
الاسم اللي كان بينور ويطفي على شاشة التليفون مكنش مجرد رقم غريب ولا زميل في المصلحة، الاسم كان: “الحاج إبراهيم صاحب المعرض”. إيد حسام ارتعشت لدرجة إن الموبايل كاد يقع من بين صوابعه على السيراميك، صوته اللي كان لسه بيهز البيت وبيرعد بيه فجأة وبقى يتنفس بصعوبة كأن الأكسجين اتسحب من الصالة. بصيت له باستغراب، حسام اللي عامل فيها راجل البيت اللي مبيتهزش، وشه اتخطف وبقى لونه بلون الجير.
حاول يقفل الخط بسرعة ويدس التليفون في جيبه، بس الرنة قطعت ورجعت دقت تاني بإصرار أرخم من الأول.
ـ مين الحاج إبراهيم ده يا حسام؟ وليه خايف ترد عليه كدا؟ سألته وأنا عيني مركزة في عينيه، والعيال كانوا واقفين ورايا، مصطفى بيبص لأبوه بنظرة كلها شك. حسام بلع ريقه بصعوبة وقال وهو بيحاول يسترد صوته المصطنع: ـ ده.. ده واحد معرفة من الشغل، موضوع كدا ميخصكيش.. ادخلي جوة ومسمعش صوتك!
لسه بيلف ضهره عشان يهرب ويدخل أوضة النوم، التليفون رن تالت، وبدل ما حسام يلحق يدوس كنسل، بالغلط صباعه ضغط على فتح الخط، وفتح الاسبيكر كمان من كتر اللخمة والرعشة اللي في إيده. صوت جهوري وفظ خرج من التليفون، صوت راجل صوته يهد جبال ومش باقي على حاجة: ـ ألو! جرى إيه يا حسام بيه؟! مبتردش على تليفوناتك ليه يا أستاذ؟! فاكر نفسك هتفلت بالقرشين اللي عليك؟ تلات كمبيالات ورا بعض مكسورين ومعداش منهم مليم، والقسط بتاع العربية متأخر بقاله أربع شهور! يا حسام وحياة ولادي لو الستين ألف جنيه المتأخرين ما اندفعوا لغاية يوم الحد الصبح، لاكون رافع الكمبيالات في النيابة وساحب منك العربية من قدام بيتك ومفرّج عليك المنطقة كلها! أسبوع واحد، يا تدفع يا إما البيات هيكون في الحجز! سامع ولا مش سامع؟!
الخط قفل برقعة ترن في الودان، وسكتت الصالة سكون الموتى.
حسام وقف مصلوب مكانه، باصص للأرض، كأنه عريان من كل هيبة كان بيحاول يصنعها على مدار سنين. السر انكشف، والستارة اترفعت عن المسرحية الهزلية اللي كان عايشنا فيها.
قربت منه خطوة واحدة، وصوتي طلع هادي، بس هدوء يزلزل: ـ عربية ملاكي بأقساط وكمبيالات؟ ستين ألف جنيه متأخرة؟ ومهدد بالحبس؟.. عشان إيه يا حسام؟ عشان المنظرة الكدابة؟ عشان تنزل الصبح تركب عربية وتركنها قدام المصلحة ويقولوا الباشا راح والباشا جه؟ وأنت مش لاقي تاكل وبتديني 300 جنيه وتقولي اتصرفي في فطار وغدا وعشا لخمس بني آدمين؟! مكنتش بتنزل تشتغل بيها أوبر ليه؟ خايف على مقامك؟! ولا خايف حد من زمايلك يشوفك وتضيع البرستيج الفارغ اللي كاسر بيه عيالك ومجوعهم عشانه؟!
حسام رمى التليفون على السفرة وحط إيديه الاتنين على راسه، وقعد على أقرب كرسي كأنه جبل واتهد، صوته كان مبحوح ومكسور لأول مرة في حياته: ـ كنت مفكر هعرف أسددها.. الجمعية اللي كنت داخلها طارت، والمرتب مش مقضي، والفوائد نزلت عليا.. مكنتش عايز أصغر قدام حد، كنت عايز الناس تقول حسام عايش ومرتاح..
ـ والناس اللي كنت خايف تصغر قدامهم، هينفعوك بإيه لما تتجرجر في الكلبشات قدام عيالك؟! مصطفى قاطع الموقف، ابني الكبير قرب ووقف جنب أبوه، باصص له بحزن عميق: ـ بابا، إحنا مكنش فارق معانا تركب عربية ولا تركب ميكروباص، إحنا كان فارق معانا نحس بالأمان.. إنت جوعتنا عشان تركب حديدة وتخبي وراها فقرك!
حسام مقدرش يرفع عينه في عين ابنه، فضل باصص في الأرض والدموع اتجمعت في عينيه، راجل محبوس بين غروره اللي اتدمر وبين حبل المحكمة اللي اتلف على رقبته خلاص.
قعدت قدامه على الكرسي التاني، وبصيت له وبصيت للعيال. كان ممكن أشمت، كان ممكن ألم هدومي وأقوله طلقني وأسيبه يغرق في البلاوي اللي عملها بغبائه، بس دي مش أنا، والبيت ده بيتي وعيالي دول لحمي ودمي ومش هسمح لمركبنا تغرق عشان نزوة كبرياء من راجل اتعمى عن الحقيقة.
ـ حسام.. ارفع راسك وبصلي هنا. رفع راسه ببطء، مكسور ومذلول، منتظر مني الكلمة اللي تنهي كل حاجة.
ـ إنت غلطت، غلطت في حق نفسك وفي حقنا، وظلمتنا وظلمت بيتك عشان شوية مظاهر متسواش مليم.. بس أنا مش هسيب أبو ولادي يتحبس، ومش هسمح لعيالي يشوفوا أبوهم متهان، بس بشرط واحد ملوش تاني.. من اللحظة دي، البيت ده إدارته تتغير بالكامل، وكلامك اللي مبيودي ولا يجيب هينتهيتمام. من بكرة الصبح، الستين ألف جنيه بتوع المعرض هيتدفعوا كاش، هنروح أنا وإنت نسددهم وناخد وصولات الأمانة ونقطعها بإيدينا.
برق عينيه بذهول: ـ ستين ألف جنيه منين؟! إنتي معاكي المبلغ ده؟! ـ دهبي.. الغويشتين والسلسلة اللي أمي سابتهملي الله يرحمها وما استخسرتهمش فيك زمان.. هبيعهم الصبح ونسدد الدين ده، بس العربية دي مش هتقف دقيقة واحدة تحت البيت! العربية دي من بكرة الظهر، أول ما تخرج من وظيفتك الحكومية، هتشغل أبلكيشن أوبر وتلف بيها لغاية الساعة تسعة بليل، ويوم الجمعة والسبت من ستة الصبح لتسعة بليل.. عرقك هينزل عشان ترجع تمن دهبي وتسد مصاريف بيتك راجل بشرفك مش بمنظرة كدابة!
ـ حاضر.. والله العظيم حاضر، هنزل ومش هقول لأ على أي قرش حلال. ـ والشرط التاني يا حسام.. المطبخ ده، والأكل ده، مش مجرد وجبة هتاكلها.. أنا عملت اتفاق مع الحاج كامل المقاول، هورد 50 وجبة غدا للموقع يوم السبت، ومصطفى هيشتغل معايا في الحسابات والتسليم بعد دروسه، وعايزة أيدك إنت كمان معايا في التوصيل.. العربية دي هتنقل الوجبات الصبح للمواقع قبل ما تروح شغلك.. هنبقى إيد واحدة بجد، يا نعيش بكرامتنا سوا، يا مفيش عيشة.
حسام مسك إيدي وباسها، والدموع نزلت من عينيه بجد لأول مرة من سنين، حسام مكنش بيبكي على دهب ولا على فلوس، كان بيبكي على نفسه اللي تاهت في الفشخرة، وشاف لأول مرة إن مراته اللي كان بيستقل بيها ويرمي لها 300 جنيه ويقولها اتصرفي، هي طوق النجاة الوحيد اللي حماه من الغرق.
تاني يوم، الشمس طلعت بنور جديد على شقتنا. نزلنا الصبح بدري، بعت الدهب، قلبي وجعني عليه للحظة بس ارتحت لما مسكنا الفلوس ورحنا للمعرض، حسام دخل وهو موطي راسه، دفعنا الستين ألف جنيه بالمليم، واستلم الكمبيالات ومزقها قدام صاحب المعرض اللي كان مستغرب، وخرجنا من المعرض وحسام بيتنفس كأنه لسه مولود من جديد.
ومن اليوم ده، حياتنا اتقلبت 180 درجة، مش بعصا سحرية، بتعب وشقا وعرق حلال.
المطبخ بتاعي اتحول لورشة طبخ مفيش أهدى منها، ريحة الأكل البلدي، المحاشي المسبكة، وصواني الرقاق، والفراخ المشوية المتبلة بالزبادي والزعتر، والخضار السوتيه واللحمة الدايبة في البصل المكرمل.. بدأت بـ 50 وجبة لأول موقع، الأكل عجب المهندسين والعمال لدرجة إن المقاول كلمني بنفسه وقالي: “الأكل نضيف وطعم بيتي ملوش مثيل، أنا عايزك توردي لـ 3 مواقع تانية تبع شركتي!”
البيت كله بقى شغال بروح تانية.. أحمد ونور الصغيرين بقوا يساعدوني في تغليف الوجبات وتجهيز أكياس العيش والمخلل، ومصطفى ماسك الدفاتر بيحسب المصاريف والأرباح بالقرش، والواد شاطر وذكي وبيوفر أحسن الخامات بأقل الأسعار من تجار الجملة في سوق العبور.
أما حسام.. فحكايته حكاية تانية خالص. الراجل اللي كان بيتكسف يشيل كيس عيش، بقى يصحى من الفجر، يحمل عربيات الوجبات السخنة في شنطة العربية وينزل يوزعها على المواقع، ويروح شغله الحكومي نظيف ومرتب، ويطلع من الشغل الساعة تلاتة العصر يشغل الأبلكيشن.. ويلف في شوارع القاهرة والجيزة لغاية ما العشا تأذن.
مبقاش يتكلم عن الشهادة ولا البرستيج الفارغ، شاف بعينيه إن الراجل الحقيقي هو اللي يعرق عشان يجيب لقمة شريفة وميخليش ولاده يحتاجوا لحد. لما كان يرجع بليل مهدود الحيل، كنت ألاقيه داخل مبتسم، مطلع يومية العربية يحطها قدامي على السفرة ويقولي: “خدي يا شريكتي، ده رزق ربنا النهاردة من أوبر.. اخصمي منه مصاريف البنزين وحطي الباقي في صندوق البيت”.
بعد ست شهور بالتمام والكمال.. مشروع الوجبات كبر وبقى ليه اسم معروف في المنطقة للمناسبات والشركات، أجرت محل صغير تحت العمارة وعملته مطبخ مركزي مرخص، واشتغلت معايا اتنين ستات من جيراني بنساعد بعض ونفتح بيوت لبعض.
والعربية؟ العربية سددت أقساطها الباقية كلها وبقت ملك خالص من غير ولا مليم دين، وحسام رجع لي دهبي.. مش بس الغويشتين والسلسلة، جاب لي طقم كامل دهب ودخل بيه في عيد جوازنا، وركع على ركبته قدام عيالنا وهو بيقدمه لي وبيقولي بصوت طالع من أعماق قلبه: ـ ده مش تمن دهبك يا أم مصطفى.. ده تمن كرامتي اللي إنتي رفعتيها، وتمن بيتي اللي أنقذتيه من الخراب.. أنا زمان كنت فاكر الرجولة إني أرمي قرشين وأقول اتصرفي.. اتعلمت منك إن الرجولة مشاركة وتعب، وإن الست الأصيلة لما تتصرف، بتبني قصر من شوية تراب.
عيالي جريوا علينا وحضنونا، والسفرة اللي كانت زمان بتشهد على الخناق والصراخ على حتة اللحمة، اتفرشت النهاردة بأحلى وليمة، وكلنا بناكل منها وإحنا مرتاحين البال، مفيش كمبيالة بتطاردنا، ولا خوف من بكرة بيكسرنا، لأننا فهمنا إن البيت اللي إيده في إيد بعض، مفيش غلا ولا أزمة في الدنيا تقدر



