
شفت جوزي خارج بالليل مع مديرته في الشغل، وافتكرت إنه بيخوني لحد ما جتلي مكالمة من المستشفى كشفت المستور، وعرفت السر اللي كانت بتعمله فيه من ورايا.
الليلة اللي شفت فيها جوزي داخل كافيه في المهندسين مع واحدة زميلته من الشركة، حسيت إن كل السنين اللي وقفت فيها قصاد أهلي ودافعت عنه بتتهد فوق دماغي في لحظة.
كان لسه باعتلي رسالة قبلها بثلث ساعة هتأخر في الشغل تاني يا مريم، عندنا تقفيل حسابات وشكلي مش هروح قبل حداشر.
كنت وقتها في عشا عمل على بعد شوارع بسيطة من المكان. ولما لمحته بيعدي الشارع جنب الست دي، قريبين من بعض بشكل مريب وعينهم على بعض باهتمام، رفعت التليفون وطلبت رقمه وأنا عيني عليه وما نزلتهاش.
شفته وهو بيطلع الموبايل من جيبه. رد، فسألته بهدوء يسبق العاصفة إنت فين؟ في المكتب يعني نزلنا ناكل لقمة سريعة جنب الشغل وراجعين نكمل.
كان بيكدب.
الست دي كانت مدام نيرة، مديرة العمليات في شركة والدي.
فضلت أسابيع أحاول أقنع نفسي إن تأخير أحمد ده تمن طبيعي عشان يثبت نفسه ويستحق الفرصة اللي خدها. والدي من البداية كان رافض جوازنا تماماً. أحمد كبر يتيم في دار رعاية، كافح عشان يدرس وعمل ورشة صغيرة لتصنيع أثاث المطاعم بعرقه. أهلي دايماً كانوا شايفين
إن الفوارق الاجتماعية بينا مستحيل تتلاشى.
ورغم كل ده، اتجوزته.
في الأول كانت حياتنا ماشية كويس ومستقرة، لحد ما جت أزمة كورونا، المطاعم قفلت، والطلبيات اتلغت، والديون بدأت تخنقنا. ولما الحبل ضاق على رقابنا، رحت لبيت والدي بعد قطيعة دامت يقارب تلات سنين. كان يوم جمعة والبيت مليان قرايب، وبابا حتى ما كلفش خاطره ياخدني في أوضة مقفولة نتكلم.
قال قدام الكل بصوت مسموع طول عمرك تدافعي عنه وتقولي راجل ومكافح، وجاية دلوقتي تطلبي مني ألم ورا الاختيار اللي اخترتيه وعاندتي علشانه؟
عمتي وطت راسها في الأرض، وأمي فضلت ساكتة. وشي كان بيغلي من الإحراج. رديت عليه وأنا ماسكة نفسي بالعافية أنا ما جيتش هنا عشان اتهان. يبقى ما تجيش تطلبي فلوس من الأب اللي وقفتي في وشه زمان.
بلعت كبريائي بالعافية وقلتله أنا محتاجة مساعدة.
خرجت من هناك وأنا حاسة بكسرة نفس ما حستهاش في حياتي. بعدها بكام يوم، والدي عمل تصرف ما توقعتوش؛ سدد كل الديون المستعجلة، وشغّل أحمد عنده في الشركة، بس حط شرط صارم ما حدش يعرف نهائي إنه جوز بنته. هيبدأ من الصفر، ولو ما أثبتش كفاءته، هيتطرد زي أي موظف تاني.
أحمد وافق من غير تردد.
في البداية، كان بيرجع البيت مهدود الحيل بس راضي ومبسوط. كان بيتعلم بسرعة، ياخد كورسات بالليل، وبدأت تقارير شغله تبقى ممتازة. حتى والدي، اللي الكلمة الحلوة مش بتطلع منه بسهولة، قال لي في مرة جوزك طلع منضبط وملتزم أكتر ما كنت متوقع.
عشان كده كان منطقي في نظري إنه يبذل مجهود زيادة ويطحن نفسه.
لحد ما والدي قالي بالصدفة وهو بيتكلم عن نظام الشغل إنه مانع السهر والشغل الإضافي في المقر الساعة سبعة بالدقيقة المكاتب كلها بتقفل. مش عايز حد يقعد يحرق بنزين ويدّعي الالتزام على الفاضي.
الجملة دي نزلت عليا زي المية الباردة.
أحمد بقاله شهرين بيكرر على مسامعي إنه شغال لحد عشرة وحداشر بالليل!
بعدها شفته مع نيرة مرة، وبعدها التانية. وفي يوم استأذنت نص يوم من شغلي ومشيت وراهم. ركبت معاه عربيته، راحوا اتغدوا، وبعدها نزل جاب معاها حاجات، وأخيراً وصلها لحد عمارة في المعادي.
نزل يفتحلها باب العربية، حطت إيدها على دراعه، وأحمد وطى راسه في الأرض بحركته المعتادة لما بيكون محروج ومش مرتاح.
بس أنا وقتها شفت اللي شكوكي وغضبي عايزين يشوفوه.
قررت أراقب الموضوع بدقة عشان أجمع دليل قاطع قبل ما أنطق بكلمة الطلاق.
وفضلت الأيام تمر؛ أحمد يختلق حجج السهر، وأنا أمثل إني مصدقاه لحد ما يقع في شر أعماله.
لحد ما جه يوم خميس، قرب نص الليل، ورن تليفوني برقم غريب حضرتك تقربي للأستاذ أحمد الدسوقي؟ أيوة، أنا مراته، خير في إيه؟ بنكلمك من مستشفى قصر العيني الفرنساوي. جوزك وصل الطوارئ وفيه إصابات بالغة، ولازم تيجي حالاً.
دخلت الاستقبال ولقيته متبهدل؛ كدمات مغطية وشه، دراعه متجبس، وبيتكلم بصعوبة وهو بينهج. سألته بذهول وصدمة إيه اللي عمل فيك كده؟!
فتح عينه وشافني، وشه بهت تماماً وسأل برعب مين اللي كلمك؟ المستشفى كلمتني! فين الست اللي كانت معاك؟
ملامحه اتغيرت وبدأ يتوتر، وأنا ما قدرتش أمسك أعصابي وانفجرت فيه أنا عرفت كل حاجة عنك إنت ونيرة! كفاية كدب وتمثيل، بقى لك شهور بتغفلني وبتكدب عليا! مريم والله الموضوع مش زي ما إنتي فاهمة خالص. أومال إيه؟! قولي كنت بتعمل إيه معاها الليلة دي بالذات؟
أحمد جز على سنانه، وبص ناحية باب الأوضة بتردد وخوف، وهمس بصوت واطي مش هينفع أتكلم ما أقدرش. مش قادر ولا مش عايز؟ لو اتكلمت هطرد من الشغل وهتخرب علينا. إنت كنت هتموت وتخسر حياتك كلها!
في اللحظة دي دخل الدكتور وبلغنا إن أحمد عنده نزيف ولازم يدخل العمليات فوراً الليلة دي.
أحمد رفض بشدة وصمم يخرج.
كنت فاكرة إنه خايف فضحته مع عشيقته تبان في التحقيق أو الشغل.
لكنه مد إيده، مسك إيدي بضعف، وبص في عيني وقال جملة خلت الدم يتجمد في عروقي أنا




