روايات وقصص

ما خلف الكاميرات شروق خالد 2

بقى بيمشي بالكرسي المتحرك في كل شبر في الفيلا بكل ثقة، جسمه بقى قوي، ونظرة الانكسار اللي كانت في عينيه اختفت تماماً. وفي يوم، كنت قاعد في المكتب بشتغل، وحنان دخلت عليا. كانت ماسكة ملف في إيدها، وملامحها كان فيها جدية غريبة. “سيف بيه.. أنا محتاجة أتكلم معاك.”

حطيت القلم وبصلتها: “خير يا حنان؟ يوسف فيه حاجة؟” “يوسف زي الفل.. بس هو خلاص مابقاش محتاجني.” الجملة نزلت عليا زي المية الساقعة. كملت وهي بتبصلي بثبات: “يوسف دلوقتي بياخد باله من نفسه، بيتحرك بسهولة، بيتكلم ويطالب بحقه، وبيعمل تمارينه بانتظام. هو مش محتاج دادة مقيمة.. هو محتاج ينزل المدرسة، يخالط أطفال في سنه، ويعيش حياته طبيعي. ووجودي هنا أكتر من كده هيخليه يعتمد عليا ويوقف تطوره.”

سكتت لحظة، وبعدين أخدت نفس طويل وقالِت: “أنا قدمت له في مدرسة مجهزة لأصحاب الهمم، مدرسة محترمة جداً وقريبة من هنا، وقبلوا أوراقه. وده ملف المدرسة.” مسكت الملف وأنا إيدي بتترعش.. مش عشان المدرسة، لكن عشان فكرة إن حنان ماشية.

“وأنتِ يا حنان؟” سألتها بصوت واطي. ابتسمت ابتسامة هادية، أول مرة أشوفها ابتسامة كاملة وطالعة من قلبها: “أنا عملت شغلي هنا يا سيف بيه. يوسف بقى واقف على أرض صلبة، وأنا كمان.. بفضلك وبفضل الشغل هنا، قدرت أسدد ديوني كلها، وراجعة أفتح مركز صغير للعلاج الطبيعي للأطفال اللي ظروفهم صعبة.”

وقفت وجمعت كل قوتي. قربت منها ومديت إيدي: “أنا مش هقدر أوفيكي حقك يا حنان.. أنتِ مش بس أنقذتي يوسف، أنتِ أنقذتيني أنا كمان من الضلمة اللي كنت عايش فيها.” هزت رأسها بوقار وضغطت على إيدي: “ربنا يحفظكم لبعض.”

في اليوم اللي كانت ماشية فيه، يوسف مكنش بيعيط.. كان واقف بكريسيه جنب الباب، وباصصلها بفخر. قربت منه ووطت لمستواه: “افتكر كلامي يا جو.. الدنيا مش بيافطة، الدنيا للي بيعافر. لو في يوم حسيت إنك خايف، افتكر إنك أجدع بطل أنا شوفته في حياتي.”

يوسف حضنها بقوة وقالها: “مش هنسى يا أبلة حنان.. وهأجيلك المركز أساعدك بنفسي.” طلعت حنان من الباب الكبير، والمرة دي مكنتش لابسة البالتو الكحلي الدبلان.. كانت ماشية وراسهامرفوعة، وخطوتها ثابتة.

بصيت لـ يوسف، وبعدين بصيت على الشاشات اللي في غرفة التحكم فوق.. ولأول مرة من سنين، طفيت كل الكاميرات المخفية. مكنتش محتاج أراقب حد تاني. الخوف اللي كان حابسنا انتهى، والثقة اللي أخدتها حنان رجعتلي أملي في الدنيا.

مسكت إيد يوسف وخرجنا نعمل جولة في الجنينة تحت الشمس.. وإحنا عارفين إن اللي جاي، مهما كان صعب، هنقدر نعديه.
#حكايات_شروق_خالد
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى