
تعلثم مازن واحمَرّ وجهه خجلاً وغيظاً، وصرخ في نجلاء:
“أنتِ كدابة! أنتِ بتعملي كدة عشان تذليني وتفضحينا قدام الناس! يا عاصم اتكلم! ساكت ليها ليه؟ شايف مراتك بتعمل إيه في أخوك؟”
هنا، ووسط هذا الموقف المخزي، حدث شيء لم تتوقعه نجلاء ولا مازن.
تقدم عاصم بخطوة ثابتة، ووقف في المنتصف بين أخيه وزوجته. خفتت نبرة العجز من صوته، وحلت محلها قوة رجل أدرك أخيرًا أن كرامته وبيته يُستباحان جهاراً نهاراً.
نظر عاصم في عين مازن وقال بصوت هادئ لكنه :
“نجلاء مش كدابة يا مازن.. أنت اللي كداب وأنا اللي سكت لك كتير. أنت جاي هنا فاكر إنك بتلوي دراعي وتستغل ضيوفي عشان تحرجنا؟ دي ملك مراتي وشقاها، وهي حر تصرف فيها. عليك بحسنى وزقيت أمك ترفضه بالخراب، ودلوقتي جاي تتضايف وتتباكى؟ اتفضل خذ ضيوفك واخرج برة بيتي، وما تعتبش دي تاني إلا لما تتعلم الأصول لمراتي عن كل كلمة قلتها أنت وأمك!”
ذهل مازن من رد فعل أخيه، وصدم والد الخطيبة الذي أخذ ابنته من يدها وخرج وهو يتمتم بكلمات الغضب والسيطرة، وتبعهما مازن وهو يسب ويهدد مرتفع في السلم.
أُغلق الباب. خيم السكون على .
التفتت نجلاء إلى عاصم، وكانت عيناها تتألقان بنظرة جديدة تماماً؛ نظرة لم تكن موجودة طوال أشهر الأزمة. كانت نظرة تقدير واحتزام حقيقي للرجل الذي اختار أخيراً أن يكون حائط الصد الأول لبيته، ودون أن تنتظر منه إثباتات أخرى.
سار عاصم نحو الكنبة وسقط عليها بتعب، لكن ملامحه كانت شجاعة ومستقرة. اقتربت نجلاء منه وجلست بجواره، وأمسكت بيده بقوة وقالت:
“النهارده بس يا عاصم.. أنا حسيت إن لي راجل يحميني ويحمي البيت ده من أي عاصفة. أنت كبرت في نظري أكتر من أي وقت فات.”
تنفس عاصم بعمق وقال:
“أنا خسرت أمي وأخويا يا نجلاء؟”
ردت نجلاء بثبات ودعم:
“أنت ما خسرتهمش يا عاصم.. أنت ربيتهم على الأصول. أمك وأخوك كانوا فاكرينك ملطشة، ولما يعرفوا إنك بقيت راجل ليك كلمة ومبتسمحش بحد يركبك أو يهين بيتك، هما اللي هيرجعوا يدوروا عليك ويستسمحوك، بس المرة دي بشروطك أنت.. بشروط احترام بيتك ومراتك.
لكن القصة لم تنتهِ هنا. ففي المساء ذاته، ورد اتصال هاتفي غير متوقع على تليفون عاصم. كان المتصل هذه المرة ليس مازن ولا أمه، بل عمه الأكبر “الحج رزق”، كبر العائلة المقيم في الصعيد، والذي كانت أمه تخشى كلمته وتحسب لها ألف حساب!
قال العم رزق بصوت رخيم وصارم عبر الهاتف:
“يا عاصم يا ابني.. الكلام اللي وصلني من القاهرة ده ما يسكتش عليه. أمك ومازن وعمك متولي خربوا الدنيا وعاملين زيطة في العيلة، وأنا مسافر للقاهرة بكرة الصبح مخصوص، وجايب معايا كبار العيلة عشان نلم المولد ده ونحط نقط على الحروف.. قل لمراتك نجلاء تجهز حالها، القعدة بكرة في بيتك أنت، والكل هيسمع والكل هيخضع للحق !”
أغلق عاصم الخط ونظر إ
لى نجلاء، التي ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت:
“كويس.. كده اللعب هيتحول من الصبيانية للمواجهة الكبيرة.. وخلي كبار العيلة يجوا، الحق ما حد.”



