
حكايات منى السيد أنا مطلعتش عيني طول الصيف عشان تيجي أمك في الآخر تلهف المحصول كله في شوالات على الجاهز!… الكلمة دي خرجت مني فجأة، بعد ما خلاص، صبري نفد وجبت آخري.
الحكاية بدأت من حتة أرض صغيرة ببيت ريفي قديم ورثته نهى عن ستها الله يرحمها في أطراف الشرقية. كان بيت قديم بتراس مكركب وجنينة مهجورة بقالها سنين. ستها اتوفت من تلات سنين وسابتلها الحتة دي في الوصية، ومن ساعتها والموضوع مركون في دماغ نهى، موجود وخلاص، والدنيا واخدة الواحد بدوامتها ومشاغلها.
لحد ما جه ربيع السنة دي وكل حاجة اتغيرت. في شهر أبريل، نهى قالت لما أنزل أبص على البيت والأ الأرض وأشوف الشتا عمل فيهم إيه. نزلت من العربية، لفت في الأرض، ومسكت الطين بإيديها. كانت طينة سمرا أصيلة، تقيلة ومريحة وشبعانة. الحواض كانت هايشة ومليانة حشائش، بس رسمة الأرض القديمة لسه واضحة. شجر الليمون والتين كان لسه شادد حيله، والنعناع والملوخية اللي كانت طالعة عشوائي سادة السكك لدرجة إنها مكنتش عارفة تعدي وسطهم.
وقفت نهى تبص على الأرض المهملة وقالت لنفسها لا، الحتة دي لازم تنضف وتترد فيها الروح من تاني.
نهى شغالة مصممة جرافيك في شركة إعلانات في المعادي، خمس أيام في الأسبوع وتمن ساعات قدام الشاشة، زنقة تسليمات وتعديلات عملاء مابتخلصش. الأرض دي كانت طوق نجاة، حاجة تعوضها عن خنقة المكتب؛ تشغل إيديها، تشم ريحة الطين، وتبعد عن الشاشات والضغط. ومكنتش متخيلة إن الموضوع هيسحبها بالشكل ده.
جوزها طارق شجعها في الأول، أو على الأقل، بالكلام حلو أوي، يلا بينا ننزل نروق عليها، وأنا معاكي في إجازة الجمعة خطوة بخطوة. بجد يا طارق؟ طبعاً يا بنتي! بطاطس وخيار وطماطم أورجانيك من أرضنا؟ ده مفيش أحسن من كده، أنا بموت في الحاجات دي.
نزلت نهى واشترت شتلات وبذور وشيكارتين سماد، وقعدت ترسم تقسيم الأحواض بالورقة والقلم. جه أول يوم جمعة في شهر مايو، ونهى نزلت لوحدها. طارق قالها يا ستي أنا مفركش وتعبان من شغل الأسبوع كله وعايز أريّح وأنام، هزت راسها وراحت من غيره.
الجمعة اللي بعدها مروحش برضه، طلعله مشوار ضروري مع واحد صاحبه. بعده كان الجو حر يقطع النفس، وبعده قالك الطريق مكسر، وبعدها الحجة المعتادة الجمعة الجاية بقى يا نهى هكون معاكي، تمام؟
وطبعاً، الجمعة الجاية دي مجتش أبداً.
نهى فضلت تروح لوحدها كل إجازة. الجمعة ده يوم مقدس، وأحياناً تاخد معاه نص السبت كمان. تصحى من الساعة سبعة الصبح، تملا الترمس قهوة، وتركب العربية؛ ساعة إلا ربع على الطريق الزراعي، وبعدين ربع ساعة في مدق تراب يكسر العضم. تشتغل لحد بعد الضهر، وأحياناً تكمل لحد العصر. تعزق، تسقي، تقلم الشجر، وتتربس وتكافح الآفات.
الأول، كانت ترجع بشوية خضار وورقيات جرجير وفجل ونعناع طازة، وبعدها خيار وطماطم بلدي مسكرة. طارق يستقبلها في الصالة، يبص على الكياس بفرحة ويقولها يا سيدي على الجمال! قطعي لنا شوية جنب الغدا ونزلي جبنة قريش.
ياكل ويمدح في حلاوة الخضار البلدي، بس عمره ما جاب سيرة الأرض ولا فكر يعرض إنه يروح يساعدها.
الحاجة عفاف، أم طارق، ست عندها حاجة وستين سنة كده بس ماشاء الله صحتها بمبي وليها كلمة ونظر في كل حاجة في الدنيا، كانت عارفة بموضوع الأرض. نهى فتحت معاها الموضوع أكتر من مرة في الدردشة، وإنها بتزرع الأرض وبتروق عليها. فكانت حماتها تهز راسها وتقول جدعة يا بنتي، الأرض عرض ومبتخونش اللي يخدمها، وتقفل الكلام عند هنا. عمرها ما فكرت حتى تقولها أساعدك، ولا فكرت تركب معاها العربية تونسها.
الصيف جه حامي والأرض ردت جميل كل نقطة عرق نهى نزلتها. الخيار طالع مقرمش ومسكر، والطماطم نزلت على تلات فترات بكميات مهولة، ومحصول البطاطس كان حكاية، نهى قلعت يجي حداشر شوال بطاطس. غير البامية والبتنجان الرومي والكوسة والملوخية، خير كتير فاض عن البيت لدرجة إن إيديها كانت بتوجعها وتتشنج من كتر جمع المحصول كل جمعة.
على دخلة شهر أغسطس، نهى بدأت مرحلة التخزين والخزين لبيتها؛ تسبيك طماطم، تخليل خيار ولمون، تجفيف ملوخية، وتفريز بامية وصلصة شطة تملى البيت خير وبركة. كانت تسهر عليها بالليل وفي الإجازات، بعد ما خف نزولها للأرض شوية.
البرطمانات والأكياس كانت مرصوصة بنظام يفرح النفس في دواليب المطبخ والديب فريزر. نهى كانت بتبص لشغلها بده بفرحة متتوصفش، فرحة الشخص اللي شايف تعبه وعرقه متجسد قدامه حاجة ملموسة.
طارق يدخل المطبخ، يفتح الفريزر ويبص على الرصات ويقول عاش والله يا نهى، الحاجات دي هتكفينا وتبقى عمار للبيت طول الشتا. ده الترتيب يا طارق، الحمد لله. حلو أوي، الشتا ده هناكل بمزاج…
يوم جمعة بعدها بأسبوعين، نهى رجعت من مشوار بره العصر، لقت باب الشقة موارب وصوت دربكة وكركبة طالعة من المطبخ.
دخلت براحة، لقت الحاجة عفاف حماتها واقفة، ومعاها منى أخت طارق، وشايلين في إيديهم شناط سفر كبيرة وشكاير خيش من بتاعة الرز. وطارق واقف في النص، ماسك كرتونة وعمال يرص فيها من برطمانات المخلل والصلصة!
نهى وقفت متنحة مكانها من المفاجأة خير يا جماعة؟ في إيه؟
الحاجة عفاف لفت وبصت لها بابتسامة صفرا باردة أهلاً يا نهى يا حبيبتي، جيتي في وقتك! طارق ربنا يباركله كلمني وقالي إن عندكم خير بالهبل من الأرض، قلت بدل ما الحاجه تتركن وتبوظ في الفريزر وأنتوا نفرين بس ومابتطبخوش كتير، ننزل ناخد منابنا ومناب إخواته، ونوزع الباقي على حبايبنا في العيلة عشان يدعولك يا ستي!
نهى بصت على الفريزر لقيته فارغ تقريباً، والرفوف اللي قعدت تسهر بالليالي ترص فيها برطمانات المربى والصلصة كانت شبه فاضية، وشكاير البطاطس متكومة على باب الشقة جنب أسانسير العمارة مستنية تنزل في عربية أخته!
نهى لفت لطارق وعينيها بتطق شرار، وطارق واقف باصص في الأرض وبيفرك في إيديه بكسوف مصطنع إيه يا نهى… ما براحة في إيه، مش الخير كتير برضه؟ دي أمي وإخواتي يعني، هو إحنا هندقق في شوية خضار؟
هنا بقى الدم ضرب في نفوخ نهى، والهدوء كله طار، وصرخت في وشه بالكلمة اللي قطعت عرق الصمت:
أنا مطلعتش عيني وطافحة الدم طول الصيف، وإيدي شققت من الطين والشمس حرقت وشي، عشان تيجي أمك في الآخر تلهف المحصول كله في شوالات على الجاهز! نزّل الكرتونة دي من إيدك حالاً، والشنط دي متخرجش بره عتبة الباب!
السكوت اللي نزل على الصالة فجأة كان تاماً.
الكرتونة اللي في إيد طارق فضلت متعلقة في الهوا ثواني، وبعدين نزلت ببطء على رخامة المطبخ بصوت مكتوم. الحاجة عفاف، اللي كانت ماسكة في إيدها كيس كبير مليان بامية متفرزة، عينيها وسعت ونظرتها الباردة اتقلبت في ثانية لملامح ست متعودة تآمر وتطاع، والكلمة منها متتكسرش. أما منى أخت طارق، فرجعت خطوة لورا وربعت إيديها على صدرها بنظرة لوم وتحدي.
أنا باخد على الجاهز يا نهى؟… الحاجة عفاف نطقت الجملة دي بنبرة واطية مسمومة، وهي بتبص لنهى من فوق لتحت، بقى شوية الخضار دول هما اللي هيطلعوا عينك عشانهم وتنسي الأصول؟ أنتي بتعايريني بشوية بطاطس والطماطم من زرع ربنا؟
يا ماما مش كده… طارق اتدخل وصوته مهزوز، وشه كان مخطوف وعمال يبص لنهى برجاء، كأنه بيستعطفها تبلع الموقف وماتفضحهوش، نهى متقصدش يا ماما، هي بس جاية من بره هلكانة والشغل ضاغط عليها…
نهى قربت خطوة ووقفت قدامهم في الصالة، رمت شنطة إيدها ومفاتيح العربية على ترابيزة السفرة بصوت رزع، وعينيها رايحة جاية بين الشكاير اللي متستفة جنب الباب والتلاجة المفتوحة.
لأ يا طارق، أقصد، وأقصد كل حرف! نهى بصت لحماتها مباشرة من غير ما تطرف عينيها، المسألة مش مسألة خضار يا حاجة عفاف، المسألة مسألة تعب شهور محدش فيكم حس بيه. هو مين اللي كان بيصحى الفجر في عز الحر؟ مين اللي كان بيشيل الفاس وينضف الطين بإيديه؟ مين اللي ضهره كان هيتقطم في الشمس كل جمعة عشان الزرع ده يقوم؟ أنتي مجيتيش ولا خطيتي برجلك خطوة، ولا حتى اتصلتي بيا في التليفون تقوليلي كلمة طيبة يا بنتي عاملة إيه في أراضيكي! ودلوقتي، جاية على البارد المستريح، تشيلي شقى تلات شهور من غير حتى ما تستأذني؟ ده بيتي ودي حاجتي!
منى لوت بوزها وردت بنبرة مستفزة يا ساتر يا رب، سترك ورضاك! هو طارق ابن البطة السودة يا نهى؟ مش ده بيته برضه ولا أنتي ناسية؟ البيت ده خيره كله لطارق وأهله، وبعدين هو اللي اتصل بأمي وقالها تعالي عبي اللي أنتي عايزاه، أنتي هتفضحينا على شوية كراتين؟
الدم كان بيفور في نفوخ نهى، حست إنها لو سكتت ثانية كمان هتتخنق. لفت لمنى وقالتلها بصوت قاطع وحاسم طارق جوزي على عيني وراسي، بس البيت ده قايم بيا وبيه، والأرض دي أرض ستي وأنا اللي زرعتها بعرقي وفلوسي. طارق ممدش إيده في حفرة، ولا حط جنيه في شتلة، ولا حتى كلف نفسه يقوم معايا يوم جمعة واحد يونسني! طارق ملوش إنه يوزع من تعبي ولا يفرّق من خيري كأنه بيمنّ عليا!
طارق وشه احمر من الكسوف، بس بدل ما يحس بغلطه، حس إن كرامته اتهانت قدام أمه وأخته. نفخ صدره ورفع صوته محاولاً يثبت إنه راجل البيت نهى! احترمي نفسك، أنتي زودتيها أوي! أمي ميتعلاش الصوت عليها في بيتي، والشنط دي هتخرج وهتنزل في عربية منى، وإلا هيكون ليا معاكي تصرف تاني خالص!
نهى بصتله، ومكنتش مصدقة إن ده نفس الراجل اللي كان بياكل من إيديها الجمعة اللي فاتت وبيقولها تسلم إيدك يا قمر. بصتله بنظرة خلاها يبص في الأرض غصب عنه. نظرة مفيهاش خوف، فيها قرف وخذلان.
وريني هتخرجها إزاي يا طارق، وريني.
نهى مشيت بمنتهى الثبات لحد باب الشقة، وقفت قدامه وسدت الممر، وربعت إيديها أي شنطة هتتحرك خطوة بره، هطلب الشرطة وأعمل محضر. هقول إنكم داخلين تاخدوا حاجتي من غير إذن، وأنت عارف كويس إن الورق ورق الأرض باسمي، والفواتير بتاعة كل حاجة باسمي. متفتكروش إني عشان طيبة ومبحبش المشاكل يبقى تاكلوا حقي عيني عينك!
الحاجة عفاف شهقت وحطت إيدها على صدرها شرطة؟! هتدخلي الشرطة بين الراجل وأمه؟ بقى أنتي يا حتة عيلة تتبجحي فيا وتقولي هحبسكم عشان شوية بطاطس؟ شوفت يا طارق؟ شوفت بنت الأكابر اللي اخترتها وعملت لها شنة ورنة؟ أهي بتهددنا!
