
كانت صورة كبيرة مؤطرة.
صورة أمها.
لكن المرة دي كانت صورة مختلفة.
أمها قاعدة على كرسي، هدوم بسيطة وبتضحك.
ندى بصت للصورة.
قالت:
— جبتها منين؟
طارق قال:
— مدحت.
سكت لحظة.
— قال إنها الصورة الوحيدة اللي كانت أمك بتحبها.
ندى ابتسمت.
حطت الصورة في الصالة.
وبصت لها.
قالت:
— دي أحلى هدية.
طارق ابتسم:
— كل سنة وإنتي طيبة.
ندى بصت له:
— وإنت طيب.
وبعدين ضحكت:
— بس متفكرش إنك كده خلصت.
طارق ضحك:
— عارف.
— عشان لسه عندي شروط.
— قولي.
ندى رفعت صباعها:
— أول حاجة، مفيش سكوت على الغلط.
— موافق.
— تاني حاجة، مفيش حد يدخل بيتنا من غير استئذان.
— موافق.
ندى سكتت لحظة.
— تالت حاجة…
وبعدين قالت:
— أمي عمرها ما تتجاب سيرتها إلا بالخير.
طارق قال:
— دي مش شرط.
ندى بصت له:
— أمال؟
طارق ابتسم:
— ده وعد.
ندى ابتسمت.
ومرت الأيام.
وفي يوم، ندى كانت راجعة من شغلها.
دخلت البيت.
بصت للصورة.
وقفت قدامها.
وقالت:
— وحشتيني يا أمي.
وبعدين ضحكت:
— بس متقلقيش.
مسحت دمعة.
— بنتك عرفت أخيرًا تحط كل واحد في مكانه.
قعدت.
فتحت اللابتوب.
كان عندها مشروع جديد.
ومستقبل جديد.
وحياة جديدة.
وفي اللحظة دي، موبايلها رن.
رقم مجهول.
ردت:
— ألو؟
جالها صوت بنت صغيرة:
— مدام ندى؟
— أيوه.
— أنا بنت مدحت.
ندى سكتت.
— في حاجة حصلت.
— إيه؟
البنت قالت:
— بابا قبل ما يرحل، سابلي ظرف وقاللي أديهولك.
ندى قلبها دق:
— ظرف؟
— أيوه.
— مكتوب عليه إيه؟
البنت سكتت لحظة:
— مكتوب عليه اسمك.
ندى قامت:
— إنتي فين؟
— تحت بيتك.
ندى فتحت الشباك.
بصت لتحت.
شافت بنت واقفة ماسكة ظرف.
نزلت بسرعة.
أخدت الظرف وطلعت.
قعدت قدام الترابيزة.
فتحته.
جواه صورة قديمة.
ندى بصت لها.
كانت صورة أبوها.
لكن وراه شخص تاني.
ندى قربت الصورة.
اتصدمت.
الشخص اللي واقف جنب أبوها كان طارق.
ندى فضلت تحدق في الصورة.
التاريخ المكتوب وراها كان قبل جوازها بسنين.
وقبل ما تعرف طارق أصلًا.
قلبت الصورة.
كان فيه سطر بخط مدحت:
“لو ندى عرفت الحقيقة عن فوزية، لازم تعرف الحقيقة التانية.”
ندى شهقت.
قلبت الورقة.
السطر اللي بعده كان:
“طارق كان يعرف أبوها.”
ندى حسّت إن إيديها بتترعش.
وفي اللحظة دي…
الباب اتفتح.
طارق دخل:
— ندى؟
رفعت عينيها له.
الظرف في إيدها.
قال:
— مالك؟
ندى ما ردتش.
مدت الصورة قدامه.
وشه اتغير.
— إنتي لقيتيها؟
ندى قامت:
— إيه اللي بينك وبين أبويا يا طارق؟
طارق سكت.
ندى قربت منه:
— كنت تعرفه قبل ما أعرفك؟
طارق قال:
— ندى، اسمعيني.
— لأ.
دموعها نزلت.
— المرة دي أنا اللي هسألك.
سكت.
— وإنت اللي هتجاوب.
طارق بص للصورة.
وبعدين قال:
— أبوكي كان السبب إني قابلت أمي.
ندى اتجمدت:
— إيه؟
طارق قال:
— وفي حاجة عمرك ما عرفتيها.
ندى همست:
— إيه؟
طارق رفع عينه.
