روايات وقصص

الساعه كانت حصري لصفحة روايات رولا

​ما كانش فيه مكان اصلاً لشنط طارق، فما بالك بابنها المتر في متر بالكراتين بتاعته.
​نزلت لإدارة العمارة، ألغيت الدفع الإلكتروني المباشر، وطلعت على الجاراج عشان أركب عربيتي.
​أول ما جيت أفتح العربية، سمعت صوت زعيق جامد.

​— هييييه! يا ولد أقف عندك!
​لقيت راجل طول بعرض ولابس قميص أبيض شيك واقف جنب عربية دفع رباعي سوداء فخمة.
​وكان فيه طفل عنده يجي سبع سنين واقف ماسك مفتاح في إيده.
​وعلى طول باب العربية كان فيه تجريح وتخبيش عميق جداً واصل للصاج.
​الراجل صاحب العربية كان باصص على التجريح ووشه ما بيتفسرش.
​الطفل ده كان آسر، ابن ابن طارق.
​في ثواني معدودة، طارق وهدى وحازم نزلوا يجروا.
​— إيه اللي حصل يا باشا؟ — سأل طارق.
​— الولد جرح عربيتي للمعدن بالمفتاح ده — رد الراجل بكل هدوء ورزانة.
​طارق بص على التجريح وضحك ضحكة هبلة:
​— معلش يا بيه، عيل صغير وبيلعب.. دي حبة بوليش وتطلع في ثواني!
​الراجل بص له من فوق لتحت:
​— دي مش بوليش، الصاج اتجرح ومحتاجة رش في التوكيل.
​— يا فندم ما تكبرش الموضوع!
​— أنا مش بكبر الموضوع، أنا هكلم التأمين وهطلب فاتورة التوكيل الرسمية.
​هدى اتدخلت بفراسة:
​— يا بيه أنت باين عليك ابن ناس ومعاك فلوس ما شاء الله، هتقف وتعمل مشكلة مع عيل صغير عشان حكة عربية؟!
​الراجل رد عليها بهدوء يقصم الرقبة:
​— كوني معايا فلوس مش معناه إني أسمح لأي حد يخرب ممتلكاتي.
​حازم قرب وبص على العربية ووشه اصفَر.
​هو عارف كويس تكلفتها كام في التوكيل.
​طارق بصل لحازم وقال:
​— حازم يا ابني، تصرف أنت وحل المشكلة دي، أنت ابننا الناجح اللي معاك فلوس.
​— أنا؟!
​— أيوا، أمك طول عمرها بتقول إنك بتكسب دهب ومريّش.
​حازم ما كانش عارف يودي وشه فين.
​— أنا معاييش فلوس دلوقتي يا عمي.
​— يعني إيه معاييكش؟!
​الموضوع بدأ يكبر وصوتهم يعلى، وفجأة طنط هدى لمحتني واقفة بعيد.
​عينيها اتغيرت في ثواني.
​وجت تجري عليا.
​— مريم!

​أنا عارفة النظرة دي كويس، هي هي نفس النظرة لما تكون محتاجة فلوس.
​— أنتِ لسه بايعة الشقة ومعاكي فلوس البيع.. ادفعي للراجل حقة التوكيل وخلصينا!
​حازم قرب هو كمان:
​— عشان خاطري يا مريم المرة دي بس، وأنا هرجعهم لك.
​الكلمة خلاني عايزه أضحك من قلبي: “المرة دي بس”.
​الكلمة دي اختصرت أربع سنين جواز.
​— لا.
​هدى اتصدمت:
​— يعني إيه لا؟!
​— فلوس الشقة دي مستقبل فريدة ومستقبلي أنا.
​— بس إحنا أهل!
​— لما تعوزوا شقة تقعدوا فيها ببلاش بنبقى أهل، لما تعوزوا سلفيات بنبقى أهل، لما تعوزوا حد يدفع الأكل والمصاريف بنبقى أهل.. بس لما كنت بحتاج راجل يصرف على بنته ويقف جنب بيته، محدش كان بيفتكر كلمة “أهل” دي خالص!
​محدش نطق.
​صاحب العربية كان واقف بيسمع ويراقب في صمت.
​قربت منه وقلت له:
​— يا فندم، اعمل بلاغك والمحضر المظبوط وما تتنازلش عن حقك ولا تسيب حد يضغط عليك.
​الراجل رفع حواجبه.. وبعدين ابتسم.
​ابتسامة غريبة.. حسيتها آلفة عليا.
​قلع النظارة الشمسية.
​أنا قلبيسقط في رجليا ومعدتي اتعصرت.
​— لسه طريقة كلامك زي ما هي لما بتتضايقي يا مريم..
​وقفت مكاني مش قادرة أتحرك.
​— آسر؟!
​حازم رفع راسه بذهول وصدمة.
​آسر.. الراجل اللي ما شفتوش من أكتر من سبع سنين.
​واللي قاله بعد كده خلى حازم يقطع الخلف ويقف زي التماثيل.
​— وعلى فكرة.. إحنا محتاجين نتكلم كمان عن الشقة اللي أنا اشتريتها منك من يومين.
​الجزء الثالث
​— أنت اللي اشتريت الشقة؟!

​السؤال طلع من بقي بصوت واطي ومذهول.
​آسر هز راسه:
​— أيوا، عن طريق مكتب التسويق العقاري.
​أنا لما قررت أبيع الشقة، جاتلي معروضة سريعة وجادة جداً وكاش، والمكتب قال إن المالك مش عايز يفصح عن هويته غير بعد التسجيل والتسليم.
​ما سألتش في التفاصيل، كان كل همي أنقذ مالي وحقي وأمشي من البيئة دي.
​حازم قرب خطوة وهو متجنن:
​— أنت مين أنت كمان؟!
​آسر بص له بكل ثبات:
​— أنا زميل قديم لمريم.
​”زميل” دي كانت أسهل كلمة لوصف اللي كان بينا.
​أنا وآسر اتعرفنا وأحنا في العشرينيات، قعدنا سنتين بينا إعجاب وتفاهم شديد بس ما تحولش لجواز رسمي.
​هو كان هادي، منظم، وعقله موزون.
​وأنا وقتها كنت فاكرة إن الهدوء ملل، والفرقعة والشقاوة هي الحب.. لحد ما ظهر حازم بكلامه المعسول ووعوده اللي في الهواء.
​أهلي كانوا بيفضلوا آسر جداً، وده خلاني أعاند أكتر وأتمسك بحازم.
​يااه.. قد إيه بني آدم بيبقى أعمى لما يفتكر إن اللي بينصحه عايز يتحكم فيه، قبل ما يدفع تمن أخطائه!
​— يعني أنتوا متفقين ومخططين للبيعة دي مع بعض؟! — حازم سأل بغل.
​— لا — رديت أنا فوراً.
​آسر أكد كلامي وقال:
​— مريم ما كانتش تعرف مين المشتري اصلاً.
​وبعدين بصلّي وشرح لي إن فيه صديقة مشتركة بيننا قالت له إني ببيع شقتي ومحتاجة أخلص بسرعة. هو شاف إعلان الشقة وعرف المنطقة، وسأل بذكاء.
​— الشقة كانت فرصة استثمار ممتازة — قال آسر — ولما عرفت إنها شقتك، قدمت عرض ندي ونظيف كاش من غير فصال ولا شروط تعجيزية.
​— عشان صعبت عليك؟ — سألته.
​نبرته اتغيرت:
​— عمرك ما تصعبي عليا يا مريم. أنا عارف إنك لو بتبيعي بالسرعة دي، يبقى بتاخدي خطوة مهمة في حياتك.. أنا بس سهلت عملية كانت بالنسبة لي استثمار ناجح.
​حازم ضحك بمرارة:
​— يا سلام! بالبساطة دي؟!
​لفيت وربعت إيدي وبصيت لحازم:
​— البساطة الحقيقية هي إنك عشت أربع سنين في شقة بمدفعش فيها جنيه قسط، وسايب أهلك فاكرين إنك أنت اللي جايبها!
​هدى اتدخلت تاني:
​— بس بقى يا مريم! كفاية جرح وإهانة في ابني!
​بصيت لها بعين حامية:

​— أنا ما افتريتش على حد ولا تبليت على حد.. أنا ما عزمتش تمان تنفار في بيت مش بيتي، وما عشتش أربع سنين باكل وبشرب من خير غيري، وما سبتش عيل صغير يبوظ عربيات الناس في الشارع!
​عم طارق صرخ:
​— ده كان حادثة وغصب عنه!

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى