منوعات

حكايات بسمه

الراجل ما ردش.
وفجأة سمعنا صوت سارة من ورايا:
— أيوه يا آدم.
اتجمدت.
لفيت ببطء.
كانت واقفة عند باب المطبخ.
اتغيرت كتير.
لكن عينيها كانوا زي ما هم.
نفس العينين اللي شفت فيهم الحب والغضب والخذلان.
بصيت لها وقلت:
— ليه؟
ما ردتش.
قربت خطوة.
— ليه يا سارة؟
قالت بهدوء:
— لأنك يومها ماكنتش عايز تسمع.
ضحكت بسخرية موجوعة.
— يعني كنتِ حامل مني وسكتي؟
قالت:
— ما سكتش.
سكتُّ.
كملت:
— حاولت أقولك.
افتكرت.
موعد الدكتور.
كلامها.
«أنا مش محتاجة سواق… أنا محتاجة جوزي».
حطيت إيدي على وشي.
— كنتِ حامل وقتها؟
هزت رأسها.
— كنت في الشهر التالت.
نزلت دموعي من غير ما أحس.
— طب ليه ماقلتيش بعد الطلاق؟
بصتلي طويلًا وقالت:
— قلت لك.
— إمتى؟
— بعد الطلاق بأسبوع.
— وأنا ماعرفتش!
— عارفة.
— يعني إيه عارفة؟
قالت:
— اتصلت بيك خمس مرات.
بدأت أفتكر الأيام دي.
كنت مسافر.
غيرت رقمي.
قفلت كل طرق التواصل معاها.
وقتها كنت فاكر إنها بتحاول ترجعني.
لكنها كانت بتحاول تقول لي إن عندي طفلين.
قلت:
— ليه ما بعتيش رسالة؟
ابتسمت بحزن.
— بعت.
سكت.
— وإنت ما رديتش.
بصيت لصاحبي.
فهمت فجأة ليه كان ساكت من أول ما عرف.
سألته:
— إنت كنت عارف؟
قال:
— عرفت من يومين بس.
رجعت بصيت لسارة.
— والراجل ده؟
الراجل قرب وقال:
— اسمي دانيال.
مد إيده.
لكنني ما سلمتش.
قلت:
— إنت مين بالنسبة لسارة؟
سارة هي اللي ردت:
— دانيال أنقذ حياتنا.
بصيت لها باستغراب.
كملت:
— بعد ما ولدت التوأم، كنت لوحدي.
— كان معايا طفلين، وشغل، وإيجار، ومفيش أي حد من أهلي هنا.
— دانيال كان زميلي في المستشفى.
بصيت له.
فقال:
— سارة كانت بتشتغل لحد آخر لحظة في حملها.
وبعد الولادة حصلت لها مشكلة صحية.
احتاجت عملية.
وأنا ساعدتها.
وبعد فترة اتجوزنا.
حسيت بصدمة جديدة.
— واتجوزتوا؟
سارة هزت رأسها.
— أيوه.
بصيت للطفلين.
— وهما عارفين مين أبوهم؟
سارة قربت منهم.
قالت للبنت:
— ليلي… تعالي.
البنت قربت منها.
سارة بصت لي وقالت:
— عمرهم ما نادوا دانيال بابا.
قلبي خبط.
— ليه؟
قال دانيال:
— لأن سارة من أول يوم قالت لهم إن أبوهم الحقيقي موجود… بس بعيد.
بصيت له بدهشة.
— إنت وافقت؟
ابتسم.
— أنا حبيت سارة، وحبيت الطفلين، لكن عمري ما حاولت أمسحك من حياتهم.
بصيت لسارة.
— طب ليه ما رجعتيش مصر؟
قالت:
— رجوعنا كان معناه إنك تدخل حياتنا فجأة.
— وكنت خايفة.
— خايفة مني؟
— لأ.
وسكتت لحظة.
— كنت خايفة عليك.
ضحكت بمرارة.
— عليا؟
قالت:
— كنت عارفة إنك هتحاول تاخدهم.
— دول ولادي!
قالت:
— وأنا عارفة.
— يبقى كان لازم أعرف.
دموعها نزلت.
— عشان كده أنا مستعدة أصلح الغلط.
قربت منها.
— يعني إيه؟
قالت:
— لو عايز تدخل حياتهم… هتدخل.
سكت.
بصيت للطفلين.
الولد قرب مني.
وقف قدامي.
وبص في وشي.
وبعدين قال:
— إنت آدم؟
ركبتي خانتني.
نزلت لمستواه.
— أيوه.
قال:
— ماما قالت إنك بابا.
ماقدرتش أتكلم.
مد إيده الصغيرة ولمس وشي.
وقال:
— إنت شبهنا.
ضحكت وسط دموعي.