— أنا مش ابن عادل.
ندى ما فهمتش:
— يعني إيه؟
طارق قال:
— عادل كان…
وسكت.
ندى قالت:
— كان إيه؟
طارق قال:
— كان أبويا الحقيقي.
الصمت نزل بينهم.
ندى بصت له.
— يعني…
طارق قال:
— أمي أخدتني وأنا صغير.
— أخدتك من مين؟
طارق نزلت.
— من أمك.
ندى حسّت إن الأرض من تحتها.
— أمي؟
طارق هز رأسه.
— أمي كانت عارفة إن في سر كبير عن أصلي، وأبوك كان جزء من الحكاية.
ندى سكتت.
طارق قال:
— وكل السنين دي، فوزية كانت بتحاول تمنع الحقيقة من الظهور.
ندى حطت إيدها على قلبها.
يعني كل اللي حصل…
الجوازة.
الصدفة.
فوزية.
أبوها.
أمها.
طارق.
كلهم بقوا جزء من حكاية واحدة.
حكاية بدأت قبل ما ندى تولد.
لكن حاجة واحدة كانت لسه ناقصة تعرفها.
ليه فوزية أخفت الحقيقة كل السنين دي؟
وليه سمحت لابنها يتجوز ندى؟
طارق قرب منها.
قال:
— في سر تاني.
ندى رفعت عينيها:
— إيه؟
طارق قال:
— أمي مكنتش خايفة إنك تعرفي الحقيقة.
سكت.
— كانت خايفة إنك تعرفي مين أبوكي الحقيقي.
ندى قالت:
— مين؟
طارق بص لها.
— مدحت.
ندى شهقت.
الصمت ملأ المكان.
وفي اللحظة دي، فهمت ندى إن كل اللي حصل من أول رسالة عيد ميلادها…
مكانش إلا أول طبقة في حكاية أكبر.
حكاية فيها أمها.
وأبوها.
وفوزية.
ومدحت.
وطارق.
وحقيقة لو ظهرت للنور، ممكن تقلب كل حاجة مرة تانية.
لكن المرة دي…
مش جواز ندى بس اللي هيتغير.
دي عيلة كاملة هتكتشف إن الكلام عن الأصل اللي فضلوا يتفاخروا بيه سنين…
كان أكتر حاجة مستخبية عنهم.
وندى، وهي واقفة قدام طارق، ما كانتش عارفة إن السؤال اللي هتسأله بعد ثواني…
هيكون السؤال اللي هيكشف آخر سر.
قالت:
— طيب يا طارق…
بلعت ريقها.
— لو مدحت هو أبويا…
بصت له في عينه.
— يبقى إنت ابن مين؟
طارق ما ردش.
ولأول مرة…
ندى شافت الخوف الحقيقي في عينيه.
خوف كان أكبر من خوفه من أمه.
وأكبر من القضية.
وأكبر من كل الأسرار اللي انكشفت.
وفي اللحظة دي بالذات…
جرس الباب رن.
مرة.
واتنين.
وبعدين صوت ست عجوز من بره:
— ندى…
ندى قربت من الباب.
الصوت رجع:
— افتحي يا بنتي.
ندى اتجمدت.
لأن الصوت كان مألوفًا بشكل مخيف.
نفس النبرة.
نفس الطريقة اللي كانت أمها بتناديها بيها وهي صغيرة.
ندى بصت لطارق.
طارق وشه اتغير.
وقال بصوت متقطع:
— مستحيل…
الجرس رن تاني.
والصوت قال:
— أنا رجعتلك عشان أقولك الحقيقة بنفسي.
ندى دموعها نزلت.
إيدها قربت من مقبض الباب.
لكن قبل ما تفتحه…
طارق مسك إيدها.
وقال:
— متفتحيش.
ندى بصت له:
— ليه؟
طارق همس:
— لأن لو اللي ورا الباب هي فعلًا أمك…
سكت.
— يبقى إحنا كلنا عشنا حكاية أكبر مما تتخيلي.
ندى فضلت تبص لمقبض الباب.
والصوت من بره قال:
— ندى…
ثم سكت لحظة.
— أنا أمك.
ندى دموعها نزلت أكتر.
إيدها قربت من المقبض.
لفته ببطء…
وفتحت الباب.
وكانت المفاجأة اللي مستنياها بره…
أكبر من كل اللي حصل قبل كده.



