روايات وقصص

روماني مكرم 3

«إنتِ أختي، ومن دمّي، ومش هسيب حد يرميكي في الشارع ولا يمد إيده عليكي حتى لو كنتِ غلطانة في حقي وحق مراتي لحد العظم. بس حق هدى وابني صالح مش هينسى.. حسام هيمشي دلوقتي، وأنتِ هتطلعي فوق مع أمي، وبكره الحاج متولي هيقعد معاهم ويلِم الليلة.. بس تدخلي بيتي وتطلبي السماح من هدى رجلك قبل راسك!»

حسن مسك إيد أخته من على الأرض ووقفها، وسحب أمها وأخته وفاء وطلعهم شقة أمهم، ودخل الحاج متولي وراهم عشان يحل المسألة مع حسام بالعقل والشرع.

بعد ساعة كاملة، حسن طلع ورجع لي. فتحت له الباب، كان شكله مجهد وشايل هم الجبال على كتافه. قعد على الكنبة، وحط راسه بين إيديه وسكت.

قربت منه، وحطيت إيدي على كتفه وواسيته:

«إيه اللي حصل يا حسن؟»

حسن رفع راسه وبص في عيني، ولأول مرة أشوف دمعة بتلمع في عينيه من حسرته على أخته:

«نعمة اتطلقت يا هدى.. حسام طردها في الشارع بسبب الفتنة اللي كانت بتعملها بينا.. أختي خربت بيتها بحديث الغل والغيرة اللي كان جوة قلبها».

أنا اتصدمت وصعبت عليا رغم كل اللي عملته فيا. مسكت إيد حسن وقلت له:

«ربنا يصلح حالها يا حسن.. أنا مش شامتة فيها والله، ربنا يهديها ويرد لها عقلها».

حسن بصلي بذهول وإعجاب شديد، ومسك إيدي وباسها بقوة وقال:

«إنتِ أصلك طاهر ونظيف يا هدى.. بعد كل اللي عملوه فيكي، لسه بتترحمي عليها؟ والله العظيم ربنا رزقني بياقوتة مش ست عادية».

في اللحظة دي، سمعنا خبط خفيف على الباب.. خبط مكسور وخايف. حسن قام فتح الباب، وكانت المفاجأة!

حماتي واقفة، ووراها نعمة، وشهم في الأرض، وعيونهم ورمة من العياط. حماتي زقت نعمة بالراحة عشان تدخل، ونعمة قربت مني بخطوات متثاقلة، ونزلت على ركبتها قدام الكنبة اللي أنا قاعدة عليها، وبصت لي بدموع ونكسار حقيقي وقالت:

«سامحيني يا هدى.. والله ربنا جابلي حقي في ساعتها وركبني الهم بسبب ظلمي ليكي.. سامحيني يا أختي».

نزلت نعمة على ركبتها قدام الكنبة، دموعها بتنزل بكسرة وهوان عمري ما كنت أتنقعه منها. البنت اللي كانت من أيام قليلة بتصرخ وتعايرني بيتمي وبتقول إن ماليش أصل ولا عيلة، واقفة النهاردة قدامي مكسورة الخاطر، جوزها طردها وطلقها في الشارع قدام الغريب والريب، وعرفت إن الظلم دايماً بيلف وبيرجع لصاحبه أسرع مما يتخيل.

حماتي كانت واقفة جنبها، حاطة طرحتها على بقها وبتبكي بصوت مكتوم، مش قادرة ترفع عينها في عيني ولا في عين ابنها حسن. الصالة كلها كانت غرقانة في صمت تقيل، مافيش فيه غير صوت انفاس صالح الصغير وهو نايم في سريره بكل براءة، مش داري بالدنيا ولا بالصراع اللي اتخلق عشان ييجي للدنيا دي.

حسن كان واقف جنب الباب، ضارب إيديه في جيبه، عينيه بتتنقل بين أخته الواقعة على الأرض وبين مراته اللي انظلمت شهور طويلة. ما اتكلمش، ساب المنظر هو اللي يعبر، وساب القصاص الإلهي يتكلم عن نفسه.

أنا بصيت لنعمة.. قلبي في اللحظة دي اتعصر. أنا يتيمة، وعارفة يعني إيه كسرة النفس، وعارفة يعني إيه الوحدة لما الدنيا تقفل أبوابها في وش البني آدم. رغم كل العذاب اللي شفته منها، ورغم الكلمات اللي كانت بتنزل على قلبي زي السكاكين في الشهر التاسع، ما قدرتش أشوفها بالمنظر ده وأشمت فيها.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى