
الأخير
“أول ما أمي قالت لي: إنت فتحت الورقة اللي مع مراتك؟ فهمت إن اللي حصل لمراتي طول الشهور اللي فاتت ماكانش صدفة… لكني ماكنتش متخيل إن الورقة دي هتخليني أواجه أمي لأول مرة في حياتي!”
فضلت ماسك التليفون وساكت.
أمي قالت:
“إنت بتسمعني؟”
قلت لها:
“أيوه يا أمي… سمعتك.”
قالت:
“طب إنت عرفت إيه؟”
بصيت لمراتي.
كانت واقفة بعيد ووشها كله خوف.
قلت لأمي:
“أنا عرفت إنك طلبتي من مراتي توقع على ورقة.”
سكتت.
قلت:
“وعرفت إنك قلتي لها ماتقوليش.”
قالت بسرعة:
“أنا كنت عايزة أحافظ على حق إخواتك.”
قلت:
“أي حق؟”
قالت:
“الشقة.”
أنا اتصدمت.
لأن الشقة اللي إحنا ساكنين فيها أنا ومراتي كانت من فلوس أبويا الله يرحمه، واتسجلت باسمي من سنين.
لكن أمي كانت دايمًا بتقول:
“الشقة دي لازم تفضل لأولادك… وإخواتك مايتظلموش.”
قلت لها:
“وإنتي كنتي عايزة مراتي توقع على إيه؟”
قالت:
“إقرار إنها مالهاش دعوة بالشقة لو حصل لك حاجة.”
سكت.
بصيت لمراتي.
هي كانت عارفة.
وأنا لأ.
قلت لأمي:
“وليه مراتي تحديدًا؟”
قالت:
“عشان هي مراتك… وأنا كنت خايفة لو حصل لك حاجة تدخل في الشقة وتمنع إخواتك من حقهم.”
هنا فهمت إن أمي كانت بتفكر في مستقبل أولادها كلهم بطريقتها.
لكن الطريقة كانت غلط.
قلت لها:
“يا أمي، كان ممكن تتكلمي معايا.”
قالت:
“كنت عارف إنك هترفض.”
قلت:
“وعشان كده ضغطتي على مراتي؟”
سكتت.
قلت:
“ولما رفضت توقع، بدأتي تكثري عليها الشغل؟”
قالت:
“أنا ماعملتش كده عشان الورقة.”
لكن صوتها كان متردد.
مراتي قالت:
“أنا مش عايزة مشاكل.”
قلت لها:
“إنتي اسكتي دلوقتي.”
أول مرة أقول لها كده.
مش زعلًا منها…
لكن لأني كنت عايز أخلص الكلام اللي بدأ من شهور.
قلت لأمي:
“أنا كنت فاكر إنك بتطلبي منها تساعدك.”
قالت:
“وهي فعلًا كانت بتساعدني.”
قلت:
“المساعدة حاجة، وإنك تخليها تقوم بكل شغل البيت وهي الوحيدة اللي بتشتغل حاجة تانية حاجة.”
قالت:
“هي ماقالتش لأ.”
قلت:
“لأنها بتحترمك.”
وبعدين قلت لها:
“سكوتها مش موافقة على كل حاجة.”
سكتت أمي.
وأول مرة حسيت إنها مش لاقية رد.
قلت لها:
“أنا مش هقطعك عني، ولا همنع مراتي من إنها تزورك، ولا هقول لها ماتساعدكيش.”
وبعدين كملت:
“لكن من النهارده مفيش طلبات على مراتي مخصوص، ومفيش شغل بيت كله عليها، ومفيش حد يقعد وهي تقوم تخدمه.”
أمي قالت:
“يعني إنت هتعلمني أتعامل مع مراتك؟”
قلت:
“لا يا أمي… أنا بطلب منك تحافظي على كرامتها زي ما أنا بحافظ على كرامتك.”
وسكتنا.
بعدها قفلت معاها.
مراتي كانت بتعيط.
قلت لها:
“إنتي ليه ماقولتيليش من الأول؟”
قالت:
“كنت خايفة أخسرك.”
قلت:
“إنتي ماكنتيش هتخسريني لو قلتي الحقيقة.”
قالت:
“كنت خايفة تقول إن أنا السبب.”
قربت منها وقلت:
“السبب مش إنك اتكلمتي… السبب إني أنا اتأخرت في إني أشوف.”
وسكتنا.
بعد يومين، أمي اتصلت بيا.
قالت:
“تعالى يا ابني.”
رحت لها لوحدي.
لقيتها قاعدة.
بصت لي وقالت:
“مراتك زعلانة مني؟”
قلت:
“هي مش بتعرف تزعل منك أصلًا.”
قالت:
“وأنت؟”
قلت:
“أنا زعلان.”
سكتت.
وبعدين قالت:
“أنا غلطت.”
الكلمة دي كانت صعبة جدًا عليا أسمعها من أمي.
قالت:
“أنا كنت شايفة إن مراتك هادية ومش بتقول لأ، فكنت بطلب منها حاجات أكتر.”
سكتت.
وبعدين قالت:
“يمكن استغليت سكوتها.”
أنا ماعلقتش.
قالت:
“بس والله ماكانش قصدي أهينها.”
قلت:
“أنا عارف يا أمي.”
