
أبويا عنده 78 سنة، وطلب ينام عندنا في البيت ثلاث ليالٍ بس، وجوزي رفض وقال لأ.. ولما جيت تاني يوم عشان أجيب هدوم، اكتشفت السبب الحقيقي اللي خلاه متلهف قوي وياخد عقود الشقة دي! الليلة اللي رفض فيها جوزي يسيب أبويا الـ 78 سنة يبات عندنا، ما صرخش ولا عمل مشكلة، بس قال بكل برود:
— يروح يشوفله أي فندق، هنا لأ.
أبويا كان على التليفون وسمع كل كلمة. بصلت لحسام من الناحية التانية في المطبخ وقلتله:
— بيته ماسورته مكسورة والمية مقطوعة!
— مش مشكلتنا.
أبويا، حاج إسماعيل، عمره ما طلب حاجة من حد. لما ولادنا كانوا صغيرين كان بيجيبهم من المدرسة لو اتأخرت. ولما حسام ساب شغله من كام سنة، أبويا هو اللي شالنا وساعدنا في قسط الشقة، وعمره ما حسسنا إنه بيدينا دين.
دلوقتي كان كل اللي محتاجه مجرد سرير!
— عندنا أوضة ضيوف فضية!
— وأنا بشتغل من البيت! أبوكي بيصحى بدري ويشغل الراديو بصوت عالٍ، والتصليحات دي عمرها ما بتخلص في ثلاث أيام.
— ده راجل عنده 78 سنة!
— الفنادق كتير.
رجعت للتليفون وقلت:
— يا بابا، أنا جاية أخدك.
— بلاش مشاكل يا بنتي، أنا هأتصرف.
— والله ما هتروح لوكالة ولا فندق!
حسام بصلي بقرف وقال:
— خلاص، اتصرفي أنتِ.
وده اللي عملته. أمي الله يرحمها كانت سايبالي شقة صغيرة في شبرا، عمرها ما جيت جنبها ولا رضيت أبيعها. نزلت أخدت أبويا ووديته هناك.
لما وصلت عنده، لقيته قاعد على كرسي خشب جنب شنطة صغيرة وكيس فيه أدوية، ولابس قميص مكوي ومترتب، كأنه بيحاول يبان ضيف خفيف وما يبقاش حمل على حد. أول ما شافني قال:
— لو حسام متضايق يا بنتي، أنا ممكن أأجر في أي مكان قَرِيب.
الكلمة دي وجعتني أكتر من الخناقة نفسها. أبويا مش بيطلب حاجة كبيرة، ده كان بيستأذن يضيق على نفسه عشان ما يضايقش حد ثلاث أيام! افتكرت وقتها كم مرة فتح بيته لينا من غير ما يسأل هنقعد قد إيه.
رجعت البيت ألم شوية هدوم، وفتحت الخزنة اللي بنشيل فيها العقود وورق الشقة وحسابات البنك. طلعت الفايل التقيل، ولقيت حسام واقف على باب الأوضة:
— واخدة الورق ده ليه؟
— راجعة أراجع شوية ورق.
— سيبيه، محتاجه بكرة ضروري.
— ليه؟
— مشوار في البنك.
مد إيده وقال:
— هاتي الفايل ده.
ما رضيتش أدهوله. ما شفتش في وشه أي كسوف أو ذنب، شفت بس استعجال. حطيت الفايل في شنطتي ورجعت لأبويا.
صحيت تاني يوم لقيت 27 مكالمة فائتة و9 رسائل منه. ولا واحدة فيهم بتسأل أبويا عامل إيه! آخر رسالة كانت: “محتاج العقود ضروري عشان أقدم على قروض بضمان الشقة”.
قبلها بشهور، حسام كان بيكلمني عن “تشغيل الفلوس صح”، بس عمره ما جاب سيرة إنه يرهن البيت!
كتبتله: “عايز القرض ليه؟”
رد: “مشروع جديد، لما ترجعي نتكلم.”
أبويا حط كوباية الشاي وقال لي:
— في حاجة يا بنتي؟
— مش عارفة يا بابا.
— طب افهمي الأول وبعدين قرري.
في نفس اليوم كلمت نيرة، محامية صحبيتي كانت مرشحاها لي. قعدت معايا وراجعت العقود وكشوفات الحسابات المشتركة.
— الشقة باسمكم أنتوا الاتنين —شرحت لي—. وما ينفعش يتصرف من دماغه في حاجة بالحجم ده من غير موافقتك.
بعدين شاورت على تحويل بنكي وقالت:
— تعرفي التحويل ده؟
هزيت راسي بالنفي.
كان فيه تحويلات تانية كتير على مدار سنة كاملة. لما نيرة جمعت المبالغ، لقيتها داخلة في مليون وستمية ألف جنيه!
اتثمرت في مكاني.
الفلوس كلها كانت رايحة لشركة اسمها “بادل أرينا” في التجمع: ملاعب بادل، وكافيهات، واشتراكات VIP، وسبونسر لإيفنتات. المشروع بتاع واحد صاحبه اسمه رامي.
في الأول ضحكت من الصدمة:
— حط كل ده في ملاعب بادل وكافيهات؟!
بعد خمس ثواني الضحك اختفى تماماً.
الموضوع ما كانش اندفاع.. حسام كان بيمشي الفلوس على مبالغ صغيرة عشان ما أخدش بالي.
وفي إيميل كان باعتها لرامي، لقيت جملة كتبها بالحرف:
“هدى ما بتتدخلش في الحاجات دي، وواثقة في قراراتي.”
قريتها ثلاث مرات.
أنا اللي كنت بشيل الضرائب، والفواتير، ومصاريف المدارس، والتصليحات، وكل حاجة في البيت طول سنين جوازنا.. بس قدام شركائه، طلعني الست اللي “ما بتفهمش وما بتتدخلش”.
تليفوني رن.

