
رامي قرب منا وقال:
— منورة يا مدام هدى! حسام قالنا إنك كنتِ صبورة جداً معانا في المرحلة دي.
— وهو قالك برضه إنني وافقت نرهن الشقة ونطلب قرض بضمانها؟
رامي بص لحسام باستغراب:
— هو قال إنكم أنتوا الاتنين مأمنين على التمويل ده!
— مش بالظبط كده —حسام اتدخل بسرعة.
— طب قولهم أنت بالظبط أنا قلتلك إيه!
محدش نطق كلمة. واحدة مسؤولة عن القروض في البنك اسمها أستاذة فريدة قربت، فشرحت لها بنفسي إنني ما وافقتش على أي ديون جديدة على الشقة.
— من غير توقيعك وموافقتك الصريحة، مفيش أي أوراق هتمشي —قالت فريدة بصرامة.
حسام حط إيده على دماغه وهو متوتر:
— أنتوا بتحاولوا تبينوني قدام الناس كأني سرقت فلوس!
— أنا ما قلتش سرقت. أنا قلت إنك سحبت قريب من مليون وستمية ألف جنيه من تحويشة عمرنا من غير ما تقولي رايحين فين!
رامي حط الكاس من إيده:
— المبلغ ده طلع من حسابكم المشترك يا حسام؟!
— الفلوس متشغلة! ما اختفتش!
— ودلوقتي عايز تسحب أكتر بضمان البيت؟ —رديت عليه.
— أنا بحاول أؤمن مستقبلنا وأكبر قرشنا!
بصلته وصدقته.. ودي كانت أكتر حاجة بتوجع: حسام كان بجد فاكر إن نيته الكويسة تدي له الحق يلغي وجودي وموافقني.
— ما ينفعش تبني مستقبلنا وأنت بتضيع حاضرنا من غير ما تسألني.
طلعت طبعة من الإيميل اللي كتب فيه لرامي إنني “ما بتدخلش”. رامي قرا الجملة وبص لحسام:
— أنت قلتلي إن هدى على علم بكل حاجة!
— دي أمور عائلية وتخصنا إحنا بس! —حسام زعق.
رامي رد عليه ببرود وهو بيدي له الورقة:
— ما بقتش أمور عائلية من اللحظة اللي دخلت فيها الشقة في المخاطرة دي.
حسام بصلي بغل وقال:
— كل ده عشان ما رضيتش أخلي أبوكي يبات عندنا ثلاث ليالٍ!
أبويا أخد خطوة لقدام وقال بكل هدوء:
— لما خسرت شغلك زمان يا حسام، أنا وقفت جنبك عشان أنت ابننا وعيلتنا.. ولما احتجتوا فلوس، اديتكم من غير ما أفكر عشان أنتوا عيلتي.. عمر المساعدة ما كانت بالنسبة لي كارت بأشتر بيه أوضة يبات فيها راجل كبير.
حسام نزل عينه في الأرض:
— طب وليه بتفكرني باللي فات دلوقتي؟
— عشان العيلة مش بالدفاتر والحسابات يا حسام.. العيلة إنك تلاقي اللي يسندك لما تقع.
صفقة البنك اتوقفت تماماً الليلة دي. أنا ما هديتش بيتي ولا بوظت المشـروع.. أنا بس بطلت أُمثل إنني موافقة على مهزلة.
بعد ليلة الشيخ زايد، الصفقة طارت، والجو بيننا بقى زي حيطة سد. حسام ما رجعش الشقة يوميها، راح قعد عند رامي، والرسائل اللي كانت بتجيلي منه اتغيرت من نبرة التهديد لغضب أعمى وشتيمة مكتومة.
تاني يوم الصبح، تليفوني رن وكان رامي هو اللي بيكلمني.
— مدام هدى، أنا بتصل عشان أعتذر لك.. أنا ما كنتش أعرف إن الفلوس اللي دخلت المشروع دي طالعة من وراكي، ولا كنت أعرف موضوع رهن الشقة.. أنا فسخت الشركة مع حسام ورجعت له المبلغ اللي كان محوله على دفعات، هو موجود على حساب الشركة وتقدري تسترديه.
قعدت على الكرسي وأنا حاسة بتقل انشال من على صدري.
ساعتها بصيت لأبويا اللي كان قاعد بيقرا الجرنان في بلكونة شقة شبرا، بيشرب الشاي في هدوء كأن مفيش أي عاصفة برة.
— هتطلبي الطلاق يا هدى؟ —سألني من غير ما يرفع عينه من الجرنان.
— مش عارفة يا بابا.. خايفة على سارة وأخوها، خايفة من كلام الناس بعد ٢٧ سنة.
أبويا حط الجرنان على الركبة وبصلي بعيون فيها كل حنية الدنيا:
— اللي يبيعك في كلمة ويحسسك إنك ملهاش قيمة قدام الغريب، ما بيحسبلكيش حساب في البيت يا بنتي.. أنا عشت عمري كله مش عايز أشيلك هم، بس مش هسمحلك تعيشي باقي عمرك كأنك ملهاش رأي.. القرارات الكبيرة في الحياة مش بالخوف، بالكرامة.
بعد أسبوع، حسام جه شقة شبرا. كان باين عليه التعب، عينيه جاحظة ووشه دبلان. لأول مرة من سنين أشوفه مكسور ومش قادر يرفع عينه في عيني.
دخل القعدة وقعد قصاد أبويا.
— أنا آسف يا عم إسماعيل.. أنا ضغط الشغل والفلوس كان عامي عيني.
أبويا رد عليه بوقار:
— الأسف مش ليا يا حسام.. الأسف للست اللي شالت معاك من أول الجواز، اللي سابتك تسوق المركب وهي فاكرة إنك رايح بيهم لبر الأمان، فلقيتك بترميهم في البحر عشان تكسب رهاناتك.
حسام بصلي وقال بنبرة ترجي:
— هدى.. نرجع البيت ونصلح كل حاجة.. الفلوس ورجعت، والبيت ما انرهنش، وأنا مستعد أكتبلك كل حاجة باسمك.
بصلته وهزيت راسي بالنفي:
— الفلوس ورجعت يا حسام، بس الثقة ما بترجعش بالشيكات.. أنت ما غلطتش في حسابات بنك، أنت غلطت في إنسانيتك لما رفضت تقوي راجل ٧٨ سنة في بيتك ثلاث ليالٍ، واستخصرت فيه الأمان اللي هو كان سبب فيه اصلاً يوم ما سندك زمان.. وعاملتني كأني عروسة خشب ما بتفهمش وما بتمشيش كلمتها.
رفع قض..ية الطلاق والخلع مش معناه هدم للبيت، ساعات بيكون إعلان إن البيت ده كان مهدوم اصلاً بس إحنا كنا دهنينه من برة!
رجعت لبيتي مع أبويا، وسارة وإسلام ولادي مع الوقت فهموا الحقيقة كلها لما شافوا الأوراق، وعرفوا إن أمهم ما هديتش العيلة، دي حماتها من الانهيار الكامل. حسام أخد نصيبه في الفلوس بعد ما اتصفى كل حاجة بالورق والقانون عن طريق نيرة المحامية، وكل واحد راح لحاله.
دلوقتي، وأنا قاعد في البلكونة وبشرب الشاي مع أبويا وهو بيسمع الراديو بصوت عالي الصبح، وبضحك من قلبي من غير ما أكون خايفة من بكرة ولا شايلة هم سر مستخبي في الخزنة.. عرفت إن الثلاث ليالٍ بتوع أبويا ما كانوش أزمة، دول كانوا طوق نجاة ربنا بعتهولي عشان ألحق نفسي قبل ما أضيع كلياً.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