أمي، وطي صوتك عشان الجيران… طارق كان هيموت من الرعب إن الفضيحة تطلع على السلم، الجيران في العمارة كلهم عارفين بعض، وهو دايماً بيحب يظهر بمظهر السيّد المتجوز في هدوء.
جيران إيه وزفت إيه! الحاجة عفاف رمت الكيس اللي في إيدها على الرخامة بعنف، الطماطم اللي كانت جواه اهرست شوية من الخبطة، أنا ماليش قعدة في البيت ده ثانية واحدة! قومي يا منى، سيبي لها قوطتها وبطاطسها تاكلهم، إحنا مش شحاتين عشان نقف نتشحت من واحدة قاطعة من شجرة زي دي!
منى بصت لنهى بحقد وهي بتسيب الشنط مكانها حسبي الله ونعم الوكيل فيكي، قطعتي أرحامنا وطردتي أمنا… بكرة تشوفي ربنا هيعمل فيكي إيه.
نهى مردتش عليهم بكلمة تانية. كانت وافقة زي الصنم، قلبها بيدق بسرعة بس مفيش دمعة واحدة نزلت من عينيها. الخذلان مبيجيبش دموع، بيجيب نشفان ريق وبرود يكسر الحجر.
الحاجة عفاف مشيت وهي بتتحسب وبتدعي، ومنى وراها بتنفخ، وطارق نزل يجري وراهم على السلم يحاول يراضيهم ويقولها حقك عليا يا أمي، متزعليش، هاجيلك لحد عندك وأصالحك.
صوت الباب وهو بيترزع وراهم كان هو النقطة اللي أنهت الزوبعة وبدأت العاصفة الحقيقية في الشقة.
نهى فضلت واقفة مكانها لدقيقة كاملة.
الهدوء رجع، بس كان هدوء تقيل يخنق. الصالة كانت مقلوبة؛ شناط خيش مرمية، كراتين مقطوعة، وأكياس ملوخية طالعة من التلاجة بدأت تلين وتنزل ميتها على السيراميك. نهى مشيت ببطء نحو المطبخ، شافت كيس الطماطم المفروم، والبرطمانات اللي متلخبطة.
قعدت على كرسي السفرة، حطت راسها بين إيديها، وافتكرت طارق أول الصيف وهو بيضحك ويقولها يلا شدي حيلك وأنا في ضهرك. افتكرت كل جمعة كانت بترجع فيها مهدودة، إيديها وجعاها من الشوك وحروق الشمس ملهلبة كتافها، وهو نايم تحت التكييف للمغرب، ولما تصحيه يقولها أنا أصلي مجهد يا نهى مقدرتش أصحى.
كانت بتعدي، وتقول مش مهم، هو برضه شقيان في شغله، وأنا بحب أعمل كده بمزاجي. بس اكتشفت إن العطاء لما بيزيد عن حده مع ناس معندهاش أصل، بيتحول لحق مكتسب، ولما تيجي تفرمل، بتطلع أنتي الشريرة الوحشة اللي قطعتي الخير.
بعد نص ساعة، صوت المفتاح لف في الباب.
نهى مرفعتش راسها.
طارق دخل، قفل الباب وراه براحة تامة، كأنه بيتسلل. وقف في الصالة، وبصلها، وعينيه كانت مليانة غضب مكتوم، غضب راجل اتهان في وسط أهله ومش عارف يلاقي لنفسه مخرج غير إنه يقلب الترابيزة عليها.
مرتاحة كده؟… طارق قالها بنبرة صوت باردة وواطية بس محملة بالشر، برافو عليكي يا نهى. سقطتي من نظري، ونزلتي في عيني لسابع أرض. أمي نازلة من هنا تعبانة وضغطها عالي بسببك، ومستحيل هتدخل البيت ده تاني طول ما أنتي فيه.
نهى رفعت راسها بهدوء غريب، وبصت في عينيه وأنت يا طارق؟ موقفك إيه من اللي حصل؟
موقفي إنك ست أنانية ومبتعرفيش الأصول! طارق قرب منها وشاور بصباعه في وشها، أنا ميهمنيش الزرع ولا الأرض ولا كل الهبل اللي أنتي فرحانة بيه ده! أنتي كسرتي كلمتي قدام أمي وأختي، وقللتي مني ومن رجولتي في بيتي، والمسألة دي مش هتعدي بالساهل. الشنط دي كلها أنتي هتنضفيها بايدك دي، وتاخدي منها وتيجي معايا بكرة لحد رجل أمي تبوسيها وتعتذري لها، وإلا…
نهى وقفت فجأة، وحطت وشها في وشه من غير ما تتراجع ملّي واحد، وقالتله وإلا إيه يا طارق؟ كمل جملتك… سامعاك.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

