منوعات

ثـمن البـخل ج 1 حكـايات مني السيد

حكايات مني السيد حصري
جوزي مش بيحب يتعب نفسه، وكل يوم الصبح يرمي لي 300 جنيه على السفرة ويقولي بتعالي دا مصروف البيت.. فطار وغدا وعشا، ولو عيل طلب حاجة اتصرفي منها!
تخيلوا كدا، ورقتين تلاتة ب 300 جنيه في غلا اليومين دول، مطلوب مني أأكّل بيهم خمس بطون، منهم تلات عيال ماشاء الله في سن المراهقة والنمو؛ الكبير 16 سنة في ثانوي، والتاني 14 سنة، والصغيرة 12 سنة.. يعني سن أكل ومصاريف وهدوم ودروس، العيل من دول بيقوم من على الأكل جعان وتلاجتي مابتلحقش تقعد فيها لقمة.

المصيبة مش هنا وبس، المصيبة إن سي السيد عنده شرط مقدس لا يقبل النقاش لازم كل يوم على الغدا بروتين صريح! يا لحمة، يا فراخ، يا سمك، يا كبدة أو كفتة مشوية.. المهم يرجع من برة يشم ريحة اللحوم قالية الشقة، وإلا يومنا يتقلب نكد وخناق. ولما أقف قدامه وأفرك إيديا بقلة حيلة وأقوله يا ابن الناس، ال 300 جنيه لو جبت بيها فرخة بالعافية، هيفضل إيه للخضار والصلصة والزيت والعيش؟ غير فطار وعشا 5 بني آدمين؟، يبص لي ببرود الدنيا ويرد جملته الشهيرة اللي بتفور دمي مانا جايب لك شيكارة رز 25 كيلو في البلكونة وشوية مكرونات وسكر، بطلي نكنكة بقى واتصرفي.. إنتي شايفة الدنيا عاملة

إزاي!
أتصرف إزاي يعني؟ هو الرز هيطبخ نفسه في الهوا؟ والجبنة، والبيض، واللبن، وفاكهة العيال ومصاريفهم كل يوم؟ ده غير الخضار والعيش اللي أسعارهم في السما.. هو فاكر ال 300 جنيه دي كنز قارون؟!
كنت ببلع غصتي وأسكت، وأفضل طول النهار في السوق أحسبها بالقرش والصاغ، أقص من هنا وأشيل من هنا، وأحرم نفسي وعيالي من أي حاجة نفسهم فيها عشان الباشا يرجع يلاقي منابه كامل وصحن البروتين قدامه، ونقعد إحنا ناكل الرز بالبصل عشان الميزانية ما تخرمش والبيت يمشي في ستر.
ولما لقيت الحبل خلاص بيضيق على رقابنا، قعدت قصاده بالعقل وقولت له يا سيدي خلينا يد واحدة.. إنت موظف وبترجع كل يوم الساعة تلاتة العصر، وعندك الجمعة والسبت إجازة، وعندنا عربية ملاكي مركونة تحت البيت بتاكل في نفسها وبندفع لها ترخيص.. انزل بيها ساعتين تلاتة بعد الضهر أو اشتغل بيها أوبر في يومين الإجازة، نرفع دخل البيت ونستر مصاريف العيال اللي بتكبر.

عارفين رد بإيه؟ نفخ صدره ورفع حاجبه باستهزاء أنا؟! أنا اللي شقيت واتخرجت من الجامعة وأخدت شهادتي عشان أشتغل سواق أوبر؟ لا يا هانم، أنا مقللش من مقامي ولا أبهدل نفسي في الشوارع.. أنا راجل كفاية عليا وظيفتي، والشطارة في تدوير البيت دي شغلانتك إنتي.. اتصرفي! قولت له طب سيبني أنزل أشتغل أنا وأساعدك ونشيل سوا.. زعق وقفل السكة في وشي مفيش نزول ولا بهدلة لستات.. اللي يدخل البيت دا هو اللي يتصرف بيه وخلصنا!
هو شايف إن تعبه بيخلص أول ما يقفل باب مكتبه، ومطلوب مني أكون ساحرة.. أفرك الفانوس السحري أطلع له عزومة ملوكي من تلات ورقات ب 300 جنيه.

لحد ما جه اليوم الموعود.. النهاردة الصبح. رمى ال 300 جنيه كالعادة وقال بنبرة آمرة أنا راجع ميت من الجوع وعايز غدا مظبوط، اعملي لي صينية محترمة كدا تملى العين، ماليش دعوة تتصرفي إزاي. نزل ورزع الباب وراه، وأنا وقفت وبصيت للفلوس وهي مرمية على الطربيزة زي التحدي والإهانة، وبصيت لحال بيتي وعيالي اللي بيشوفوا غيرهم ونفسهم تتكسر.. في اللحظة دي بالذات، حاجة جوايا انكسرت وحل مكانها برود غريب.. وقررت إن كلمة اتصرفي هرد عليها النهاردة، بس بطريقتي أنا.. مش بطريقته هو!
نزلت السوق، ومعايا ال 300 جنيه كاملة، وعملت خطة شيطانية مجنونة عمري ما تخيلت إني أجرؤ أنفذها..

خرجت له من المطبخ.. شايلة صينية كبيرة جداً متغطية بفويل بيلمع، وريحتها قالية الصالة من البهارات.. حطيتها قدامه، وبصيت في عينيه بنظرة جامدة وباردة لأول مرة يشوفها فيا.. ومديت إيدي، وشيلت الفويل…
مديت إيدي، وشيلت الفويل بهدوء غريب، بهدوء يسبق أي عاصفة ممكن تخطر على بال بني آدم.
البخار طلع في وشه كثيف ومليان ريحة بهارات تقيلة، كاري على كبابة صيني على ورق لورا وحبهان مطحون.. ريحة تملى النفوخ وتوهم أي حد داخل من الباب إنه معزوم في مطعم مشويات خمس نجوم. عينيه وسعت أول ما شاف شكل الصينية، بس لمعة الفرحة اللي كانت في وشه مالحقتش تكمل تانية واحدة، واتبدلت بملامح صدمة وذهول وهو بيبحلق في اللي قدامه ومش قادر يستوعب.
الصينية كانت مفروشة بطبقة رز بسمتي أصفر يلمع، وعليها شرايح طماطم وبصل مشويين بقرون فلفل حامية متحبشة، وفي النص.. مترصصين بنظام هندسي بديع.. حتت لحمة متقطعة صوابع رفيعة ومتحمرة بصلصة تقيلة، بس شكلها غريب، مش قطعية لحمة بلدي، ولا ريحة بفتيك، ولا حتى كفتة حاتي!
بلع ريقه وبص لي، وبص للصينية تاني، ومد إيده المرتعشة مسك الشوكة، غرزها في حتة وقربها من مناخيره يشمها، وقال بصوت مهزوز مش طالع منه بسهولة إيه ده يا هانم؟ دي لحمة إيه دي بالظبط؟!
وقفت

قدامه، مربعة إيديا على صدري، ونظرتي ثابتة في عينيه متطرفش، وابتسمت ابتسامة باردة مفيهاش أي خوف مالك مستغرب ليه يا أبو العيال؟ مش قولت لي الصبح عايز صينية محترمة تملى العين، وقلت لي اتصرفي؟ أهو أنا اتصرفت! دي صينية فواكه لحوم مشكلة.. قلوب وقوانص فراخ على حلويات مدبح ومعاهم هياكل متفصصة معمولة شاورما، ومتغرقة في صوص البهارات عشان تديك نكهة الكباب بالظبط!
وشه جاب ألوان، حمر واصفر، وعروق رقبته نفرت كأن الدم اتحبس فيها، ورزع الشوكة في الصينية لدرجة إنها رنت وكسرت السكون اللي كان في الصالة إنتي اتجننتِ رسمي؟! إنتي بتقدمي لي أنا.. أستاذ وموظف محترم في مصلحة حكومية.. بواقي وحلويات مدبح وقوانص؟! فين الفراخ؟ فين اللحمة الكندوز اللي موصيكي عليها؟ فين الكفتة اللي بقولك اعمليها؟!
رديت عليه ببرود وتحدي كان مدفون جوايا بقاله سنين الفراخ واللحمة الكندوز في المحلات يا حسام! عند الجزار والفرارجي

اللي رحت لهم النهاردة بال 300 جنيه بتوعك. عارف دخلت قولت إيه للفرارجي؟ قولت له اديني فرخة، وزنها على الميزان، قالي 180 جنيه.. جيت أجيب كيلو طماطم وبصل وبطاطس عشان أعمل الصينية اللي سيادتك بتحلم بيها، لقيتهم ب 90 جنيه.. فاضل كام من ال 300؟ فاضل 30 جنيه! قولت له هات عيش بال 30 جنيه.. كدا الفلوس بح، خلصت! طيب فطار العيال بكرة الصبح؟ عشاهم النهاردة؟ اللبن اللي البت الصغيرة محتاجاه عشان عضمها؟ الجبنة اللي هيتحط منها في اللانش بوكس أو حتى سندوتش يسد جوعهم بليل؟ مين يدفعه؟ الهوا؟!
قام وقف وطوله فارض نفسه في الصالة، وبدأ صوته يعلى ويهز الحيطان وإنتي مالك ومال فطار بكرة يا غبية إنتي؟! أنا مش بديكي كل يوم بيومه؟! مش بتنزلي الصبح تجيبي أكل اليوم؟ ليه تشغلي بالك ببكرة وتقللي من مقامي قدام نفسي وقدام عيالي بالزبالة دي؟!

في اللحظة دي، ولادي التلاتة.. مصطفى الكبير، وأحمد اللي في إعدادي، ونور الصغيرة.. طلعوا من أوضهم على صوته العالي. وقوفهم ده كان كفيل يهد أي ست، بس أنا المرة دي كنت صخرة، بصيت لعيالي وبصيت له وقولت بصوت أعلى من صوته ومليان قهر سنين عيالك اللي إنت خايف على مقامك قدامهم دول، بقالهم ست شهور مبيشربوش كوباية لبن كاملة الدسم! عيالك اللي واقفين دول بياكلوا سندوتشات جبنة بيضا قديمة حادقة عشان متسحبش من الميزانية، عشان جنابك لازم ترجع تاكل نص كيلو بروتين لوحدك على السفرة! إنت مش بتديني كل يوم بيومه، إنت بترمي لي ملاليم وعايزني أعملك بيها معجزات! ال 300 جنيه اللي فرحان بيهم دول، ميكفوش فطار وغدا وعشا لخمس بني آدمين في الغلا اللي إحنا فيه إلا لو أكلنا عيش حاف وطعمية بايتة!

حسام اتلجلج للحظة لما لقى العيال باصين له، بس الكبر والغرور لحسوا عقله، بص لمصطفى الكبير وقال له بنبرة محتدة خش إنت وإخوتك جوة، مفيش كلام يتقال هنا، أمكم اتجننت ولازم تتربى!
مصطفى مبصش لأبوه نظرة خوف زي كل مرة، مصطفى عنده 16 سنة، يعني راجل بيفهم وشايف أمه بتتشقلب إزاي، وقف مكانه ومتحركش خطوة، وبص لأبوه وقال بصوت واطي بس كان  بابا.. ماما مغلطتش، ماما بتنزل السوق كل يوم تلف على رجليها بالساعات عشان تدور على أرخص طماطم وأرخص بطاطس. إحنا من شهرين لما بنطلب من حضرتك فلوس كتب أو ملازم بتقولنا اتصرفوا مع أمكم، وأمي بتوفر من أكلنا ودم قلبها عشان تدفع لنا الدروس.. الصينية دي إحنا رضينا بيها وكلنا ريحتها وعجبانا، لو حضرتك مش عاجباك.. انزل هات اللي يعجبك.

الكلمة نزلت على حسام زي الكرباج. إزاي ابنه يكلمه كدا؟ إزاي هيبته تتكسر في بيته قدام مراته وعياله؟ اتحول حسام لوحش كاسر، مد إيده بعنف ومسك حافة الصينية وقلبها كلها على الأرض! صوت الرز وهو بيتبعتر على السجادة، وصوص اللحمة السخن وهو بيلطخ السيراميك، ونور بنتي صرخت واستخبت ورا أخوها الكبير.. كل ده حصل في ثانية واحدة. حسام كان بينهج وعينيه طالع منها شرار وقال بفحيح مفيش طفح في البيت ده النهاردة! لا أنا ولا أنتم هناكل! والفلوس اللي مش عاجباكم دي.. أقسم بالله من بكرة الصبح ما هتشوفوا منها مليم واحد! أنا هجيب أكلي بنفسي، وأنتوا بقى وروني هتاكلوا إيه وتتصرفوا إزاي من غيري!
ساب الصالة ورزع باب أوضة النوم وراه رقعة هدت أركان البيت كله.

فضلت واقفة مكاني، باصة للأكل المرمي على الأرض، الأكل اللي وقفت في المطبخ في عز الحر تلات ساعات عشان أتبله وأحمره وأخليه ليه طعم وريحة تستر البيت. حسيت قولت لمصطفى بصوت مبحوح قوم يا ابني إنت وأخوك، متلموش حاجة.. دا نصيبنا.
دخلت المطبخ، غسلت وشي بمية ساقعة عشان أفوق. النار اللي كانت قايدة في قلبي انطفت، وبدالها قام جبل من التحدي. هو مفكر إنه لما يمنع عننا الفلوس هنموت من الجوع؟ مفكر إنه لما يقفل بابه هنركع عند رجليه ونبوس إيده عشان يرمي لنا ال 300 جنيه ونتذل كل يوم لكلمة اتصرفي؟!
قعدت مع

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى