منوعات

حملت من خطيبي ج الاخير احمد عمار

أومأت برأسي بالرفض وأنا أضع يدي على فمي لمنع صرخاتي، لكن جدي بلع ريقه، وبأصابع ترتجف، ضغط على زر الإجابة وفتح مكبر الصوت. ساد الصمت لثوانٍ معدودة عبر أثير الهاتف.. ثوانٍ كانت أطول من أنفاس العمر. ثم جاء الصوت من الطرف الآخر.

. صوت مشروخ، متقطع، مليء بالبكاء الهستيري والنبرة المرعبة التي لم أعتدها منه أبدًا. قال خطيبي عبر الهاتف وهو يلهث:— يا حاج.. الكلام اللي أنت قلته جوه ده.. الكلام ده صح؟ رد عليا وحياة أغلى ما عندك! اللي أنا سمعته ده حقيقة ولا أنا اتجننت؟

!الجزء الخامس (قبل الأخير):تسمرنا في مكاننا كأننا أجساد بلا أرواح. كان الصوت القادم من مكبر الصوت في الهاتف يحمل شحنة من الرعب والانهيار لم أسمعها في حياتي من قبل. لم يكن صوت الرجل القوي الشديد الذي أحببته، بل كان صوت إنسان يتحطم إلى شظايا على الطرف الآخر من الخط.

جدي قبــ,,ـــــض على الهاتف بقوة حتى كادت عظام أصابعه تتكسر، وضغط على حنجرته ليخرج صوته صلبًا رغم الارتجاف الذي يسكنه:— أنت فين؟ وواقف تسرّق السمع عند بيوت الناس ليه يا ابن فريد؟جاءت من الطرف الآخر ضحكة هستيرية مزيجًا من البكاء والصراخ، ثم قال خطيبي بصوت يتخلله اللهاث:— ابن فريد؟

! يعني أنت عارف؟! يعني الكلام اللي قلته للين صح؟! أبويا هو نفسه أبوها؟! رد عليا يا حاج.. قولي إنك بتألف! قولي إنك كنت بتخوفها أو بتنتقم مني عشان سيبتها! قولي أي حاجة ترحمني من النــ,,ـــــار اللي بتاكل في جسمي دي!

انفجرتُ في البكاء ولم أستطع التحكم في نفسي. أخذت الهاتف من يد جدي بالقوة، وصرخت فيه بصوت يحترق بالوجع:— أنت اللي سيبتني! أنت اختفيت من غير كلمة واحدة أول ما عرفت إني حامل! لو كنت عارف الحقيقة دي من زمان، ليه ما حذرتنيش؟ ليه سبتني أجيب البنت دي للدنيا؟

! ليه عملت فينا كده؟!ساد صمت مفاجئ على الخط، صمت لم يقطعه سوى صوت أنفاسه المتقطعة بكاءً. ثم قال بصوت خافت مكسور، كأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة:— والله العظيم ما كنت عارف يا لين.. والله العظيم ما كنت أعرف حاجة عن القرف ده!

أنا اختفيت ليلة ما قولتيلى إنك حامل لأني خفت.. خفت من المسؤولية، خفت لأني طالع لراجل نذل سابني وأنا صغير وأمي ربتني لوحدي.. خفت أكون شبهه وأظلــ,,ـــــمك معايا! هربت زي الجبان لأن عقلي كان صغير.. بس عمري، عمري ما اتخيلت إن الهروب ده هيجرنا لأبشع كابوس في تاريخ البشرية!

تراجعت للوراء وسقطت على الكنبة وأنا أحتضن هاتفي وبنتي تبكي في الغرفة المجاورة. كمل كلامه وهو بينتــ,,ـــــحب:— أنا لما جيت النهاردة.. كنت جاي أتسحب في الضلمة عشان أشوفك من بعيد.. كنت جاي أعتذر، كنت ناوي أرمي نفسي تحت رجليكي ورجلين جدك وأقولك سامحيني، أنا رجعت عشان أشيل بنتي وأبقى ليكم أب وحماية.

. وقفت ورا الباب وكنت هخبط.. لحد ما سمعتك بتسأليه عن سر العينين.. وسمعت كل كلمة!جدي أخذ الهاتف من يدي مجددًا، وقال بنبرة صارمة حادة تحاول التماسك وسط هذا الانهيار:— اللي حصل حصل يا بني.. والجهل بالحقيقة مش هيغير الواقع الأسود اللي إحنا فيه.

البنت دي مظلومة، ولين مظلومة، وأنت ذنبك إنك هربت في الأول. بس دالوقت الحقيقة اتكشفت، والدم اللي بينكم بقا لعنة.. أنت فين دالوقت؟رد خطيبي بنبرة ضائعة غائبة عن الوعي:— أنا في العربية.. ماشية بيا ومش عارف أنا رايح فين.

الدنيا سودة في وشي يا حاج.. أنا حاسس إن جسمي نجس، وحاسس إن كل لحظة عشتها مع لين كانت خطيئة وأنا ما أعرفش.. أنا مش هقدر أعيش بالذنب ده! مش هقدر أبص في وشها تاني، ولا هقدر ألمس البنت دي ولا أكون ليها أب!

صرخت بقوة وأنا أقف من مكاني:— أوعى تعمل في نفسك حاجة! أنت فاهم؟! أوعى تهرب تاني وتسيبنا في المصيبة دي لوحدنا!لكنه قال بصوت خافت مليء بالوداع والألم:— سامحيني يا لين.. أنا السبب في كل اللعنة دي.. كان لازم أمــ,,ـــــوت قبل ما أقابلك وقبل ما أبوي يظلــ,,ـــــم أمك ويظلــ,,ـــــم أمي.

. البنت دي ملهاش ذنب.. خبي عليها الحقيقة.. خبيها وادفــ,,ـــــنيها تحت الأرض..وفجأة.. وقبل أن نتمكن من الرد عليه أو استيعاب كلماته الأخيرة، سمعنا عبر سماعة الهاتف صوت صرير فرامل مرعب ومكتوم، يتبعه صوت ارتطام معدني هائل هز أثير المكالمة، ثم انقطع الصوت تمامًا.

. وتحول الخط إلى صفير متصل لا ينتهي!طاح الهاتف من يد جدي وسقط على الأرض، بينما وقفتُ أنا في منتصف الصالة، أتحجر في مكاني وأنا أسمع صوت بكاء ابنتي يتصاعد في الخفاء، بينما كان القدر يتهيأ ليكشف لنا عن الفصل الأخير من هذه اللعنة.

الجزء السادس والأخير:ساد الشقة صمتٌ المــ,,ـــــوت، صمتٌ أشبه بالعدم. كان صوت الصفير المنبعث من الهاتف الملقى على الأرض يقطع أحشاء الظلام، قبل أن ينقطع الخط تمامًا وتتحول الشاشة إلى السواد. سقطتُ على ركبتي وأنا أضع يدي على رأسي، غير قادرة على إخراج صرخة واحدة.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى