روايات وقصص

رجل الاعمال زعق

— يا حاج سليم؟

— عايز أعرف كل حاجة عن هند حسن.

الراجل اتفاجئ:

— هند؟

— أيوه.

— هي شغالة هنا بقالها تلات سنين.

— عندها بنت؟

— أيوه.

— أبو البنت فين؟

الراجل اتردد:

— على حد علمي مش موجود في حياتهم.

سليم سكت:

— ومين اللي طلب منها تجيب البنت النهارده؟

— هي كانت مضطرة، يا فندم. الحضانة اتصلت بيها الصبح وقالت إن بنتها سخنت، ومفيش حد يقدر ياخد باله منها.

سليم رفع عينه:

— وسابت البنت معاه فين؟

— معاها طول اليوم.

سليم سكت لحظة. وبعدين سأل:

— مرتبها كام؟

مدير البيت قال الرقم. سليم عبس. كان قليل جدًا بالنسبة لعدد الساعات اللي بتشتغلها. لكن الموضوع ماكانش هو المرتب. كان فيه حاجة في كلام البنت الصغيرة علقت في دماغه: “ماما بتشتغل عشان تجيبلي لبن وعيش.”

ولأول مرة من سنين، سليم بدأ يسأل نفسه: هو فعلًا كان بيعاقب موظفة غلطت؟ ولا كان بيصب غضبه على واحدة أضعف منه؟

لكن قبل ما يلاقي إجابة، وصله اتصال من رقم مجهول. الرجل اللي على الطرف التاني قال:

— يا حاج سليم، عندنا مشكلة.

— إيه؟

— حد سرّب مكان الحسابات اللي اتسحب منها الفلوس.

سليم وقف:

— مين؟

— مش عارفين لسه.

ثم جاء صوت آخر في الخلفية:

— وفيه حاجة أغرب.

سليم سكت:

— إيه؟

— الاسم اللي ظهر في التسجيلات… كان هند حسن.

سليم بص ناحية باب المكتب. لأول مرة، الشك دخل قلبه. هل هند فعلًا مجرد شغالة مظلومة؟ ولا وجودها في بيته من الأساس كان جزء من خطة أكبر؟ والأخطر: ليه بنتها الصغيرة كانت مصرة إن أمها ما غلطتش؟

سليم واقف في وسط المكتب، الموبايل على ودنه والصدمة شلت لسانه للحظات. الاسم اللي ظهر في التسجيلات… هند حسن. سليم قفل الخط، عينيه تحولت لكتلة من النار. التردد والذنب اللي حس بيهم قدام البنت الصغيرة اتخرقوا في ثانية، وحل محلهم الشك والاحتراس اللي عاش بيه طوال 48 سنة.

خرج سليم من المكتب بخطوات ثقيلة وحادة، ونادى بصوت هز أركان الفيلا:

— عاطف!

مدير البيت جرى عليه وهو خايف:

— أؤمر يا سليم بيه؟

— هند وبنتها فين؟

— فوق في أوضة العاملين يا فندم، بتجهز بنتها عشان تروح.

— محدش فيهم يخرج من البيت ده!

سليم طلع السلم بعصبية، ووراه اتنين من الحراس. فتح باب الأوضة فجأة. هند كانت قاعدة على السرير بتلبس ليلى جزمتها الثانية، وأول ما الباب اتفتح بالمنظر ده، اتفضت وقفت بسرعة وحضنت بنتها.

سليم بص لهند بنظرة مرعبة وقال بصوت هادي وزي الموس:

— هند… الفلوس اللي اتسحبت من حساب شركة النقل، راحت فين؟

هند بصت له بذهول وعدم فهم:

— فلوس إيه يا سليم بيه؟! أنا مش فاهمة حاجة!

سليم قرب منها خطوة، وطلع الموبايل وحطه قدام وشها:

— الاسم اللي تسجل في نظام السحب البنكي للشركة كان باسمك أنتِ وبرقم بطاقتك! أنتِ شغالة هنا بقالك ثلاث سنين عشان تسرقيني يا هند؟

هند دموعها نزلت بسرعة وتهز رأسها بنفي قاطع:

— والله العظيم ما حصل! أنا عمري ما أخذت جنيه مش من حقي! أنا معرفش حاجة عن أرقام حسابات الشركة ولا بتتعمل إزاي أصلًا!

ليلى الصغيرة شدّت قميص سليم بإيدها الصغيرة وصرخت بدموع:

— سيب ماما! ماما مش حرامية!

سليم نزل عينه للبنت، قلبه اتوجع للحظة، بس الشك كان أقوى. بص للحارس وقال:

— فتشوا الأوضة ومحتوياتها فورًا.

الحراس بدأوا يفتشوا الشنط والدواليب. وهند واقفة تبكي وبتحضن ليلى اللي كانت بتخبي وشها في صدر أمها.

وفجأة… الحارس طلع من شنطة هند اليدوية مظروف بني مقفول. فتح الحارس المظروف وشه اتغير:

— سليم بيه… فيه دفتر حسابات بنكية برقم الحساب المسروق، ومبلغ 50 ألف جنيه كاش!

هند صرخت بصوت يقطع القلب:

— الفلوس دي مش بتاعتي! والله العظيم ما أعرف المظروف ده جه في شنطتي إزاي!

سليم مسك المظروف، وشه بقى أسود من الغضب:

— الأدلة واضحة يا هند. أنتِ مش بس كنتِ بتخونيني، أنتِ كنتِ بتستغلي بنتك الصغيرة عشان تلعبي دور الضحية قدامي وتكسري عينيا!

ليلى رفعت رأسها وبصت لسليم بعيون مليانة دموع وقالت بصوت طفولي حزين:

— إنت راجل كداب… ماما مش حرامية، العاطف هو اللي حط الورقة في شنطة ماما لما كنا في المطبخ!

الأوضة كلها سكتت! سليم اتجمد مكانه، وبص لليلى بدقة:

— قلتي إيه يا ليلى؟

ليلى أشارت بصبعها الصغير على عاطف مدير البيت اللي كان واقف ورا سليم عند الباب:

— المستر عاطف ده… لما ماما كانت بتجيب العصير، فتح الشنطة وحط فيها الظرف البني ده، وأنا شفته بس هو قال لي دي مفاجأة لماما وما أقولش لحد!

عاطف وشه اتقلب أصفر زي الليمونة، وبدأ يتراجع لورا وارتبك:

— البنت بتكدب يا سليم بيه! دي طفلة ومش فاهمة حاجة وأمها محفظاها الكلام ده!

ليلى صرخت بصوت عالي وهي بتبكي:

— أنا مش بكدب! إنت حطيته وكان معاك موبايل بتتكلم فيه مع الأستاذ سامح!

اسم سامح نزل على سليم زي الصدمة! سامح… هو الأستاذ اللي خبط هند في الصالة وخلى العصير يقع من إيدها قبل ساعة! وهو نفسه الموظف المالي الكبير في الشركة اللي سليم كان شاكك فيه من الأول!

سليم بص لعاطف بنظرة مرعبة، وجذب عاطف من ياقة قميصه بكل قوته:

— البنت الصغيرة دي مش هتعرف اسم سامح ولا هتعرف تفاصيل زي دي يا عاطف! انطق… أنت وسامح عملتوا إيه؟!

عاطف بدأ يترعش ورجليه مش شايلاه، ووقع على ركبه قدام سليم وهو بيبكي:

— سامح هو اللي أجبرني يا سليم بيه! سامح هو اللي سحب الفلوس باستغلال بيانات بطاقة هند اللي في ملفات الموظفين، وأداني الظرف وقال لي حطه في شنطتها عشان لما التفتيش يفتح، التهمة تلبس في هند ونخلص منها وتغطي على سرقتنا!

هند شهقت ووقعت على السرير مش مصدقة التآمر اللي اتعمل ضدها. سليم ساب عاطف ورمى الظرف على الأرض، وبص للحراس بصوت كالصخر:

— كلبشوا عاطف ده، واطلبوا الشرطة فورًا تقبض عليه وعلى سامح في الشركة!

بعد ساعتين… كانت الفيلا هادية تمامًا. الشرطة أخذت عاطف وسامح بعد ما اعترفوا بكل حاجة، وثبتت براءة هند بالكامل.

في الصالون الكبير… سليم كان قاعد على الكنبة الجلد، باصص للحيطة وسرحان في كل اللي حصل. باب الصالون اتفتح بهدوء. هند كانت نازلة وشايلة شنطتها وبنتها ليلى في إيدها، وجاية تطلب تسوية حسابها وتستأذن عشان تمشي.

هند قالت بصوت واطي ومكسور:

— سليم بيه… أنا آسفة على كل الدوشة دي. أنا جاهزة أمشي دلوقتي.

سليم قام وقف. مشي بخطوات بطيئة ناحيتهم. وقف قدام هند، وبعدين نزل على ركبه على الأرض… قدام الطفلة الصغيرة ليلى.

ليلى بصت له بعيونها الواسعة وهي ماسكة دبدوبها الأصفر. سليم الدمنهوري… الراجل اللي عمره ما اعتذر لمخلوق في حياته، بص لليلى بعيون مليانة ندم وإنسانية كان ناسيها من سنين، وقال بصوت دافي وواضح:

— أنا آسف يا ليلى… إنتِ كان عندك حق. أنا كنت وحش، وزعلت ماما، وكنت ظالم.

ليلى ابتسمت ابتسامة صغيرة بريئة، ومدت إيدها الصغيرة حطتها على خده:

— خلاص… أنا سامحتك.

سليم بص لهند وقام وقف، وقال بنبرة جادة وصادقة:

— هند… أنتِ مش هتمشي من هنا.

هند اتفاجئت:

— بس يا فندم…

سليم قاطعها:

— أنتِ من النهاردة مش شغالة في البيت. أنتِ هتمسكي إدارة خدمات القصر بالكامل بمرتب يضمن لك ولأمك وبنتك حياة كريمة. وليلى… ليلى هتروح أفضل مدرسة في القاهرة على نفقتي الخاصة.

هند دموع الفرحة نزلت من عينيها وما كانتش مصدقة. سليم بص لليلى وابتسم لأول مرة من سنين من قلبه:

— البنت دي علمتني النهاردة درس الشجاعة والعدل اللي نسيتها في زحمة الفلوس والقوة.

وعاشت هند وليلى في أمان وعز، وتغير سليم الدمنهوري لأول مرة في حياته، بفضل طفلة صغيرة عندها أربع سنين… كسرَت كل القواعد بصدقها وحبها لأمها.

تمت

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى