روايات وقصص

بعد ولادتى حكايات رومانى مكرم 4

“إلى السيد المحترم والد السيدة شيماء.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. نُحيطكم علماً بأن المريض (فلان) يرقد لدينا في قسم الباطنة بالمستشفى العام بطنطا في حالة صحية حجة جداً، إثر إزاداد وتدهور حالته بمرض التليف الكبدي والفشل الكلوي. المريض يرفض العلاج، ولا يوجد بجانبه أي مرافق أو أحد من أقاربه، وهو في ساعات حارجة من عمره، ولا يتوقف عن المناداة باسم ابنه ‘حمزة’ وطلب العفو من زوجته السابقة ‘شيماء’. نرجو حضوركم أو إبلاغ من يهمه الأمر للضرورة القصوى قبل فوات الأوان.”

أمي حطت إيدها على صدري وصدرها وبدأت تبكي: “يا مري يا بني! الداهية اللي طاح فيها دي كلها وهو لوحده في الغربة؟ لا حبيب ولا قريب جنبه؟”

أبوي قفل الجواب وطواه ببطء، بص لي بعيون مليانة وقار وحكمة، وقال لي بصوت صلب هادي: “سمعتِ الجواب يا بتي؟ الأيام دارت، والراجل بين إيدين الكريّم.. لا هينفعه ندم ولا هينفعنا قسوة. القلوب لو ما لانتش في لحظات الموت، يبقى ما فيهاش رحمة ربنا.”

قعدت على الدكة وأنا جسمي كله بيتكتك. افتكرت كل حاجة.. افتكرت النهار اللي كنت واقفة فيه بتسند على الحيطة وأنا جرح القيصرية ناضح دم، وهو بيبص لي بقلة حيلة وبيقول لي “قومي نضفي شقة أختي ومش عايزين مشاكل”. افتكرت أمه وهي بترميني بالفقر، وافتكرت القطر السريع اللي ركبته في نص الليل بدموعي ونزيفي.. وافتكرت كمان منظره وهو زاحف على ركبتيه في صالتنا، وشعره اللي ابيض، وجسمه اللي اتنحل، والدموع اللي غسلت وشو في مركز الشباب.

بصيت لأبوي وقُلت له بصوت مخنوق: “أنا سامحته لله يا أبوي من زمان.. بس أروح له؟ أروح أعمل إيه بعد السنين دي كلها؟”

أبوي قام وقف، وعدل الشال على كتافه وقال بقاطعية الصعايدة: “تروحي يا بتي.. تروحي وتاخدي حمزة معاكي، عشان الولد يشوف أبوه للمرة الأخيرة، وعشان ما يجيش يوم ويقول أمي حرمتني من شوفة أبوي وهو بيموت. ونحن ناس عندنا أصل، لما الخصم يقع ويستسلم للموت، النخوة بتقول نحضر ونستر ونشيل.”

سافرنا في نفس الليلة. أخدنا قطار الليل المتجه لشمال مصر. الطريق كان طويل ومظلم، صوت عجيب القطر على القضبان كان بيضرب في دماغي ويرجع لي شريط سنين طويلة من العذاب والانتصار والكرامة. حمزة كان نايم في حضني، بقى ولد عنده أربع سنين، يفهم ويعرف، وكل شوية يصحى يسألني: “إحنا رايحين فين يا ماما؟” وأنا أرد عليه وأمسح على شعره: “رايحين نشوف بابا يا حبيبي، بابا تعبان شوية ولازم نطمن عليه.”

وصلنا مستشفى طنطا العام مع أول شعاع شمس للنهار الجديد. الريحة في العنبر كانت ريحة المظهرات والأدوية والهم. مشينا في الطرقات الطويلة، أبوي ماشية بثبات وفي إيده العكاز، وأنا ماشية جنبه شايلة حمزة أو ماسكة إيده. دخلنا العنبر المجاني.. كان عنبر كبير فيه عشرات الأسرة المتراصة، كل سرير عليه إنسان بينتظر مصيره.

سألنا الممرضة، شاورت لنا على سرير في أخر العنبر جنب الشباك.

قربنا بخطوات بطيئة.. السرير كان عليه جسم نحيل جداً، غاطس تحت الملاءة البيضاء الدبلانة. خراطيم الأكسجين والمحاليل متوصلة بجسمه، ووشه شاحب زي لون الرماد، شفايفه ناشفة ومشققة، وعينيه مقفولة بصعوبة، ونفسه طالع ونازل بصوت حشرجة مرعبة.

أبوي قرب منه بالراحة، وحط إيده الدافية على كتفه ونادى بصوت واطي: “يا فلان.. يا بني.. وحد الله.”

الراجل فتح عينيه ببطء شديد، العينين كانت زجاجية ومطفية تماماً. بدأ يحرك حدقة عينه في الصالة ببطء لحد ما وقعت عليا وعلى حمزة وعلى أبوي. لأول وهلة، افتكر نفسه بيحلم، أو إن دي تهيؤات سكرات الموت. حاول يرفع إيده البترعش عشان يلمس الهوا، بس الإيد كانت تقيلة ومش شايلاه.

طلعت من حنجرته بحة صلبة ومكسورة: “حـ… حاج؟ شيماء؟ أنتِ هنا يا شيماء؟ ولا أنا بقيت في الآخرة خلاص؟”

قربت خطوات من أطراف السرير، حطيت إيد حمزة على حرف الملاءة، وقُلت له بصوت هادي: “إحنا هنا يا فلان.. جينا نطمن عليك ونشوفك.”

بدأ يبكي.. بكاء بدون صوت، الدموع كانت بتطلع من عيونه المريضة وتنزل على الخدين الغائرين لتغرق المخدة. حاول يقعد، المحاليل شدت في إيده، أبوي مسكه بالراحة وسنده على المخدة، وجاب كوباية مية من على الطقطوقة، حط فيها نقطتين مية على طرف صباعه وبدأ يبلل شفايفه الميتة.

الراجل مسك إيد أبوي وشبّك فيها بإيدين ضعيفة، وقال وهو بيتخنق بالدموع: “سامحني يا حاج.. سامحني بالله عليك! أنا ظلمت بتك الشريفة العفيفة، وعيرتكم بفقركم الشريف، وربنا أخد حقكم مني في صحتي ومالي ونسلي! أنا هقابل ربنا كمان شوية يا حاج، ومش قادر أقابله وأنا شايل الذنب ده!”

أبوي بص له بعين فيها رحمة الصعايدة وعزة نفوسهم، وقال له: “مسامحينك يا بني لله والوطن.. المسامحة تمت من يوم ما زحفت على ركبتك وجيت بيت أبوي. الميتين راحت لمولاها، وأنت بين إيدين رحيم كريم. اطمن ورّيح بالك، سرك وسر بيتك مستور، وابنك في حمايتي وحماية أمه.”

هنا، الراجل دور وشو ناحيتي، بص لي بنظرة رجاء واسترحام عمرها ما تترسم في عين إنسان حي إلا وهو بيفارق، وقال بصوت بيتقطع مع النَفَس:

“شيماء.. ابني يا شيماء.. حمزة! خليه يقرب مني.. خليه يلمسني قبل ما أمشي.”

شلت حمزة وقربته من السرير. الولد لما شاف أبوه بالشكل ده، عينيه اتملت دموع وهرش في رقبتي خايف، بس قُلت له بحنية: “ما تخافش يا حمزة.. ده بابا، سلم على بابا وقبل إيده.”

الولد مد إيده الصغيرة، وباس رأس أبوه الأبيض والشاحب. أبو حمزة أخد كف الولد الصغير وحطه على قلبه اللي كان بيلفز أنفاسه الأخيرة، وبقى يشده لصدره وهو بيستنشق ريحة الولد كأنه بياخد زاد للطريق الطويل.

قال وهو بيحشرج: “يا حمزة.. يا بني، أوعى تظلم حد في حياتك.. أوعى تجور على ست أو تبيع اللي صانتك عشان خاطر حد! أمك دي تاج على رأسك، شيلها في عينيك وحافط عليها.. أنا ضيعت الجنة اللي كانت في إيدي عشان خاطر الكبر والافتراء!”

ثم بص لي وقال آخر كلمات تطلع من لسانه: “سامحيني يا شيماء.. سامحي أمي.. قوليلها فلان مات وهو بيطلب منك العفو.. ادعي لي يا شيماء.. ادعي لي بالرحمة.”

بدأ جسمه يترعش، والعينين اترفت لفوق، ونبضه على الشاشة الصغيرة جنب السرير بدأ يقل ويقل، لحد ما صدرت منه تنهيدة طويلة وعميقة.. وخرجت روحه لبارئها، وإيده لسه ماسكة في طرف جلابيتي وفي إيد حمزة.

الدكتور أسرع وغطى وشو بالملاءة البيضاء. العنبر خيم عليه سكون تام. أبوي وقف وصلى على النبي، وأخد نفس عميق وقال: “إنا لله وإنا إليه راجعون.. طاب مقامك يا بني، وربنا يغفر لك ويجعل مرضك وندمك كفارة لذنوبك.”

أنا ما بكتش بكاء جزع.. بكت دموع هادية، دموع النواية القاسية اللي انطوت. بصيت للجثة المتغطية بالملاءة البيضاء، وافتكرت النهار اللي أمه قالت لي فيه: “الشغل ما بيموتش ومش هتتكسر رقبتك في يوم!”.. الشغل فعلاً ما بيموتش يا حماتي، بس القسوة والظلم والافتراء هما اللي بيموتوا القلب والجسد وبيخربوا البيوت وعمرهم ما بيسيبوا صاحبهم إلا وهو في القاع!

أبوي وقف زي الجبل، وقال للممرضين: “الراجل ده إحنا اللي هنغسله ونكفنه ونشيع جنازته.. ده أب ولدنا، وإحنا أصحاب أصل ومكرمة.”

خرجنا من المستشفى، وأبوي تكفل بكل مصاريف الغسل والتكفين والدفن، ونقلنا جثمانه للصعيد عشان يتدفن في مقابر بلدنا، جنب ناسنا وأهلنا، عشان ابنه يعرف يقرا له الفاتحة كل جمعة ويترحم عليه.

يوم الجنازة، الصعيد كله خرج يشيعه احتراماً لأبوي ولكرامتنا. مشي القفص الخشبي وشايلين الرجال على الكتاف، وأنا واقفة في شباك بيتنا البسيط، شايلة حمزة لابسة الأسود، ببص للجنازة وهي ماشية في شوارع البلد اللي هربت ليها زمان بدمي وكسرتي.

حمزة بص لي وقال: “ماما.. بابا راح فين؟”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى