
مرت شهور، والبيت اللي كان شبه التربة بقى يدب فيه الحياة. يوسف مكنش بس بيتكلم، ده بقى يرجع لشقاوته القديمة، يزعق ويطلب أكلات معينة، وحتى لما كان يضايق من التمرين، بقى يعبر عن غضبه بصوت عالٍ بدل ما ينزوي في الظلمة.
وحنان.. حنان فضلت زي ما هي. ست جدعة، ملامحها هادية، وصارمة في شغلها. مكنتش بتمثل ولا بتتودد، بس كان عندها قدرة عجيبة إنها تخلي يوسف يعمل أصعب تمارين العلاج الطبيعي وهو متقبل الوجع. في يوم، كنت قاعد في أوضة المكتب براجع أوراق شغلي، وسمعت صوت ضحكة عالية طالعة من أوضة يوسف.
ضحكة مسمعتهاش من يوم حادثة أمه. سبت القلم من إيدي ومشيت بهدوء ناحية الأوضة، ووقفت عند الباب المفتوح حتة صغيرة. كانت حنان قاعدة على الأرض قدام الكرسي بتاعه، ومسكة كورة بلاستيك صغيرة، وبتخليه يحاول يرميها في سلة الغسيل.
كل ما يغلط، تضحك وتقول له: “أنت بتنشن على الجيران ولا إيه يا جو؟ ركز!” يوسف كان بيضحك من قلبه ويحاول تاني. في اللحظة دي، دخل دومينيك -عم حسنين- ووقف جنبي. بص للولد وابتسم، وبعدين وطى صوته وقال لي: “سيف بيه.. التحريات اللي حضرتك طلبتها عن حنان هانم وصلت.” أنا كنت وصيت على تحريات كاملة عنها من أول يوم، مش شكاً فيها على قد ما هو خوف مرضي من كل بني آدم يدخل البيت ده. أخدت منه الظرف المقفول ورجعت على مكتبي.
فتحت الأوراق وبدأت أقرأ: حنان عبد الله.. ٣٢ سنة. جوزها وابنها الصغير اتوفوا من سنتين في حادثة عربية على طريق الصعيد. بعد الحادثة دخلت في حالة اكتئاب وقعدت سنتين قاطعة التعامل مع الناس، لحد ما فلوسها خلصت واضطرت تنزل تشتغل عشان تسدد ديون المستشفى اللي كان فيها ابنها قبل ما يتوفى.
مسكت الورق وإيدي بتترعش. الست اللي قدرت تخرج ابني من الضلمة، كانت طالعة من ضلمة ألعن بكتير. الست اللي قالت لابني “العالم مش هيقف عشان حادثة حصلتلك”، كانت بتقول الكلام ده لنفسها قبل ما تقوله ليه. هي مكنتش بتدرب يوسف بس.. هي كانت بتعالج روحها هي كمان. قفلت الملف وحطيته في الدرج، وحسيت بإحساس غريب جوه احترام وإجلال للست دي مجمعتوش لأي حد قبل كده. بالليل، بعد ما يوسف نام، حنان كانت نازلة من على السلم ولابسة البالتو الكحلي بتاعها ومروحة. ناديت عليها: “حنان.”
وقفت وبصت لي: “نعم يا سيف بيه؟ يوسف نام وأخد دواه في ميعاده.” قربت منها، وطلعت مفتاح عربية جديدة ورخصتها باسمها وحطيتهم على الترابيزة جنبها. بصت للمفاتيح وبعدين بصت لي بحاجب مرفوع: “إيه ده؟” “دي عربية بسائق مخصص ليكي.. يوصلك ويرجعك كل يوم. المشوار من بيتك للساحل طويل وبياخد وقت، وأنتِ بتتعبيني مع يوسف طول النهار.” حنان بصلتي بجمود وقالت: “أنا باخد مرتي، والمواصلات مريحاني. شكراً يا سيف بيه، بس أنا مباخدش هدايا من حد.”
ابتسمت -وعرفت وقتها إن مفيش فايدة في ناشفية رأسها- وقلت لها: “دي مش هدية يا حنان.. ده أمر شغل. أنا محتاج الدادة بتاعة ابني تجيلي فايقة ومتركزة، مش مهدودة من السفر والمواصلات. وبعدين.. يوسف بيكره لما بتتأخري عليه خمس دقايق في المواصلات.” حنان بصت لي فترة طويلة، وكأنها بتقرأ اللي جوايا، وعرفِت إني عرفت قصتها من غير ما أنطق كلمة.
عينيها دمعت حتة صغيرة، بس مسحتها بسرعة وقالت بصوت واطي: “ربنا يخليك له يا سيف بيه.. ويخليه ليك.” أخدت المفاتيح ومشت. ومن اليوم ده، بقى بيتنا مش مجرد ملجأ مقفول بالكاميرات والحراس، بقى بيت بجد.
عرفت إن الحماية مش إني أمنع الخطر عن اللي بحبهم، لكن إني أزرع فيهم القوة اللي تخيلهم يقفوا على رجليهم مهما الدنيا كسرتهم.
#حكايات_شروق_خالد
عدت سنتين كامليين. سنتين والبيت ده بيتغير كل يوم عن اليوم اللي قبله. السكوت الثقيل اللي كان كاتم على نفس القصر اتستبدل بصوت يوسف وهو بيلعب، وبصوت حنان وهي بتزعقله عشان يكمل تمارين العلاج الطبيعي، وبصوتي أنا وأنا بضحك من قلبي.. حاجة مكنتش أفتكر إني هعملها تاني في حياتي. يوسف بقى عنده عشر سنين.




