
حطت الورقة على المخدة، وباست شباك الأوضة اللي كان كل دنيتها، ونزلت في الفجرية والشوارع لسه ضلمة.
الساعة 9 الصبح. بوابة فيلا الصرفي الحديد الضخمة اتفتحت. هند واقفة قدامها، ماسكة شنطتها القماش في إيدها زي طوق نجاة. قلبها بيدق من الرهبة. ركبت تلات مواصلات وتاهت مرتين، بس وصلت. الجنينة واسعة ومنظمة، وفيها نافورة في النص. الفيلا نفسها تلات أدوار، وكلها إزاز ورخام. الأمن شاور لها: “أنتِ المربية الجديدة؟” هند هزت راسها بسرعة: “أيوه.”
“اتفضلي، الحاجة مستنياكي جوه.”
مشيت على الممر الرخام. حست إن خطوتها بتعمل صدى. الباب الخشب الضخم اتفتح. الحاجة صفية واقفة. ست في أوائل الستينات، لبسها بسيط بس شيك، حجابها مظبوط، ووشها فيه هيبة وحزن. عينيها مسحت هند من فوق لتحت. من الشنطة القماش، للجزمة القديمة، للوش الشاحب بس عينيه واسعين وفيهم كسرة مفهومة. “أنتِ هند؟” “أيوه يا حاجة. حضرتك الحاجة صفية؟” “أيوه يا بنتي. ادخلي.” الريسبشن كان برد. برد فلوس وفلل، وبرد حزن.
صفية ماضيعتش وقت: “بصي يا هند. أنا هكلمك بالبلدي. الشغلانة دي مش دلع. البنت اللي هتقعدي معاها بقالها 6 شهور ما نطقتش. شافت أمها بتموت قدام عينها. وأبوها… أبوها عايش ميت.” هند بلعت ريقها. الكلام تقيل. “وأنا… أنا هحاول يا حاجة. أنا دارسة ده، وفاهمة يعني إيه طفل موجوع.” صفية بصت في عينيها كتير. شافت فيهم حاجة طمنتها. حاجة شبه اليتم اللي في عيون حفيدتها. “طيب. تعالي.” مشيت قداها في ممر طويل لحد ما وقفت قدام باب أوضة موف. فتحته بالراحة.
چودي كانت هناك، في نفس الركن، بنفس الدبدوب المقطوع، وبترسم نفس الشخابيط السوداء. رفعت وشها ثانية لما الباب اتفتح. عينيها العسلية بصت لهند. كانت عيون واحدة عندها 60 سنة مش 5 سنين. وبعدين رجعت تبص للورقة تاني كأن مفيش حد دخل. صفية وشوشت لهند: “هي دي چودي. بقالنا 6 شهور بنحاول نسمع صوتها. الدكاترة قالوا مفتاحها في الأمان.” هند قلبها وجعها. سابت شنطتها على الأرض بالراحة، ومسحت إيديها في عبايتها. قربت خطوتين ونزلت على ركبها، عشان تبقى في نفس مستوى البنت.
مبصتش لچودي مباشرة عشان متخوفهاش. بصت للدبدوب المقطوع اللي في حضنها. وقالت بصوت هادي، دافي، كأنها بتكلم نفسها: “يااه… الدبدوب ده شكله كان بيحارب. بطنه مفتوحة وزعلان.” سكتت ثانية، وسحبت إبرة وخيط من جيبها، كانت شايلاهم بالعادة. “تفتكري لو خيطناه سوا، بطنه هتخف والوجع يروح؟” القلم الأسود اللي في إيد چودي وقف. الخط الأسود اللي كانت بترسمه وقف في نص الورقة. ولأول مرة من يوم الحادثة، چودي رفعت راسها، وبصت لهند. بصت في عينيها بجد. مش بصة عابرة. بصة واحدة تايهة لقت حد ممكن يفهم.
يتبع…
الفصل الثاني: أول ضوء
عدى أسبوع على دخول هند الفيلا. أسبوع كامل چودي مقالتش فيه حرف، بس هند برضه مقالتش كلمة “اتكلمي”. كانت بتصحى الفجر، تصلي، وتدخل أوضة چودي بشويش. تلاقيها صاحية، قاعدة في ركنها، حضنها الدبدوب اللي لسه بطنه مفتوحة.
هند متجريش عليها. تفرش سجادة صلاة صغيرة جنبها، وتطلع ورقة وألوان. “أنا هارسم وردة النهاردة.” وتقعد ترسم. وردة حمرا، شمس صفرا، بيت صغير ليه شباكين. كل يوم نفس الروتين. مفيش “يالا ارسمي”، مفيش “قولي ورايا”. بس صوت قلم هند على الورق، وصوتها الواطي وهي بتحكي:
“كان يا ما كان، كان فيه فراشة صغيرة جناحها اتكسر من الهوا الجامد. خافت تطير تاني. قعدت في ركن الوردة ومش عايزة تطلع. بس تعرفي؟ الوردة كل يوم كانت بتحكي لها حدوتة، لحد ما…” وتسكت. چودي ترفع عينيها ثانية، وبعدين ترجع تشخبط بالأسود.
في اليوم التامن، هند دخلت لقت چودي ماسكة ورقة فاضية. أول مرة متبقاش شخبطة. هند ابتسمت من جواها، بس وشها فضل هادي. قعدت جنبها وطلعت كيس صغير كانت شايلاه في جيب عبايتها من يوم ما سابت شبرا.
“كنت شايلة دول معايا. قلت يمكن نحتاجهم.” طلعت بذور صغيرة في إيدها. “دي بذور ورد بلدي. تحبي نزرعها سوا في الجنينة؟ نسقيها كل يوم، ونتفرج عليها وهي بتكبر.” چودي بصت للبذور، وبعدين بصت لإيد هند. ممدتش إيدها، بس مهزتش راسها بالرفض. هند فهمت الإشارة. “خلاص، هزرعها أنا، وإنتي لو عايزة تتفرجي تعالي.” نزلت الجنينة وچودي وراها على بعد مترين. هند حفرت حفرة صغيرة بإيديها، حطت البذور، وغطتها. “شايفة؟ دلوقتي هنسقيها. المية دي زي الحنية. لو كترت تخنق، ولو قلت تموت.”
چودي كانت واقفة بعيد، حاضنة الدبدوب، وعينيها على إيدين هند اللي فيها طين. بالليل، هند كانت بتخيط زرار لعباية صفية. چودي دخلت الأوضة بشويش، وقفت ثواني، وبعدين مدت إيدها. الدبدوب المقطوع. حطته في حجر هند، وشاورت على بطنه المفتوحة، وبصت لها. هند قلبها وقع. الدكتور كان قايل لصفية: “أول ما تتفاعل حتى بإشارة، يبقى ابتدينا نكسبها”. مسكت الدبدوب وقالت بصوت مبحوح: “عايزاني أعالجه؟” چودي هزت راسها هزة صغيرة. أول تفاعل مباشر من 6 شهور.
هند حضنت الدبدوب: “حاضر يا چودي. هخيطه قدامك حالاً.” طلعت الإبرة والخيط، وبدأت تلم الجرح القماش غرزة غرزة. چودي قعدت قدامها مربعة، وعينيها متابعاها كأنها بتعمل عملية جراحية. لما خلصت، هند نفخت في بطن الدبدوب وابتسمت: “خف. بقى كويس. مش هيوجعه تاني.” مدت الدبدوب لچودي. چودي خدته، ضمته، ولأول مرة دفنت وشها في فروته. الليلة دي چودي نامت وهي حضناه، وبطنه مقفولة.
ماهر كان واقف فوق، في نهاية السلم، بيتفرج. بقاله أسبوع بيسمع صوت واطي جاي من أوضة بنته. مش صوت عياط. صوت حدوتة.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



