منوعات

حكايات بسمه

المليونير رجع شقته بعد نص الليل، فلقى توأم مشردين نايمين في ! لكن لما أمهم ظهرت وقالت له: أرجوك ما تخليش ياخدهم، عرف إن الحكاية أكبر بكتير من مجرد من بيتهم.

رجعت شقتي الفندقية بعد نص الليل عشان كنت ناسي تقرير مهم.

وأول حاجة لفتت نظري كانت كوتشي أطفال صغير وردي مرمي على الأرض الرخام.

وقفت مكاني.

محدش المفروض يدخل الجناح الخاص بيا من غير إذني.

ومع ذلك، كان فيه نور خافت جاي من أباجورة جنب التسريحة.

وقربت من .

لقيت طفلين صغيرين نايمين في .

بنت وولد، الاتنين عندهم حوالي تلات سنين.

البنت شعرها فاتح ومفرود على المخدة، والولد كان حضن فيل لعبة قديمة ومهترية.

كانوا متكوّرين جنب بعض تحت الملاية الغالية، كأن كل واحد فيهم مش بيحس بالأمان غير والتاني جنبه.

همست:

إيه ده؟

الولد اتحرك وهو نايم.

وأخته مدت إيدها فورًا ومسكت في هدومه من غير حتى ما تفتح عينيها.

الحركة الصغيرة دي خلتني أتردد قبل ما أطلب الأمن.

وفجأة…

باب الجناح اتفتح ورايا.

سمعت صوت مړعوپ:

يا نهار أبيض!

لفيت.

كانت شابة واقفة عند الباب.

عرفتها فورًا.

كانت لابسة يونيفورم عمال النظافة بتاع الفندق.

اسمها نادين.

بنت في أوائل العشرينات، شكلها مرهق، وشعرها مربوط بسرعة، وعينيها مليانة خوف.

قالت بصوت واطي:

أستاذ ياسين، بالله عليك ما تصحيهمش.

بصيت لها باستغراب.

إيه اللي بيعمله طفلين في سريري؟

بصت ناحيتهم.

دول ولادي.

سكت.

اسمهم ليان ويونس وعندهم تلات سنين.

بصيت لها بصدمة.

إنتِ جبتي ولادك لجناحي الخاص؟

بلعت ريقها.

أنا عارفة إني خالفت التعليمات.

أومال فسريلي.

بدأت تتكلم بسرعة، كأنها خايفة أوقفها:

أنا اترميت في الشارع النهارده.

إيه؟

العمارة اللي كنت ساكنة فيها اتباعت، والمالك الجديد طلب من كل السكان يمشوا. ماكانش عندي مكان أروح له أنا والولاد.

بصيت لها وأنا مش مستوعب.

كملت:

جدول شغلي كان بيقول إن حضرتك مش هترجع غير بكرة العصر. فقلت أخليهم يناموا هنا كام ساعة، لحد ما أخلص شغلي وأشوف هعمل إيه بعد كده.

بصيت للسرير وبعدين رجعت بصيت لها.

إنتِ افتكرتي جناح المليونير مأوى؟

وشها احمر.

لأ.

وبعدين رفعت عينيها لي وقالت:

بس كان ده المكان الوحيد اللي قدامي.

لأول مرة…

ماعرفتش أرد.

طول عمري كان عندي اختيارات.

سواقين.

محامين.

مساعدين.

حراسة.

كروت ائتمان أرقامها عمرها ما كانت مشكلة بالنسبة لي.

أما نادين…

ماكانش عندها أي اختيار.

بصيت جنب .

كان فيه شنطة ظهر قديمة ومهترية.

فتحت عيني ووقفت عليها.

بيجامتين للأطفال، شوية شرابات، سندوتشات، كتاب أطفال قديم، وحاجة صغيرة من حاجاتهم.

واضح إنها فقدت بيتها الصبح.

ومع ذلك، كانت لسه فاكرة تقرأ لهم قصة قبل النوم.

فجأة يونس بدأ يأنّ وهو نايم.

نادين جريت عليه وحطت إيدها على ضهره.

وفي ثانية هدي.

فضلت أبص لها.

المشهد فكرني بأمي.

زمان، كانت بترجع من شغلها تعبانة، وبرغم إنها كانت بالكاد واقفة على رجليها، كانت دايمًا تلاقي طاقة تحضني أنا وأخويا قبل ما ننام.

سألتها:

محتاجة وقت قد إيه؟

بصتلي باستغراب.

عشان تلاقي مكان تاني آمن ليكي وللولاد، محتاجة قد إيه؟

عينيها اتمَلوا دموع.

لكن قبل ما تكمل…

الشرطة كانت موجودة في بهو الفندق وبتسأل عن نادين وطفلين.

وشي اتغير.

نادين لاحظت.

بصت للتليفون اللي في إيدي.

وبعدين بصت على ليان ويونس.

وفجأة…

لون وشها اختفى.

جريت ناحيتي وخفضت صوتها عشان ما تصحيش الولاد.

إيديها كانت بتترعش.

وقالت:

أرجوك.

بصيت لها.

همست:

أرجوك ما تخليش ياخدهم.

في اللحظة دي فهمت.

هي ماكانتش مستخبية من الشرطة عشان من بيتها.

هي كانت بتحاول تحمي ولادها من شخص تاني.

وشخص واضح إن الشرطة نفسها كانت بتدور عليه.

لكن السؤال الحقيقي كان:

مين الشخص اللي نادين مستعدة تخاطر بكل حاجة عشان تمنعه ياخد ولادها؟

حكايات بسمة

كانت ماسكة إيدي وبتترعش، وعينيها مليانة توسل.

نادين ما كانتش بتبكي على شغلها ولا على طردها من العمارة.

نادين كانت بتترجى عشان مستقبل طفلين ملهمش أي ذنب.

قربت منها، ووطيت صوتي جدًا وقلت لها بثبات:

نادين، اتكلمي حالًا وماتخبيش عليا أي كلمة. مين اللي بيدور عليكي وليه الشرطة جاية معاه؟

بلعت ريقها بالعافية ودموعها نازلة:

طليقي… سيف المليجي.

راجل واصل وعنده نفوذ وفلوس ما لهاش عد.

اتجوزته زمان وكنت فاكراه أمان، بس اكتشفت إنه متورط في أعمال غير قانونية.

لما بعدت عنه وأخدت ولادي، رفع عليا قضايا ملفقة عشان ياخدهم مني، وكمان يحاول يستولي على الحساب الصغير اللي سابهولهم جدهم.

هو طردني من الشقة الصبح بعد ما اشترى العمارة كلها، وقدم أوراقًا قضائية مزعومة عشان ياخد الأطفال مني الليلة!

اتجمدت مكاني.

في اللحظة دي بالذات، اتسمع صوت خطوات تقيلة وكثيرة في الممر الخاص بالجناح، وصوت مدير الفندق بيحاول يوقفهم:

يا فندم ما ينفعش! ده الجناح الخاص بالأستاذ ياسين الجبالي!

صوت رجالي حاد رد عليه:

افتح الباب يا جدع أنت! معايا أمر رسمي باستلام طفلين محل بلاغ!

نادين جلست على ركبتيها على الأرض، وضمت إيديها لبعضها وهي بتبصلي بانهيار كامل:

أرجوك يا أستاذ ياسين، لو أخذهم مش هعرف أحميهم! أرجوك ساعدني!

بصيت للسرير.

ليان ويونس كانوا لسه نايمين في حضن بعض، والفيل اللعبة القديم بين إيدين الولد، والكوتشي الوردي الصغير على الرخام.

المشهد كان فيه كمية براءة تخلي أي شخص عنده قلب يضحي بأي حاجة عشان يحميها.

أشرت لنادين ناحية مكان آمن داخل الجناح وقلت:

ادخلي المكان اللي ورا المكتبة، وخلي الولاد بعيد عن أي صوت.

نادين قامت بسرعة، شالت الولاد بالراحة وهم نايمين، ودخلتهم المكان الآمن، والباب الخشبي اتسحب ورجع كأنه حيطة عادية.

مشيت بثبات وفتحت باب الجناح بنفسي.

كان واقف قدامي سيف المليجي، بلبسه الفخم ونظراته المليانة غرور، ووراه مجموعة من رجاله، واثنين من أفراد الشرطة اللي لم يكونوا يعرفون حقيقة الأوراق التي يحملها.

سيف بصلي بنظرة تكبر وقال:

أستاذ ياسين الجبالي، مش وقت تعارف. العاملة اللي عندك أخذت طفلين ومستخبية في جناحك. أفسح الطريق عشان المأمورية تنفذ الأمر الرسمي.

وقفت في نص الباب، وحطيت إيدي في جيب البنطلون، وبصيت له بابتسامة هادئة:

أمر رسمي؟ وريني كده المكتوب يا سيف بيه.

الضابط طلع الورقة، أخدتها منه وبصيت فيها بتمعن.

وبعدين قلت:

الورقة دي محتاجة مراجعة قبل ما حد ينفذها.

الجميع اتجمد من الصدمة.

سيف اتضايق وقال:

أنت بتعطل تنفيذ أمر رسمي وبتحمي واحدة محل بلاغ؟

قربت منه خطوة وقلت بحزم:

أولًا، الجناح ده ملكية خاصة.

ثانيًا، الأوراق دي فيها بيانات غير صحيحة، والختم المنسوب للجهة الرسمية يحتاج إلى التحقق.

وأنا بالفعل تواصلت مع الجهات المختصة قبل ما أفتحلك الباب.

سيف اتثبت مكانه، وعينيه اتسعت بصدمة.

كملت بصوت واضح:

وثالثًا، نادين وأولادها تحت حمايتي القانونية، وأي محاولة لأخذهم من غير إجراء صحيح مش هتتم.

سيف حاول يتكلم، لكن في نفس اللحظة باب الأسانسير انفتح، ونزل منه عدد من أفراد الحراسة الخاصة، ومعاهم قوات الأمن التي كانت جاية للتحقق من البلاغات والأوراق المرتبطة بسيف المليجي.

أحد الضباط تقدم نحوه، وطلب منه مرافقتهم لاستكمال الإجراءات.

وسيف كان بيصرخ وهو بيتسحب برة الفندق:

مش هسيبك يا ياسين! مش هسيبك أنت ونادين!

رديت عليه بهدوء:

كل شيء هيتحدد بالقانون، ومع السلامة يا سيف.

بعد ما الهدوء رجع للفندق…

فتحت باب المكان الآمن.

نادين كانت قاعدة على الأرض، ضامة ليان ويونس لصدرها ودموعها نازلة من الفرحة والخوف.

رفعت رأسها وبصتلي بذهول:

أستاذ ياسين… هو مشي؟

قعدت على الكرسي قصادها وابتسمت بدفء:

سيف اتحجز للتحقيق، والملفات المتعلقة بالأوراق غير الصحيحة والأعمال غير القانونية هتتراجع رسميًا. وأولادك بقوا في أمان تام من النهاردة.

نادين كانت هتسجد على الأرض تشكرني، بس مسكت إيدها وقومتها.

قلت لها:

من بكرة، الشقة اللي في الدور الخامس في برج الجبالي هتنزل باسمك أنتِ وولادك بعقد إيجار دائم مجاني.

والشغل في الفندق انتهى.

أنتِ هتبدأي تشتغلي في إدارة العلاقات العامة للمجموعة بمرتب محترم يضمن لك ولأولادك حياة كريمة.

ليان الصغيرة فتحت عينيها، وبصتلي بابتسامة بريئة، ومدت إيدها الصغيرة وحطت الفيل اللعبة القديم في إيدي!

أخدت اللعبة منها، وضحكت لأول مرة من سنين طويلة، وحسيت إن الشقة الفندقية الباردة دي أخيرًا بقى فيها دفء وحياة.

أوقات ربنا بيبعتلك ناس في طريقك مش عشان تساعدهم وبس…

لكن عشان يذكّروك إن الثروة الحقيقية مش في الحسابات والشركات.

الثروة الحقيقية هي إنك تكون السند والأمان للضعيف في وقت العتمة.

تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى