روايات وقصص

روحت اتبرع بكليتى

الحمد لله إنها عاشت.
نظر إليّ عمر.
حتى بعد كل اللي حصل؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
أنا مش عايزة أبقى زيهم.
أما أحمد، فقد بدأت حياته تنهار قطعة قطعة.
انتهى زواجه الثاني قانونيًا بعد اكتشاف أنه كان يخفي زواجه الأول.
ثم واجه قضايا متعددة بسبب التزوير والتلاعب بالمستندات ومحاولة إجراء عملية تبرع تحت معلومات غير صحيحة، إلى جانب وقائع مالية أخرى كشفتها التحقيقات.
لم أذهب إلى المحكمة إلا مرات قليلة.
وفي كل مرة كنت أجلس بهدوء.
كان ينظر إليّ من بعيد.
وفي إحدى الجلسات، طلب أن يتحدث معي.
وافقت.
جلس أمامي.
كان مختلفًا تمامًا.
وجهه شاحب.
ملامحه متعبة.
قال
سلمى.
لم أجب.
أنا آسف.
ظللت صامتة.
قال
أنا عارف إن كلمة آسف مش هتغير حاجة.
قلت
صحيح.
خفض رأسه.
أنا كنت فاكر إني أقدر أتحكم في كل حاجة.
لكن خسرت كل حاجة.
نظرت إليه.
إنت ما خسرتنيش يوم دخلت غرفة العمليات.
رفع عينيه.
قلت
إنت خسرتني قبلها بسنين.
سكت.
ثم قلت
يوم قررت إنك من حقك تعيش حياتين وتطلب مني أنا أدفع ثمن حياتك التانية.
لم يجد جوابًا.
وقف الحارس بجانبه.
وقبل أن يرحل، قال
هل ممكن تسامحيني؟
نظرت إليه طويلًا.
ثم قلت
المسامحة حاجة، والرجوع حاجة تانية.
أنا سامحت نفسي إني صدقتك ست سنين.
لكن حياتي من هنا ورايح مش هتبقى مرتبطة بيك.
ثم انتهت المقابلة.
ولم أره بعد ذلك.
بعد عام، كنت أقف أمام مرآة في شقتي الجديدة.
لم تكن كبيرة.
لكنها كانت لي وحدي.
اشتريتها من مالي الخاص بعد تسوية حقوقي المالية.
وضعت على الشرفة مجموعة من النباتات الصغيرة.
وفي الصباح، كنت أستيقظ دون أن أخشى صوت هاتف يرن في منتصف الليل.
دون أن أتساءل أين ذهب أحمد.
دون أن أحتار في تفسير بروده.
ودون أن أقارن نفسي بامرأة أخرى.
كنت فقط سلمى.
للمرة الأولى منذ سنوات، كنت أعرف من أنا.
في أحد الأيام، جاء عمر إلى المنزل.
كان يحمل ظرفًا.
إيه ده؟
قال
افتحيه.
فتحته.
وجدت داخله خطاب قبول.
حدقت فيه.
دي إيه؟
قال
منحة لدراسة إدارة المستشفيات.
ضحكت.
أنا؟
إنتِ.
بس أنا مش دكتورة.
مش لازم.
ثم ابتسم.
إنتِ من زمان بتحبي المجال الطبي.
نظرت إلى الورقة.
كانت فرصة كنت أظن أنها مستحيلة.
لكنني قررت أن أجرب.
بدأت الدراسة.
ثم بدأت أعمل.
وبعد عامين، أصبحت أعمل في مؤسسة تهتم بحقوق المرضى والمتبرعين.
كنت أساعد الناس على فهم الأوراق التي يوقعونها.
كنت أشرح لهم حقوقهم.
كنت أقول لكل شخص
قبل ما تمضي، اقرأ.
ولم أكن أحكي قصتي إلا نادرًا.
لم أكن أريد أن أعيش طوال عمري باعتباري المرأة التي كاد زوجها يأخذ كليتها.
كنت أريد أن أكون المرأة التي نجت.
أما منة، فقد تغيرت علاقتنا تمامًا.
في البداية، كانت تشعر بالخجل من كل ما حدث.
لكنني أخبرتها ذات يوم
إنتِ مش مسؤولة عن قرارات أخوكي.
بكت.
ثم احتضنتني.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت علاقتنا هادئة.
كانت تزورني من وقت لآخر.
وفي إحدى الزيارات قالت
سلمى، أنا نفسي أبدأ حياة جديدة.
قلت
ابدئي.
قالت
عايزة أشتغل.
ضحكت.
اشتغلي.
وبالفعل، بدأت تعمل في مجال التعليم.
بعد سنوات، أصبحت مدرسة ناجحة.
وكانت كلما تحدثت معي تقول
لو كنتِ كرهتيني وقتها، كنت هافضل شايلة ذنب مش ذنبي.
فأقول لها
أنا اخترت أُشيل من حياتي الحاجة اللي وجعتني، مش أُشيل ناس ملهمش ذنب.
وفي يوم هادئ من أيام الربيع، كنت أجلس في شرفة منزلي.
كانت الشمس تغرب.
والسماء تتحول إلى لون ذهبي جميل.
رن هاتفي.
كان عمر.
أيوه؟
قال
جاهزة؟
لإيه؟
انزلي.
ضحكت.
إنت فين؟
تحت البيت.
نزلت.
وجدته واقفًا بجوار سيارة، وبجانبه امرأة تبتسم بخجل.
قال
دي مريم.
نظرت إليّ. (ملاحظة: تعديل الضمير ليطابق سياق نظر بطلة القصة إليها).
ثم إليها.
ثم ضحكت.
أخيرًا!
احمر وجه عمر.
إنتِ مالك؟
ولا حاجة.
ثم نظرت إلى مريم.
خدي بالك منه، ده عصبي جدًا.
ضحك عمر.
أنا ندمان إني جيت.
ركبنا السيارة.
وفي الطريق، شعرت بشيء غريب.
دفء.
راحة.
أمان.
أشياء بسيطة جدًا، لكنها كانت بالنسبة لي كنزًا.
بعد أشهر، تزوج عمر.
وفي ليلة الزفاف، كنت أقف بجانبه.
نظر إليّ وقال
فاكرة يوم العملية؟
قلت
إزاي أنساه؟
ابتسم.
أنا كنت مرعوب.
وأنا كنت فاكرة إني هموت.
سكت قليلًا.
ثم قال
بس من اليوم ده، كل حاجة اتغيرت.
نظرت إلى العروسين.
أيوه.
وأهم حاجة؟
فكرت للحظة.
ثم قلت
إني عرفت إن إنقاذ نفسي مش أنانية.
ابتسم عمر.
دي أهم حاجة.
مرت خمس سنوات أخرى.
كنت قد أسست مشروعًا صغيرًا لمساعدة المرضى في فهم إجراءات التبرع وزراعة الأعضاء.
في يوم افتتاح الفرع الجديد، وقفت أمام مجموعة من الموظفين.
كان على الحائط خلفي شعار المؤسسة.
قلت لهم
أي شخص يدخل عندنا وهو خائف، لازم يخرج وهو فاهم حقوقه.
أي ورقة مش واضحة، نشرحها.
وأي قرار طبي لازم يكون مبنيًا على معرفة وموافقة حقيقية.
صفق الجميع.
نظرت إلى الحضور.
لم يعد هناك غضب في قلبي.
لم يعد هناك سؤال بلا إجابة.
حتى اسم أحمد لم يعد يؤلمني.
أصبح مجرد فصل قديم.
فصل انتهى.
في المساء، عدت إلى البيت.
وضعت حقيبتي على الكرسي.
خلعت حذائي.
ثم فتحت النافذة.
كانت المدينة مضاءة أمامي.
أخرجت من درج مكتبي ورقة قديمة.
كانت صورة من إقرار التبرع الذي وقعت عليه يوم العملية.
نظرت إليها.
ثم مزقتها.
قطعة.
ثم أخرى.
ثم ألقيتها في سلة المهملات.
لم أفعل ذلك لأنني أكره الماضي.
بل لأنني لم أعد بحاجة إلى الاحتفاظ به.
ذهبت إلى المرآة.
رأيت امرأة مختلفة.
لم تكن مكسورة.
لم تكن ضعيفة.
ولم تكن تلك الزوجة التي تنتظر أن يتغير رجل آخر حتى تستطيع أن تكون سعيدة.
كانت امرأة اختارت نفسها.
رن جرس الباب.
فتحت.
كانت مريم تحمل باقة زهور، وخلفها عمر ومنة.
قالت مريم
مفاجأة!
ضحكت.
إيه المناسبة؟
قال عمر
مفيش مناسبة.
ثم دخلوا جميعًا.
امتلأ البيت بالضحك.
بالأصوات.
بالأحاديث.
وبينما كنت أضع الزهور في إناء، نظرت من النافذة مرة أخرى.
وتذكرت اليوم الذي كنت فيه مستلقية فوق طاولة العمليات، عاجزة عن الحركة، أعتقد أن حياتي انتهت.
لكنها لم تنتهِ.
في ذلك اليوم تحديدًا، بدأت حياة جديدة.
حياة لم أكن فيها زوجة أحمد.
ولا أخت أحمد.
ولا المرأة التي يجب عليها إنقاذ الجميع.
كنت سلمى.
فقط سلمى.
وهذه المرة…
كنت أنا من يقرر مصيري.
أما أحمد، فقد حصل على النتيجة التي صنعتها اختياراته بنفسه، وقضى سنواته التالية بعيدًا عني، بينما بدأت أنا سنواتي التالية أتعلم، وأعمل، وأضحك، وأسافر، وأبني بيتًا يمتلئ بالناس الذين أحبهم.
وفي ليلة هادئة، أغلقت باب منزلي.
وضعت المفتاح على الطاولة.
ثم ابتسمت.
لم أعد أخاف من الغد.
لأنني أخيرًا فهمت شيئًا بسيطًا
أحيانًا، الشيء الذي نظنه نهاية حياتنا…
يكون في الحقيقة أول يوم نبدأ فيه العيش من أجل أنفسنا.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى