
حماتي وقفت ورانا وأكدت بلهجة حنينة سمّها مدفون في الكلام:
* “يومين اتنين بس يا سحر يا بنتي، لحد ما نلاقي شقة تانية وربنا يفرجها عليها.. عيب تطلعينا قدام الناس من غير أصل.”
لقيت نفسي محاصرة بين عين حماتي اللي بتلمع باللؤم، ودموع أخت جوزي المصلوبة على باب الغدر، وكسرة جوزي اللي اختار يشتري خاطر أهله على حساب حقي وكرامتي. حسيت بغصة سدت حلقي، ومبقاش عندي طاقة للمناهدة أكتر من كدة وسط تكتلهم ده.
بلعت المرار وسكتت.. بصيت لجوزي وقولتله بنبرة باردة ومرعبة:
* “يومين يا ابن الناس.. تمانية وأربعين ساعة، لو رجليها فضلت في الشقة دي بعدها، ما تلومش غير نفسك على اللي هيحصل.”
لفيت ضهري ودخلت شقتي وقفلت الباب ورايا، بس قلبي كان حاسس إن السكوت ده مش هيعدي على خير، وإن اليومين دول ما هما إلا أول حبل بيتلف حوالين رقبة حقي عشان يدفنوه بالحياة.
مرت التمانية وأربعين ساعة، وجه وراها أسبوع، وجوزي كل ما أفتحه في الموضوع يتهرب بعينه ويقولي: “السوق نايم يا سحر، الإيجارات نار ومش لاقي حاجة على قد الإيد.. اصبري بس كام يوم.”
والكام يوم جروا وراهم أسابيع، واليومين بقوا شهر، والشهر كرّ وراه شهور لحد ما كملت خمس سنين !
خمس سنين وأنا بشوف شقا عمري ودهبي اللي اتباع بيتبهدل قدام عيني يوم ورا يوم. الشقة اللي كنت بحلم أفرشها وأوضبها لابني، بقت مأوى ليهم بحكم الأمر الواقع. العفش القديم المكسر ملى الصالة، الحيطان اتبهدلت وشخابيط عيالها ملت المداخل، وريحة القلي والزفارة طالعة على السلم ليل نهار.. والأدهى من ده كله، عين أخت جوزي اللي اتكسرت في الأول، رجعت وقحة وأقوى من الأول بمية مرة.
مبقتش حتى بتعمل حساب لمروري على السلم؛ تقف مع الجارات تشتكي من غلاء المعيشة، وتتكلم عن الشقة بصيغة “شقتي وعفشي وبيت أبويا”، ولا كأنها قبضت تمنها عِد وقبض بالمليم! وحماتي كانت الحامي والضامن، كل ما أتنفس أو أعلي صوتي، تقلب الدنيا مناحة وتملى البيت صويت: “عايزة تطردي أخت جوزك؟ عايزة تشردي ولادنا يا قاطعة الأرحام؟”
وجوزي؟ جوزي دفن راسه في الرمل تماماً.. اتعود على الوضع، وبقى يعتبر مطالبتي بحقي نوع من “النكد” اللي بيهدد استقرار البيت. كل ما أقوله “فين العقد؟ فين التسجيل؟ فين الشقة اللي دافعين فيها دمنا؟”، يرد ببرود يفرس: “أهو ساترين أختي وعيالها، هتاخدي ثوابهم.. وأهي الشقة في العمارة مش هتهرب!”
لحد ما جه اليوم اللي طفح فيه الكيل، اليوم اللي عرفت فيه إن سكوتي سنة كاملة ما كانش غير غباء دفع تمنه من كرامتي.
كنت نازلة من شقتي رايحة مشوار، وسمعت صوت ضحك عالي طالع من شقتي اللي هما قاعدين فيها.. وقفت لما سمعت صوت راجل غريب جوة! الباب كان موارب كالعادة، وبصيت من الفتحة.. لقيت أخت جوزي قاعدة مع راجل، وبتتفق معاه على توضيبات في الشقة:
* “بص يا أسطى، احنا عايزين نكسر الحيطة دي ونفتح المطبخ أمريكاني، ونغير دهان الأوض عشان أعمل أوضة نوم جديدة!”
الدم غلي في راسي لدرجة حسيت بنبضه في وداني.. دي مبقتش قعدة مؤقتة، دي بتتصرف كمالك أصيل، بتجدد وتكسر في ملكي اللي مش دافعة فيه قرش صاغ! في اللحظة دي بالذات، طارت من نافوخي آخر ذرة صبر، واستوعبت الحقيقة العارية اللي كنت بهرب منها: الطيب في الزمن ده بيتداس عليه، واللي سكت سنة هيسكت العمر كله لو ما حطش حد للمهزلة دي بإيده.
زقيت الباب برجلي بكل غل، ودخلت وراسي مرفوعة وعيني فيها شرار يهد عمارة بحالها.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”


