سارة وهمستلها
عايزة تفضلي هنا؟
بصتلهم بړعب وبعدين مسكت إيدي وقالت
أنا عايزة أمشي معاكي.
الليلة دي، في فندق مجهز ومهيأ لحالتها، وبعد ما نامت من التعب، فتحت الدوسيه القانوني بتاع أملاك ووصية جدتي إلهام الله يرحمها.
الشقة الكبيرة اللي عايشين فيها في الأصل مش ملك لأبويا ولا أمي؛ الشقة دي متسجلة وقف وحق انتفاع كامل ومخصص ل سارة بس. وجود أهلي فيها كان مشروط برعايتها وتوفير حياة كريمة ومثبتة ليها.
والأهم، إني من ست أسابيع بس، لما تميت خمسة وعشرين سنة، بقيت أنا الوصي والمدير القانوني للوقف ده بحكم وصية جدتي…حصري على صفحة روايات و اقتباسات…
أبويا وأمي كانوا لسة بيتصلوا بيا وبيزعقوا من بيتهم.. ميعرفوش إنهم قاعدين في بيت البنت اللي كانوا بيذلوها ويخلوها تمسح الأرض عشان تاكل لقمة فيه…
حكايات_مني_السيد
الفصل الثاني
من أول ما قفلت المكالمة، وأنا حاسة إن إيدي بتترعش.
الموبايل كان لسه في إيدي، وصوت أبويا في وداني كأنه واقف قدامي
إنتي فاكرة إنك هتخدي البنت وتمشي كده؟! دي أختك آه، بس دي بنتنا إحنا قبل ما تكون أختك!
وبعدين صوت أمي وهي بټعيط
ارجعي يا بنتي، أبوكي متعصب ومش في وعيه إنتي عارفة إن إحنا عمرنا ما قصدنا نأذي سارة.
كنت قاعدة في أوضة الفندق جنب سرير سارة.
بصيت عليها.
كانت نايمة.
أول مرة أشوف وشها نايم بالشكل ده.
مفيهوش خوف.
مفيهوش توتر.
مفيهوش عين بتتحرك كل شوية ناحية الباب كأنها مستنية حد يدخل عليها ويزعق.
كانت نايمة بهدوء.
إيدها كانت ماسكة طرف البطانية.
وعلى الترابيزة جنبها، حطيت الإسورة الزرقا اللي كانت لابساها من سنين.
الإسورة اللي عملتها لها وأنا طفلة.
وقتها كنا قاعدين على سطح بيت جدتي إلهام.
كانت سارة أصغر مني، وكل شوية تبصلي وهي بتحاول تحرك إيديها.
وأنا كنت عاملالها إسورة من خرز أزرق، وكنت فخورة بيها جدًا.
قولتلها يومها
دي هتفضل معاكي طول عمرك.
ضحكت وقالتلي
ولو اتقطعت؟
قولتلها
أعملك غيرها.
مفكرتش وقتها إن بعد كل السنين دي، الإسورة دي هتبقى الشاهد الوحيد اللي يفكرني إن أختي كانت بتصدقني أكتر ما أنا كنت فاهمة.
قعدت جنبها على الكرسي.
ومديت إيدي على شعرها.
همست
حقك عليا يا سارة.
هي اتحركت وهي نايمة.
قلبي وجعني.
أنا مش عارفة ليه قلت حقك عليا.
أنا مكنتش اللي ظلمتها.
أنا اللي كنت ببعت الفلوس.
أنا اللي كنت فاكرة إن كل حاجة ماشية.
أنا اللي كنت كل شهر أفتح كشف الحساب، وأشوف تحويل الممرضة والعلاج الطبيعي والعربية المجهزة، وأقول الحمد لله إنها كويسة.
لكن يمكن ذنبي الوحيد
إني صدقت.
صدقت أبويا.
وصدقت أمي.
وصدقت الورق اللي كانوا بيبعتوهولي.
وصدقت إن البيت اللي كنت فاكرة إنه أكتر مكان آمن ليها، كان في الحقيقة أكتر مكان هي كانت پتخاف منه.
فضلت قاعدة جنبها لحد ما الفجر قرب.
وفجأة، موبايل سارة رن.
بصيت للشاشة.
رقم غريب.
سيبته يرن.
وبعد ثواني بعت رسالة.
فتحتها.
كانت رسالة قصيرة
لو سارة عندك، متقوليلهاش إني كلمتك. في حاجات لازم تعرفيها قبل ما ترجعيها البيت.
وقفت مكاني.
قلبي دق بسرعة.
مين ده؟
وبعدها رسالة تانية وصلت
أنا الممرضة اللي قالولك إني سبت الشغل.
فضلت باصة للشاشة ثواني.
وبعدين بصيت لسارة.
وفجأة حسيت إن اللي اكتشفته النهارده مش نهاية الحكاية.
دي كانت أول طبقة بس.
فتحت الرسالة ورديت
حضرتك مين؟ وعايزة تقولي إيه؟
الرد جه بسرعة
اسمي نجلاء. اشتغلت مع سارة سنة و شهور. أنا ممشتش بمزاجي.
اتنفضت إيدي.
كتبت
يعني إيه؟
الرسالة اتأخرت شوية.
وبعدين ظهرت
اتطردت لما سألت عن فلوس الرعاية اللي كانت بتتحول كل شهر.
حسيت بقشعريرة في جسمي.
كتبت
ممكن نتقابل؟
ردت
مش دلوقتي. بكرة الصبح. ولو عايزة تعرفي الحقيقة كلها، هاتي معاكي كل إيصالات التحويلات.
قفلت الموبايل.
وقعدت على طرف السرير.
كنت حاسة إني دخلت فجأة في حاجة أكبر من مجرد إهمال.
أنا مش عايزة أظلم أبويا وأمي.
دي كانت أول فكرة جت في دماغي.
هما أهلي.
أبويا اللي عمره ما كان بيقبل حد يرفع صوته عليه.
أمي اللي كانت طول عمرها تقول
إحنا مالناش غير عيالنا.
بس اللي حصل النهارده مش سوء تفاهم.
دي كانت سنين.
سنين كاملة.
ممرضة اختفت.
علاج طبيعي اتوقف.
عربية
بدأت تتوتر.
مسكت إيدها.
خلاص، مش هنتكلم قدامها.
لكنها قالت
لأ. أنا عايزة أعرف.
بصتلها.
قالت
طول عمري هما بيقرروا بدالي. المرة دي عايزة أعرف.
سكت.
ولأول مرة شفت في عينها حاجة مختلفة.
مش خوف.
ڠضب.
هادئ.
بس موجود.
رجعنا الفندق.
سارة كانت ساكتة طول الطريق.
ولما وصلنا، قالت
أنا عايزة أرجع البيت.
وقفت.
ترجعي بيت بابا؟
لأ.
أمال؟
بيتي.
سكت.
بيت جدتي.
قلت
إنتي متأكدة؟
هزت راسها.
أيوه.
بس ممكن يكونوا هناك.
قالت
مش مهم.
سارة، الموضوع بقى أكبر.
أنا عارفة.
ممكن يحصل مشاكل.
أنا طول عمري عايشة وسط المشاكل.
وبعدين بصتلي.
بس المرة دي أنا مش لوحدي.
حضنتها.
مش هتكوني لوحدك تاني.
في نفس الليلة، بدأت أرتب نقل سارة رسميًا.
مش بس نقلها من البيت.
نقل حياتها كلها.
ممرضة.
علاج طبيعي.
دراسة.
تأهيل.
جهاز كمبيوتر.
سرير مناسب.
حمام مجهز.
وعملت لها حساب منفصل للمصاريف.
وقلت
من النهارده، أي جنيه يخصك مش هيخش حساب حد تاني.
ضحكت.
حتى لو أنا طلبت منك؟
حتى لو طلبتي.
طب لو عايزة أشتري شوكولاتة؟
دي بقى قضية أمن قومي.
ضحكت.
وأنا ضحكت معاها.
يمكن لأول مرة من يوم ما خرجنا من البيت.
لكن الضحكة مخلصتش.
لأن الموبايل رن.
رقم أبويا.
رفضت.
رن تاني.
رفضت.
رسالة
انتي لو عايزة سارة تعيش مرتاحة، متدخليش في اللي مش ليكي.
قرأت الرسالة.
وبعدين وريتها للمحامي.
قال
احتفظي بيها.
قلت
أعمل إيه؟
مترديش.
وبعدين رن موبايل المحامي.
بص للشاشة.
رد.
قال
ألو.
سكت.
وبعدين قال
مين حضرتك؟
سكت أكتر.
وبعدين قفل.
بصلي.
والدك.
قال إيه؟
بيقول إنك بتتصرفي في أملاك مش من حقك.
ضحكت بسخرية
هو لسه فاكر إنه صاحب البيت؟
المحامي قال
الموضوع ممكن يدخل في ڼزاع قانوني.
خليه يدخل.
متأكدة؟
بصيت لسارة.
كانت قاعدة جنبي.
وقالت
أنا متأكدة.
تاني يوم الصبح، روحنا البيت.
مش عشان نرجع.
عشان ناخد حاجات سارة.
كان الباب مقفول.
خبطنا.
مفيش رد.
خبطنا تاني.
بعد دقيقة، الباب اتفتح.
أمي كانت واقفة.
وشها متغير.
أول ما شافت سارة، دموعها نزلت.
حبيبتي.
مدت إيدها.
سارة رجعت لورا.
أمي وقفت مكانها.
الصمت كان تقيل.
أبويا ظهر من الصالة.
لابس نفس البدلة اللي كان محضرها للحفلة.
الدرع مش موجود.
بس البدلة موجودة.
بصلي.
إنتي جاية ليه؟
قلت
ناخد حاجات سارة.
ضحك بسخرية
حاجات سارة؟ ده بيتها.
قلت
بالضبط.
اتنرفز.
إنتي فاكرة نفسك ؟
أنا مجبتش سيرة