قالت:
“أنا كنت فاكرة إن الست اللي تدخل بيت العيلة لازم تساعد.”
قلت:
“تساعد آه… لكن مش تبقى المسؤولة عن الكل.”
هزت راسها.
وبعدين قالت:
“هاتها.”
رجعت البيت وخدت مراتي ورحنا.
أول ما دخلنا، أمي قامت من مكانها.
وبصت لمراتي وقالت:
“حقك عليا.”
مراتي اتكسفت جدًا وقالت:
“مفيش حاجة يا ماما.”
أمي قالت:
“لأ… فيه.”
وقالت لها:
“من النهارده لو فيه حاجة أقدر أعملها أنا هعملها، ولو احتجت مساعدة هطلبها منك زي ما أطلبها من بناتي.”
مراتي عيطت.
وأمي حضنتها.
وأنا كنت واقف بعيد.
مش فرحان إن أمي اعتذرت بس…
كنت فرحان إن مراتي أخيرًا حسّت إن حد شاف تعبها.
بعدها بأيام حصل موقف صغير، لكنه بالنسبة لي كان أكبر دليل إن الأمور بدأت تتغير.
كنا قاعدين عند أمي.
السفرة خلصت.
مراتي قامت تلقائيًا عشان تشيل الأطباق.
أمي قالت لها:
“سيبيهم.”
مراتي قالت:
“لا يا ماما عادي.”
أمي قالت:
“قلت لك سيبيهم.”
وبصت لبناتها ومرات إخواتي وقالت:
“كلنا نقوم نلم السفرة.”
وقتها مراتي بصت لي.
وأنا ابتسمت لها.
لكن المفاجأة إن اللي حصل بعدها كان أهم من كل الكلام.
أمي نادتني على جنب وقالت:
“عايزة أقول لك حاجة.”
قلت:
“قولي.”
قالت:
“أنا كنت غلطانة في حاجة تانية.”
قلت:
“إيه؟”
قالت:
“أنا كنت فاكرة إن لما أخلي مراتك تعمل كل حاجة، كده أنا بحافظ على البيت وبربيها على إنها تبقى جزء من العيلة.”
سكتت.
وبعدين قالت:
“لكن اكتشفت إن العيلة مش إن واحد يخدم والباقي يقعد.”
الكلمة دي فضلت في دماغي.
لأنها كانت الحقيقة كلها.
مراتي ماكانتشي محتاجة حد يحارب أمي.
ولا كانت عايزة مني أقطع علاقتي بأهلي.
هي كانت محتاجة حاجة أبسط من كده بكتير…
كانت محتاجة جوزها يشوف تعبها قبل ما تضطر هي تطلب منه يشوفه.
وأنا اتعلمت حاجة عمري ما هنساها:
إن برّ الأم مش معناه إنك تسمح بظلم مراتك.
وإن وقوفك جنب مراتك مش معناه إنك تعق أمك.
ممكن تحافظ على أمك…
وفي نفس الوقت تحافظ على كرامة زوجتك.
وممكن تقول “لأ” لأمك بأدب، من غير ما تكون عاق.
وممكن تقول لمراتك “أنا شايف تعبك” من غير ما تحول البيت لمعركة.
أما الورقة؟
رجعتها لأمي.
وقلت لها:
“أي حاجة تخصني أو تخص بيتي، نتكلم فيها أنا وإنتي… لكن مراتي مش هتكون طرف في ضغط بينا.”
ومن يومها، الورقة اتقفلت.
والأهم…
مراتي نفسها بطلت تقول “حاضر” لكل حاجة وهي ساكتة.
بقت لو تعبانة تقول:
“معلش يا ماما، مش هقدر النهارده.”
وأمي بقت تقول:
“ولا يهمك يا بنتي.”
وأنا عرفت إن أكبر مشكلة ماكانتشي في الشغل…
كانت في إننا كلنا كنا فاهمين السكوت غلط.
مراتي كانت فاكرة إن السكوت احترام.
وأمي كانت فاكرة إن السكوت موافقة.
وأنا كنت فاكر إن طالما مراتي مش بتشتكي يبقى الدنيا تمام.
لحد ما فهمت متأخر…
إن أكتر إنسان ممكن يتعب في حياتك مش دايمًا هو اللي بيشتكي… ساعات بيكون هو اللي كل ما تسأله يقول لك: “أنا كويسة.”
ومن يومها بقيت كل ما أشوف مراتي بتعمل حاجة أقول لها:
“إنتي محتاجة مساعدة؟”
ولو قالت:
“لا.”
بقيت أسألها تاني:
“متأكدة؟”
لأن أحيانًا السؤال التاني…
بيخلي الإنسان يقول الحقيقة اللي كان خايف يقولها من الأول.
واللي حصل علّمني إن البيت مش بيتبني على مين يخدم مين… البيت بيتبني على الرحمة والاحترام، وكل واحد يعرف حقه وواجبه من غير ما يظلم غيره.
تمت
#حكاوي_شيمو
إيه رأيكم؟ هل الزوج كان لازم يتدخل من البداية، ولا كان تصرفه في النهاية كفاية؟
اكتبوا رأيكم في التعليقات
ولو الحكاية عجبتكم، ماتنسوش التفاعل والمشاركة.
والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ




