
تكتم الأنفاس.
يا دينا يا بنتي، تعالي اشربي دي وهي سخنة.
دي وصفة أنا جايباها مخصوص من عند شيخ عطار قديم وشاطر أوي، فضلت أغلي فيها أربع ساعات كاملين، دي أحسن حاجة لتهدئة الأعصاب وتغذية المخ.
تراجعتُ نصف خطوة لا إراديًا.
يا ماما، أنا معدتي تعبانة شوية الصبح، ممكن أسيبها أشربها بعدين؟
تغيرت ملامح وجه حماتي وعبست في الحال
جرى إيه! مفيش الكلام ده!
الأعشاب دي لازم تتشرب على الريق عشان تجيب نتيجة. هو إنتي مش عاجبك تعبي ولا إيه؟
تدخل أحمد بنبرته الناعمة المعتادة
يا دينا، ماما صاحية من الساعة خمسة الصبح عشان تجهزهالك.
بلاش تزعليها وتكسري بخاطرها، اشربي بق واحد على الأقل.
ولم أجد مفرًا، فرفعتُ الكوب إلى فمي وأغلقتُ عينيّ.
تجرعتُ السائل المر الذي هبط في حلقي، وشعرتُ بمرارة شديدة.
وضعتُ يدي على فمي، وأخذتُ الكوب وأسرعتُ نحو المطبخ.
وقفتُ أمام حوض الغسيل، وانتهزتُ فرصة انشغالهم، فأخرجتُ زجاجة بلاستيكية صغيرة فارغة كنتُ قد خبأتها، وسكبتُ فيها ما تبقى من السائل المر.
بعد ذلك، غيرتُ ملابسي وأمسكتُ بحقيبتي.
يا أحمد، في ورق مهم في الشركة لازم أروح أسلمه وأخلص كام حاجة.
كان أحمد يجلس على السجادة يركب المكعبات مع حبيبة.
ولم يرفع رأسه حتى ونطق
ماشي يا حبيبتي روحي، بس متتأخريش، ماما هتعملنا حواوشي على الغدا.
خرجتُ من المجمع السكني واستقللتُ سيارة أجرة تاكسي.
بعد خمس وعشرين دقيقة، دلفتُ إلى مبنى العيادات الخارجية بالمستشفى.
صعدتُ بالمصعد إلى معمل التحاليل في الطابق الثالث.
كان رئيس قسم التحاليل هو الدكتور طارق، وهو ابن عم صديقة لي أيام الجامعة.
طرقتُ باب مكتبه.
كان الدكتور طارق ينظر في الميكروسكوب، فرفع رأسه
دينا؟ أهلاً بيكي، خير في حاجة تعباكي؟
تقدمتُ نحو مكتبه، ووضعتُ الزجاجة البلاستيكية الصغيرة أمامه.
دكتور طارق، محتاجة منك خدمة أرجوك.
نظرتُ
إلى الزجاجة وأكملت
عايزاك تحلل لي المكونات اللي جوه الزجاجة دي، وبأسرع وقت ممكن.
تحليل إيه بالظبط؟ مسك الدكتور طارق الزجاجة وتأملها.
عايزة أعرف لو فيها منوم، مهدئ، أو أي مادة مخدّرة أو مؤثرة على الأعصاب والعقل.
عقد الدكتور طارق حاجبيه وقال
وإنتي جبتي البتاع ده منين؟
ماتسألنيش دلوقتي يا دكتور، أرجوك دي خدمة عمر، أنا هفضل قاعدة هنا مستنية النتيجة.
لم يتكلم الدكتور طارق أكثر، وأخذ الزجاجة ودخل بها مباشرة إلى غرفة المختبر.
خرجتُ أنا وجلستُ على أحد المقاعد البلاستيكية الزرقاء في الممر.
رفعتُ نظري إلى الساعة الرقمية الحمراء المعلقة على الحائط.
كانت الأرقام تتحرك وتتغير ثانية بثانية.
وفي الممر، كان الناس يمرون ذهابًا وإيابًا، يحملون أوراقًا ونتائج تحاليل.
شابكتُ أصابع يديّ، وأخذتُ أفرك إبهامي بسبّابتي دون توقف من فرط التوتر.
بعد ساعتين وعشر دقائق كاملة.
خرج الدكتور طارق وفي يده ورقة مطبوعة.
انتفضتُ واقفة في مكاني
النتيجة طلعت؟
أعطاني الدكتور طارق ورقة التحليل.
خطفتُ الورقة الخفيفة من يده، ووقعت عيناي بسرعة على خانات النسب والمؤشرات.
لا يوجد شيء.
كل المؤشرات سلبية.
وفي أسفل الورقة، كُتبت نتيجة تحليل المكونات
بابونج، ينسون، مهدئات عشبية طبيعية، عرقسوس.
كلها أعشاب طبيعية تقليدية تُستخدم لتهدئة الأعصاب والنوم.
لا يوجد أي أثر لأي مواد كيميائية أو أدوية ممنوعة أو منومات صناعية.
ليس فقط خاليًا من السموم، بل إن المقادير والنسب كانت خفيفة وآمنة تمامًا.
وقفتُ أُحدق في السطور، وارتخت ذراعي تمامًا لتهبط بجانبي بلا قوة.
كانت الورقة تهتز بين أصابعي.
هل يعقل أن أكون أنا المشكلة؟
هل أنا حقًا مريضة بالشك والأوهام وهشاشة الأعصاب؟
جاء يوم الجمعة، وعدتُ من العمل إلى المنزل.
كانت طاولة الطعام تتوسطها الشموع المشتعلة، وزجاجة من العصير الفاخر موضوعة
عند زاوية الطاولة.
وعلى الطاولة طبقان من الخزف الأبيض، وبداخلهما قطعتان من اللحم المشوي تفوح منهما رائحة شهية.
كل سنة وإحنا مع بعض يا حبيبتي، بمناسبة عيد جوازنا السادس، عجبك المكان؟
ابتسم أحمد وهو يتقدم نحوي، ومد يده ليأخذ حقيبتي.
سحب لي الكرسي، ووضع يده على كتفي ليجلسني برفق.
بابا وماما أخدوا حبيبة يفسحوها ومش هيجوا دلوقتي، وبكده الجو فضي لينا إحنا وبس.
صبّ كوبين، ثم التفت وأمسك بالوعاء الخزفي الأبيض المألوف، وقدمه إليّ.
فاحت الرائحة النفاذة للأعشاب لتخترق أنفي فورًا.
اشربي شوية عشان تريحي معدتك الأول، ماما غلتها مخصوص قبل ما تنزل وتخرج.
نظرتُ في عينيه مباشرة.
تلك العينان اللتان كانتا دائمًا هادئتين ودافئتين، كانت حدقتاهما في هذه اللحظة متسعتين قليلاً، وتلمع منهما نظرة حماس وإثارة غريبة ومريبة جدًا.
وقلتُ بصوت خافت
حاضر.
نظرتُ في عيني أحمد مباشرة. تلك العينان اللتان كانتا دائمًا هادئتين ودافئتين، كانت حدقتاهما في هذه اللحظة متسعتين قليلاً، وتلمع منهما نظرة حماس وإثارة غريبة ومريبة جدًا.
وقلتُ بصوت خافت
حاضر.
تسلمتُ منه الوعاء الخزفي الأبيض، ورفعته نحو فمي. وضعتُ حافة الوعاء على شفتي السفلية، لكنني مسمتُ شفتيّ بإحكام شديد، وتظاهرتُ بالشرب بينما تركتُ السائل المر يتدفق ويسيل من جانبي فمي ويتسرب لأسفل.
انساب السائل البني الداكن على ذقني، ثم أخذ يقطر على ياقة قميص نومي حتى بلل مساحة كبيرة منه. وفي الوقت نفسه، كنتُ أحرك حنجرتي ورقبتي صعودًا وهبوطاً بشكل متتالٍ لأوهمه بأنني أقوم بعملية البلع فعليًا.
وضعتُ الوعاء فارغًا على الطاولة، ثم أمسكتُ بالسكينة والشوكة وبدأتُ أقطع قطعة البتلو البستيك وآكلها ببطء شديد مصطنع.
بعد مرور حوالي سبع أو ثماني دقائق، وضعتُ الشوكة والسكينة من يدي، ورفعتُ كفي لأمسك برأسي وأمسد صدغيّ وتظاهرتُ بالدوار
أحمد.
. أنا راسي ثقيلة ودايخة أوي. الظاهر إني لسه مجهدة من السفر واللف.. أنا عايزة أدخل أريح وأنام شوية.
استندتُ بكفي على حافة الطاولة وقمتُ واقفة ببطء وتثاقل، ثم تعمدتُ أن أميل بجسدي نحو اليمين وأصطدم بظهر الكرسي كأنني أفقد التوازن.
في الحال، اندفع أحمد نحو الصالة وأمسك بي ليسندني.
جرى إيه يا حبيبتي؟ لحقتي تدروخي وتنامي على نفسك كده؟
بدت نبرة صوته ملهوفة وقلقة للغاية وهو يتابع خلاص يا حبيبتي، تعالي أسندك لحد أوضة النوم، والمفاجأة مش مهمة الليلة.. ممكن تشوفيها بكرة.
أسندني أحمد حتى دخلنا غرفة النوم الرئيسية، واستسلمتُ لجسدي وجعلته يقع على السرير كالجثة الهامدة، فقام هو بسحب الغطاء ودثرني به جيداً.
أغلقتُ عينيّ تمامًا، وجعلتُ أنفاسي بطيئة ومستقرة لأوهمه بأنني استغرقتُ في النوم. شعرتُ باهتزاز وارتجاج خفيف في السرير، فعرفتُ أنه نهض. تحركت خطواته نحو النافذة، وأسدل الستائر الثقيلة العازلة للضوء، لتغرق الغرفة في ظلام دامس.
سمعتُ صوت خطواته الخفيفة وهي تبتعد متجهة نحو باب الغرفة.
نامي وارتاحي يا حبيبتي، قالها بصوت خافت للغاية، أنا هانزل بسرعة أستلم طورطة عيد جوازنا اللي كنت حاحجزها تحت من المحل، ومش هأتأخر.
أُغلق باب الغرفة برفق.
بعدها بثوانٍ، تناهت إلى مسامعي أصوات خطواته في الصالة، ثم صوت فتح الباب المصفح الخارجي، يليه صوت إغلاقه بقوة رزع الباب.
في تلك اللحظة بالذات، فتحتُ عينيّ في الظلام الدامس. رفعتُ الغطاء عني بسرعة، وخرجتُ من الغرفة حافية القدمين دون أن أصدر أي صوت، وتوجهتُ مباشرة نحو غرفة الأطفال.
الصدمة المرعبة كانت بانتظاري هناك.. حبيبة لم تكن خارج المنزل مع جديها كما ادعى أحمد! كانت مستلقية على سريرها الصغير، ترتدي بيجامة النوم، وغارقة في نوم عميق وثقيل للغاية.
انحنيتُ فوقها وهززتها برفق ثم بقوة، وناديتُ باسمها حبيبة!
حبيبة اصحي!.. لكنها لم تبدِ أي استجابة، ولم تفتح عينيها، بل كانت أنفاسها ثقيلة



