
التحقيق قال إن الحريق سببه:
فرن اتساب شغال.
والشركة رفضت تدفع التعويض.
والعيلة خسرت كل حاجة.
فارس بص للصورة.
بنت صغيرة واقفة قدام المخبز جنب راجل كبير لابس مريلة بيضا.
ابتسم.
كانت سلمى.
لكن حاجة واحدة وقفت عندها عينه.
الباب الخلفي للمخبز كان مقفول وقت الحريق.
فارس قرأ الجملة تاني.
ثم تالت مرة.
سلمى كانت بتتكلم عن الفرن بدقة غريبة.
بنت بتعرف الفرق بين 5 و7 دقايق في درجة حرارة السكر…
إزاي ممكن تكون سابت فرن صناعي شغال؟
ممكن.
لكن الباب المقفول؟
دي مش صدفة.
قفل الملف وقال:
— هاتولي المحقق اللي كتب التقرير ده.
عادل بص له باستغراب.
— ليه يا باشا؟
فارس رفع عينه.
— لأن في حد كدب في التحقيق.
عادل سكت.
فارس رجع يبص لصورة سلمى.
وبصوت هادي قال:
— وأنا عايز أعرف مين كان عايز المخبز ده يتحرق.
لكن قبل ما عادل يخرج، تليفون فارس رن.
بص للشاشة.
رقم مجهول.
رد:
— ألو؟
ماجاش صوت.
بس تسجيل قصير اشتغل تلقائيًا.
صوت رجل قديم، واضح إنه تسجيل من سنين:
— لو بنت فؤاد لسه عايشة… ابعدوا عنها.
فارس عقد حواجبه.
وبعدين جت الجملة اللي خلت ملامحه تتغير تمامًا:
— لأن اللي حرّق مخبز أبوها… كان واحد من رجالة عيلة المنشاوي.
فارس قفل المكالمة ببطء.
وبص ناحية باب الفيلا.
سلمى كانت في الناحية التانية من البيت…
تنضف نفس المكان اللي عاشت فيه عيلة الرجل اللي دمر حياتها.
لكن السؤال كان:
هل سلمى اشتغلت عند فارس بالصدفة… ولا دخلت الفيلا من 3 سنين وهي عارفة بالضبط مين هو؟
حكايات بسمة
التسجيل الصوتي كان رنه زئير في ودن فارس المنشاوي. الكلمات أخدت مجراها جوه قلبه زي طعنة تلج: «اللي حرّق مخبز أبوها… كان واحد من رجالة عيلة المنشاوي.»
فارس قفل الموبايل ببطء، وعينيه الأسود زادوا حدة وجمود. التفت لعادل مسؤول الأمن اللي كان واقف ومستني الأوامر وقال بصوت كأنها طالعة من تحت الأرض:
— عادل… اجمعلي كل أوراق صفقات العقارات والمحلات اللي أبويا الله يرحمه اشتراها في شارع المعز من أربع سنين، هاتلي ملف الحريق الأصلي برقم الق\ضية، وطلب تحريات كامل وسري عن الحاجة نوال مديرة البيت!
عادل اتفاجئ:
— الحاجة نوال يا فارس بيه؟!
— الحاجة نوال شغالة في الفيلا دي من أيام أبويا يا عادل… وكنت شاكك إن فيه حاجات كانت بتعدي من تحت إيدها. تحرك فورًا وما تحسسش مخلوق في البيت بحاجة.
فارس خرج من مكتبه وبدأ يمشي في ممرات الفيلا الكبيرة الهادية. كان بيبص في السقف والثرية الفخمة، وحاسس بتقل رهيب. هو كان فاكر إن إمبراطورية المنشاوي اتأسست بالشرف والتعب والذكاء المالي، بس اكتشاف إن أصول العيلة متلطخة بغدر وحريق مخبز راجل طيب ودمر حياة بنته… كان إحساس يهدم الجبال.
نزل الدور الأخير عند المطبخ والمخازن. شاف سلمى واقفة عند الترابيزة، ماسكة فوطة وبتمسح الرفوف بهدوء ونظام عجيب.
قرب منها بخطوات هادية لحد ما وقف وراها.
سلمى حسّت بوجوده، التفتت بسرعة وقفت بثبات:
— أستاذ فارس… خير؟ محتاج حاجة من المطبخ؟
فارس بص في عينيها بدقة، وكان بيدور على أي علامة كره، انتقام، أو تمثيل. بس ما لقاش غير عينين صافية مليانة وجع وكبرياء مستخبية ورا يونيفورم الخدامة.
فارس نطق اسمها الحقيقي لأول مرة من 3 سنين بصوت دافي وهادي:
— سلمى فؤاد.
سلمى إيدها اتجمدت على الفوطة، الدم اتسحب من وشها، وشهقت بصدمة:
— أنت… أنت عرفت اسمي منين؟
فارس قرب منها خطوة، وقال بنبرة صادقة:
— عرفت المخبز يا سلمى… عرفت اللي حصل من أربع سنين، وعرفت إن المخبز ما بفرن اتساب شغال، الباب الخلفي كان مقفول بفعل فاعل.
سلمى عينيها دمعت بسرعة، وكتفها بدأ يترعش، وصوتها طلع مكسور ومليان وجع سنين:
— أبويا ما كانش مهمل يا فارس بيه! أبويا عاش 19 سنة بينور الفرن الساعة تلاتة الفجر وبيسلم العيش والحلويات للناس بأمانة… يومها جاله تهديد إنه يبيع المخبز لشركة عقارات كبيرة بتراب الفلوس، ولما رفض، المخبز اتولع فيه وأبويا جاله التلف العصبي وهو بينقذ العجين والمعدات!
فارس مسك إيدها اللي كانت بترتعش، وقال لها بعيون مليانة ندم وإصرار:
— أنتِ دخلتي بيتي من 3 سنين ليه يا سلمى؟ كنتِ عارفة إن عيلة المنشاوي هي اللي ورا الحريق؟ جاية تنتقمي مني؟
سلمى رفعت رأسها وبصت في عينيه بثبات قلبه:
— أنا ما كنتش اعرف حاجة عن اسم المنشاوي زمان يا فندم! أنا لما الدنيا ضاقت بيّ وأبويا بقى محتاج علاج شهري بآلاف الجنيهات، قدمت في مكتب توظيف ورموني هنا شغالة… ومن سنة واحدة بس، بالصدفة وأنا بنظف مكتب والدك القديم في الدور الثالث، لقيت ملف فيه صور مخبز أبويا وعليها ختم عيلة المنشاوي!
دموعها نزلت أكتر وكملت:
— أنا ما انتقمتش… ولا حطيت سم في أكلكم ولا سرقت قرش. أنا فضلّت أشتغل بعرق جبيني وأسكت، عشان كنت مستنية أصل الحق يظهر من ربنا… وكنت خايفة أواجهكم فأنطرد وأبويا يضيع من غير دوا!
فارس حط إيده التانية على إيدها وقفل عليهم بحماية ودفا:
— وأنا أقسم لك بالله يا سلمى… الحق ده هيرجع النهاردة، ومش أنتِ اللي هتطلعي بره البيت ده.
في نفس الليلة…
فارس جمع الحاجة نوال مديرة البيت ورجال الحراسة القدامى في المكتب الكبير.
عادل دخل وحط ملفات خطيرة على الترابيزة قدام فارس.
فارس بص للحاجة نوال اللي كانت واقفة بتتظاهر بالبراءة، ورمى قدامها تسجيلات كاميرات قديمة وأوراق حسابات بأسماء شركات وهمية:
— نوال… الشحنة والأرض اللي أتسجلت باسم شركة “المنشاوي العقارية” من أربع سنين في شارع المعز… التوكيل المزور كان باسمك إنتِ وأخوكي! أبويا الله يرحمه ما كانش يعرف حاجة عن حريق المخبز، أنتِ وأخوكي اللي استغليتوا نفوذ العيلة، وحرقتوا مخبز عم فؤاد عشان تبيعوا الأرض لشركة منافسة وتاخدوا العمولة لحسابكم الشخصي!
الحاجة نوال وشها اتقلب أصفر زي الج\ثة، ووقعت على ركبها :
— فارس بيه! ارجوك افهمني! أخويا كان مديون والبكوات هددوه… أنا مالياش دعوة!
فارس بص لها ببرود قاتل وزأر بصوت هز الفيلا:
— أنتِ نهبتي أمانة بيتي، ودمرتي حبايب وناس طيبين عشان جشعك!
أشار فارس للحراس، ودخلت قوات الشرطة اللي كان فارس مجهزها بناءً على بلاغ بالتحريات والتزوير والحريق العمد.
تم القبض على الحاجة نوال وأخوها متلبسين بجرائم التزوير والنصب والحريق العمد وإعادة فتح الق\ضية رسميًا!
بعد مرور ستة أشهر…
في شارع المعز التاريخي بالقاهرة.
كان فيه احتفال كبير ومبهج، الأنوار متعلقة والريحة الطيبة مالية المكان.
مخبز “فؤاد ومحمود للحلويات الشرقية” رجع اتفتح من تاني… بس المرة دي أضخم وأجمل، بأحدث المعدات والأفران.
عم فؤاد، راجل كبير بشعر أبيض، كان قاعد على كرسي متحرك مبتسم والدموع في عينيه من الفرحة بعد ما تعافى ورجعله حقه وكرامته.
وسلمى كانت واقفة لابس مريلة الشيف البيضا الأنيقة، وبتظبط قطع كيك الجوز بالفرن.
دخل فارس المنشاوي المخبز، لابس هدوم بسيطة من غير رسميات، وبيده بوكيه ورد جميل.
قرب من سلمى، وابتسم بدفء ونطق:
— إيه رأي الشيف سلمى في الكيكة النهاردة؟
سلمى ضحكت بصفاء وراحة بال، وقدمت له طبق صغير فيه قطعة كيك دافية:
— دوق إنت وقولي يا أستاذ فارس.
فارس أكل حتة، وبص في عينيها بكل حب وتقدير:
— مظبوطة بالمليم… العسل الأسود قليل والجوز متحمص في الفرن صح.
مسك إيدها الرقيقة وقفل عليها، وقال قدام والدها وكل الموجودين:
— سلمى… المخبز ده رجع لأهله، بس أنا محتاج الشيف الأساسية للمخبز ده تقبل تكون شريكة حياتي وسيدة بيت المنشاوي بحق وحقيق.
سلمى عينيها دمعت من الفرحة، وبصت لأبوها اللي هز رأسه بابتسامة ورضا، ورجعت بصت لفارس وقالت:
— موافقة يا فارس… موافقة.
وعاشت سلمى في عز وأمان وحب، مرفوعة الرأس بشرفها وتعبها، وتغير فارس المنشاوي بفضل قلب ست شريفة صانت كرامتها وعلمته إن العدل والحق هما الثروة الحقيقية اللي بتعيش.
تمت