— وأنا شايف إنكم شبهي أكتر.
البنت قربت هي كمان.
ولأول مرة…
حضنت طفل من أطفالي.
ثم التاني.
حسيت إن السنين اللي ضاعت رجعت تضربني مرة واحدة.
كل عيد ميلاد.
كل خطوة.
كل ضحكة.
كل ليلة ناموا فيها وأنا بعيد.
كلها عدت قدامي.
بعدها بأيام، بدأت إجراءات إثبات النسب.
والنتيجة أكدت اللي قلبي كان عارفه.
الطفلين أولادي.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في حاجة تانية.
سارة كانت محتفظة بصندوق صغير.
فتحته قدامي.
جواه صور السونار.
أول صورة للتوأم.
أساور المستشفى.
صور أول يوم ولادة.
وكل شهر صورة.
وفي آخر الصندوق…
كانت فيه رسائل.
رسائل كتبتها لي.
قالت:
— كنت بكتبلك كل حاجة.
فتحت أول رسالة.
«آدم… النهارده أول مرة سمعت فيها نبض طفلينا.»
الرسالة التانية:
«آدم… الدكتور قال إنهم اتنين.»
والتالتة:
«آدم… البنت شبهك.»
وقفت.
ماقدرتش أكمل.
سألتها:
— ليه احتفظتي بيهم؟
قالت:
— عشان لو في يوم سألتني إذا كنت حرمتك منهم… أقدر أقولك الحقيقة.
بصيت لها.
— وإيه الحقيقة؟
قالت:
— أنا ماحرمتكش منهم يا آدم.
— إنت اللي حرمت نفسك.
الكلمة نزلت عليا أقسى من أي حاجة.
لأني عرفت إنها عندها حق.
رجعت مصر بعدها بأسبوع.
لكن المرة دي…
ما رجعتش لوحدي.
رجعت وأنا فاتح صفحة جديدة.
أمي أول ما عرفت الحقيقة، كانت عايزة تسافر فورًا.
لكنني وقفت قدامها وقلت:
— مش هنخطف أولادي من أمهم.
— ومش هنحول حياتهم لمعركة.
— أنا ضيعت تلات سنين بسبب غروري.
— مش هضيع يوم زيادة بسبب غرور حد تاني.
وبعد شهور…
سارة والتوأم رجعوا مصر لفترة.
مش عشان ترجع لي كزوجة.
لكن عشان الأطفال يعرفوا بلدهم وأهلهم.
وفي يوم عيد ميلادهم الثالث…
عملنا حفلة صغيرة.
سارة كانت واقفة بعيد.
دانيال كان موجود.
وأنا كنت ماسك إيد التوأم.
ابني قال لي:
— بابا… السنة الجاية هتكون معانا برضه؟
بصيت له.
وضغطت على إيده.
— السنة الجاية وكل سنة بعدها.
أما بنتي فحضنت رجلي وقالت:
— وما تروحش تاني.
نزلت لمستواها.
وحضنتها.
وقلت:
— مش هروح.
في اللحظة دي، بصيت لسارة.
ما قالتش حاجة.
لكن عينيها قالت كل شيء.
بعد ما الأطفال ناموا، وقفت جنبها.
قلت:
— سارة.
— نعم؟
— أنا عارف إن اللي بينا انتهى.
سكتت.
— بس أنا آسف.
دموعها نزلت.
وقالت:
— وأنا كمان آسفة.
ابتسمت.
— يمكن لو كنا عرفنا نتكلم من البداية…
قاطعتني:
— كان كل شيء اتغير.
هزيت رأسي.
— بس على الأقل… أولادي رجعوا لي.
قالت:
— وهم ماكانوش مستنيين غير إنك ترجع.
بعدها مشيت.
وأنا لأول مرة فهمت معنى جملتها القديمة:
«في يوم يا آدم… هتعرف إنت خسرت إيه بإيدك.»
كنت فاكر إنها بتتكلم عن نفسها.
لكنها كانت بتتكلم عن طفلين.
عن عمر كامل.
عن أبوة ضاعت ثلاث سنين…
ورجعت في لحظة واحدة.
ومن يومها، بقيت كل ليلة قبل ما أنام أبص لصورة التوأم.
مش عشان أفتكر اللي فات…
لكن عشان أفتكر درس عمري كله:
**أحيانًا الإنسان ما بيخسرش أغلى حاجة في حياته لأن حد أخدها منه…
بيخسرها لأنه كان مشغول عنها وهو فاكر إنها هتفضل مستنياه للأبد.**
أما سارة؟
ما رجعتش مراتي.
لكنها فضلت أم أولادي…
وأنا أخيرًا بقيت أب بجد.
والتوأم؟
كانوا أول حاجة في حياتي…
ما سمحتش لنفسي أخسرها مرتين.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى