
فتح الدولاب اللي فوق الحوض وقال: — “تشربي حاجة؟” عيني راحت تلقائيًا على المصفاة جنب الحوض، وكان موجود هناك… المج الفضي، نفس المج اللي مكتوب عنه في الورقة.
قلت بسرعة: — “لأ.” بصلي أحمد: — “تعبانة تاني؟”
اتجمدت… أنا ما قلتلوش إن عندي تعب. رفعت إيدي ناحية راسي من غير ما أحس. ابتسم ابتسامته الهادية: — “بقالك فترة بتنسي كتير وبتتعبي.” قلت: — “بجد؟” قال: — “أيوه، كان عندك نفس التعب الخميس.”
الخميس… افتكرت. رجعت من الشغل تعبانة، أحمد عمللي حاجة أشربها، وبعدها… حاولت أفتكر، مفيش. آخر حاجة فاكرها إني كنت بشرب، وبعدين صحيت صباح الجمعة على الكنبة وعليّا بطانية. وأحمد وقتها قاللي إني نمت وأنا بتفرج على العرض، وصدقته.
سألني: — “ليلى فين؟” — “فوق.” — “كل حاجة تمام؟”
طلعت أول ورقة من إيدي وحطيتها قدامه على رخامة المطبخ. عينيه نزلت عليها، ولمدة نص ثانية بس… شفت حاجة غريبة عدت على وشه، وبعدين اختفت. قال: — “إيه ده؟” قلت: — “إنت قوللي.”
فتح الورقة وقرأ: “لو بابا عمل لماما حاجة في المج الفضي، وقّعيه.” أحمد أخد نفس طويل، لكن الغريب إنه ما اتفاجئش، ما سألش مين كتبها، بس تنهد وقال: — “أمي.”
سألته: — “إنت كنت عارف؟” — “عارف إنها بتملى دماغ ليلى بكلام فارغ.”
حطيت باقي الورق قدامه: — “أمك كانت مخبية رسائل وورق في شعر بنتنا.” نظراته بقت حادة فجأة: — “رسائل إيه؟”
طلعت الورقة الصغيرة من جيبي، مد إيده ياخدها، رجعت إيدي: — “ليلى جابت ده منين؟” قال فورًا: — “غالبًا من أمي.”
وفي اللحظة دي قررت أختبره، فقلت: — “ليلى قالت إنها خدته من مكتبك.” فضل باصصلي، وبعدين ضحك ضحكة قصيرة: — “منى… أنا أصلًا ماعنديش مكتب.” — “عندك درج في أوضة المكتب الصغيرة.” — “تقصدي الدرج اللي بنحط فيه ورق الضرايب؟”
بصيت في عينيه: — “هو ده المكان اللي مخبي فيه الورق؟” وشه اتغير تغيير صغير جدًا، لكن المرة دي… أنا شوفته. بعد عن الرخامة وقال: — “أمي تعبانة.” — “يعني إيه؟” — “عندها شكوك وأوهام من سنين.” — “بس كل يوم أحد بتبقى طبيعية جدًا.” — “لأنك ما تعرفيهاش زيي.”
مد إيده يجمع الورق، حطيت إيدي فوقه: — “سيبه.” قال: — “المفروض نرمي الكلام ده قبل ما ليلى تشوفه تاني.” — “ليلى هي اللي دخلت بيه البيت، وده بالضبط قصدي. أمك بترعب بنتنا.”
رفعت عيني وبصيتله وقلت: — “وإنت كمان.” الصمت وقع بينا. صوته نزل درجة وقال: — “خدي بالك من كلامك.” لأول مرة… سمعت الجملة بشكل مختلف، ما كانتش نصيحة، كانت محاولة سيطرة.
أشار ناحية الورق: — “حطي الحاجة دي.” — “لأ.” — “إنتِ أصلًا ما تعرفيش ده إيه.” — “قوللي إنت.” — “أنا معرفش الحاجات دي.” — “طب ليه مش بتسأل ليلى أخدته منك ليه؟” قال فورًا: — “لأنها ماخدتوش مني.”
وقرب مني: — “منى… إنتِ بقالك فترة مرهقة، بتنسي حاجات وبتنسي كلام اتقال بينا.” جسمي برد وقلت: — “أنا بنسى؟” — “أيوه.” — “ولا إنت اللي كل شوية بتقوليلي إني بنسى؟”
فكه اتشد، وبعدين… ابتسم نفس الابتسامة الصبورة اللي كان بيبصلي بيها كل مرة، وقال: — “كلمي أمي.” سكت. — “اسأليها هي بتعمل إيه.” قلت: — “ده اللي هعمله.” قال: — “كويس، وبعدها يمكن أخيرًا نتفق إن ليلى ما تروحش عندها يوم الأحد تاني.”
كنت متوقعة يمنعني أكلمها، لكن إنه ما حاولش يمنعني… خوفني أكتر.
أخدت الورق وطلعت فوق، دخلت الحمام وقفلت الباب، وطلعت موبايلي واتصلت بحماتي نوال. ردت من أول رنة، ومن غير حتى ما تقول ألو، قالت: — “لقيتي الخرزة الزرقا؟”
اتجمدت وهمست: — “إنتِ حطيتي إيه في شعر بنتي؟” سألت بسرعة: — “أحمد في البيت؟” — “جاوبيني، أحمد في البيت ولا لأ؟” قلت: — “أيوه.”
سمعتها بتاخد نفس حاد وبعدين قالت: — “خدي ليلى واخرجي من البيت حالًا.” إيدي بدأت تترعش وقلت بعصبية: — “إنتِ استخدمتي بنتي عشان تبعتي رسائل!” قالت: — “أنا طلبت منها تجيبلي الورقة دي بس.” — “دي عندها 8 سنين! وقولتيلها تتأكد إني بخير وأنا نايمة!” ردت نوال: — “لأني شفتك بتنامي وإنتِ قاعدة بتاكلي.” قلت: — “أنا بتعب!”
قالت: — “فاكرة اليوم اللي أحمد جابلك فيه قهوة عندي؟” افتكرت… يوم أحد، أحمد خدني من الشغل ونوال أصرت ندخل نقعد شوية، وأحمد عمللي قهوة، شربت تقريبًا نص الفنجان، وبعدها صحيت بعد ساعتين على كنبة نوال، وأحمد قاللي وقتها إن شغل كتير وبتعب.
قالت نوال: — “كنت خايفة عليكِ.” — “ليه ما اتصلتيش بإسعاف؟” — “أحمد قال إنك كنتِ عند الدكتور بالفعل، وقال إنك بدأتي علاج جديد للتعب.”
غمضت عيني وقلت: — “أنا ما باخدش أي علاج.” ردت: — “عرفت بعدين.” سألتها: — “طب ليه ما قولتيليش؟” — “حاولت من 3 شهور في مطبخك.”
وفجأة الذكرى رجعتلي… نوال واقفة قدامي وتسألني: “منى… إنتِ حاسة إنك آمنة؟” وأحمد دخل علينا في نص الكلام وحط إيده حوالين وسطي، وبعد ما نوال مشيت، قعد يحكيلي إن أمه بتعمل مشاكل عشان تضايقه، وقتها أنا اللي طلبت من نوال تمشي.
قلت لها: — “كان لازم تحاولي تاني.” ردت: — “حاولت، أحمد هو اللي كان بيرد على موبايلك.” — “كنتي تيجي شغلي! تكلمي الشرطة! تعملي أي حاجة غير إنك تدخلي بنتي في الموضوع!”
صوتها اتهز: — “أنا رحت الشرطة، قالولي عندك دليل؟” بصيت للورقة في إيدي وقلت: — “وعشان كده خليتي بنتي تجيبها؟” قالت: — “كنت محتاجة دليل مثبت.”
ساعتها سمعت خطوات برا الحمام… أحمد. وطيت صوتي: — “أبوه له علاقة بإيه بكل ده؟” نوال سكتت لحظات ثم قالت: — “أبو أحمد كان بيعمل نفس التصرفات معايا، كان بيقول لكل الناس إني مش مستقرة نفسيًا، إني بنسى، ولما واجهته… بدأ يتهمني ويحاول يثبت إني مش مظبوطة.”
حسيت الحمام بيلف بيا وقلت: — “لأ.” قالت: — “وأحمد اتعلم منه.”
سمعت خبط هادي على باب الحمام: — “منى؟” (صوت أحمد) “بتكلمي مين؟” ما رديتش.
نوال همست: — “هو اتعلم إزاي يخلي الست تشك في عقلها وذاكرتها.” أحمد خبط تاني: — “افتحي الباب.”
همست: — “كلمتي الشرطة؟” قالت: — “هما جاين في السكة.” لكنها كملت: — “بس لسه ما وصلوش عندك.”
وفجأة… أحمد ضرب الباب ضربة عنيفة، الخشب فرقع. صرخت: — “ليلى!”
ضرب الباب مرة تانية، القفل بدأ يطلع من مكانه. زقيت سلة الغسيل ناحية الباب، وسمعت صوته، والمرعب إنه كان لسه هادي: — “منى… إنتِ عندك تعب تاني.”
التعب… الكلمة ضربتني. ده كان الاسم اللي بيطلقه على الأيام اللي ما كنتش بفتكرها، الصبح اللي كنت بصحى فيه ألاقي نفسي تعبانة وأفترض إني مجهدة، الخناقات اللي كانت بتنتهي بأحمد وهو بيقولي: “اسمعي نفسك كنتِ بتتكلمي إزاي.”
الباب اتفتح بالعافية، دخل أحمد، لكن وراه كانت ليلى واقفة في الطرقة بتعيط وقالت: — “بابا… خلاص.” لف لها ولأول مرة القناع وقع، قال بعصبية: — “ادخلي أوضتك!”
ليلى اتنفضت، وفجأة مدت إيدها في جيب البيجامة وطلعت ورقة متنية. أحمد اتجمد: — “إيه ده؟” ليلى رجعت لورا وقالت: — “تيتا قالت ما أديهاش لماما إلا لو حاولت تدخل عليها.”
أحمد اندفع ناحيتها، فجريت وزقيته بعيد عنها ودخلنا أوضتها وقفلت الباب وزقينا الكومودينو قدامه. الغريب إن أحمد ما حاولش يدخل ورانا.
لما الشرطة وصلت… كان قاعد على ترابيزة المطبخ هادي ومستنيهم، وقال لهم بمنتهى الثبات إن مراته عندها أزمة نفسية. لكن ليلى مدت الورقة الأخيرة للضابطة، كان جواها رقم تليفون وتحته كلمات كتبتها نوال: “اسألوا عن الأوراق والمستندات المخبيين.”
الرقم كان تابع لمخزن خاص مأجراه نوال، ولما الشرطة فتحته، لقوا أوراق وملفات قديمة بتثبت إن فيه مشاكل وحضايا سابقة. والدليل الأكبر كان المستندات اللي لقوها في مكتب أحمد وعلى الموبايل، مسجل محادثات ومحاولات عشان يثبت إني غير مستقرة عشان يرفع قضية حضانة وياخد البيت والبنت.
اتقبض على أحمد في نفس الليلة، والقضية مشيت في المحكمة.
تاني يوم بعد القبض عليه، نوال اعتذرتلي. كنا قاعدين في مطبخها وليلى قاعدة على السفرة بتلوّن. قالت نوال: — “ماكانش المفروض أدخلها في الموضوع.” قلت: — “لأ… ماكانش المفروض.” — “افتكرت إن الضفاير هتخلي الرسائل مستخبية، وكنت خايفة لو واجهتك مباشرة أحمد يدمر كل الأدلة.” قلت: — “يمكن كان هيعمل كده.”
بصت ناحية ليلى وقالت: — “بس ده برضه مش معناه إن اللي عملته كان صح.”
قلت لها: — “إنتِ خليتي بنت عندها 8 سنين مسؤولة عن إنقاذ أمها.” بدأت نوال تعيط، وليلى قامت من مكانها وحطت قلم تلوين بنفسجي جنب إيد جدتها ورجعت مكانها… تصرف صغير كان مجرد طيبة طفلة.
الأسبوع اللي بعده بدأنا علاج نفسي للأسرة لتجاوز الصدمة. ليلى لسه بتزور نوال، بس أنا بروح معاها. وفي يوم ليلى جابت علبة الشرايط وقالت: — “تيتا… ممكن تعمليلي ضفاير؟”
نوال بصتلي الأول واستنت، وأنا هزيت راسي بالموافقة. بدأت تعمل لها الضفاير ولما خلصت، ليلى بصت في المراية وسألت: — “فيه حاجة سرية جواها؟” نوال قالت: — “لأ.”
ليلى رفعت إيديها وعدت صوابعها وسط كل ضفيرة بنفسها، وبعدين بصتلي: — “ماما؟” قربت منها وفحصت شعرها وابتسمت: — “مفيش حاجة مستخبية.”
لكن دلوقتي فهمت ليه اختارت الضفاير… الضفيرة بتسيب أثر، كل خصلة بتعدي فوق خصلة، ولما تيجي في الآخر وتفك الضفيرة خصلة خصلة، مهما كان السر مستخبي، لازم في النهاية تشوف إيه اللي كان جواها.



