روايات وقصص

بعد ولادتى حكايات رومانى مكرم 3

“شفت الوجع يا فلان؟ شفت لما الشغل والنظافة والتراب يهد الحيل وأنت مش قادر تقف؟ أنت بتدوق دلوقتي قطرة واحدة من البحر اللي شربتهوني وأنا لسه مفتوحة ومربوطة بالشال في قطار الصعيد! أمك ربنا يشفيها ويسامحها على اللي عملته فيا وفي أهلي، بس أنا…”

جوزي بصلي بلهفة وأمل متوسل: “أنتِ إيه يا شيماء؟ قلبي هيقف من الخوف، قولي إنك هتسامحيني وهنرجع!”

رفعت رأسي ودموعي نازلة بس نبرتي كانت أصلب من الزمان، وبصيت في عينيه المتوسلة وقُلت له:

“أنا سامحتك لله يا فلان.. سامحتك عشان أطهر قلبي من المرار والغل، وعشان لما أبص لوجه ابني أكون صافية ونظيفة، وعشان ربنا يبارك لي في صحتي وفي عمري.. لكن الرجوع؟ الرجوع بيني وبينك بقى أبعد من السماء عن الأرض!”

جوزي اتنفض على الأرض وكأن كلمة “أبعد” دي كانت  اتغرست في نص قلبه، صرخ بصوت شاحب ومبحوح:

“ليه يا شيماء؟! ليه بعد ما ذليت نفسي وجيت لحد عندك وزحفت على ركبي؟ ليه وأنا بتقطع في اليوم ألف مرة وندمان على كل لحظة فرطت فيها فيكي؟ أنا مستعد ألغي شخصيتي القديمة كلها، أعيش تحت جزمتك، أقطع علاقتي بأي حد يضايقك، بس ما تحرمينيش منك ومن ابني!”

رديت عليه بهدوء قاتل، والهدوء ده كان أشري عليه من الزعيق:

“عشان الثقة لما بتتدمر ما بترجعش يا ابن الناس.. المرء ممكن يسامح اللي جرحه، بس عمره ما يقدر يأمن له تاني. أنا يوم ما خرجت من بيتك الساعة خمسة الصبح وجرحي بينزف، ما خرجتش زعلانة من أمك.. أنا خرجت حزينة عليك أنت! على الراجل اللي اخترته وسندت رأسي عليه، ولما احتاجته يرمي عليا غطاه ويحميني من الدنيا، سابني أنزف وقالي ‘قومي عشان مش عايزين مشاكل!’.. أنت بعتني برخيص، واللي يبيع برخيص، ما يشتريش تاني ولو بدفع عمره كله!”

أبوي قرب منه ومسكه من تحت باطه رفعه من على الأرض بالعافية، جوزي كان جسمه زي الواير المقطوع، مش قادر يشيل نفسه من كثر الكسرة والندم. أبويا بص له وقال له بنبرة أصلية فيها رحمة الصعايدة بس بدون تنازل:

“قوم يا بني.. قوم وقف على حيلك، الرجال ما تتمرغش في التراب كدا. بتي قالت كلمتها، والقلب إذا زهد في الشيء خلاص ما يدخلوش تاني. أنت ليك عندنا أصل ونخوة، هتفضل تاخد واجبك وضيافتك كل ما تيجي، وابنك مش هنسرق منك ولا هنعلم عليه يكرهك، هتشوفه في أوقات الرؤية وهنكبره على إنك أبوه.. لكن شيماء خلاص، خرجت من ذمتك وفي طريقها، وأنت في طريقك.”

جوزي بقى يتلفت في الصالة زي المجنون، يادوب شايف من كثر الدموع اللي مغمية عينيه، يبص لي يلاقيني لافة ضهري، يبص لـ “حمزة” يلاقيه خايف من شكله ومستخبي في حضن أمه، يبص لأبوي وأمي يلاقيهم واقفين بجمود وكرامة ما تتهزش.

أمي دخلت المطبخ وجابت كوباية مية، مدتها له وهي بتقول له بقلب أم:

“اشرب يا بني واهدا.. ربنا أرحم منا جميعاً، أنت ذقت عقاب فعلك في الدنيا، وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم.. روح لأمك المريضة واخدمها، ده باب الجنة بتاعك دلوقتي، واعلم إن دعوة المظلوم ما بينها وبين الله حجاب.”

أخد كوباية المية بإيدين بترعش، شرب منها بؤ واحد ورماها على الأرض اتكسرت مية حتة، وقعد يصرخ ويكلم نفسه:

“أنا اللي خربت بيتي بإيدي! أنا اللي سمعت كلام الجهل والافتراء! أنا اللي حرمت نفسي من اللقمة الهنية والبيت الدافئ عشان خاطر تراب وشقة مقفولة! يارتني قطعت لساني، يارتني دفنت نفسي ولا إني أقف الوقفة دي!”

خرج من البيت وهو بيترنح في الشارع، ويمشي خطوات ويقع، والناس في الشارع الصعيدي يبصوا عليه ويتحسروا على حاله. رجع القاهرة، بس ما رجعش الشاب بتاع زمان.. رجع راجل عاجز، قلبه ميت، وجسمه بقى زي الخيال.

في القاهرة، الحياة بقت بالنسبة له شغل شاق عشان يجيب ثمن العلاج والنفقة، ويرجع البيت يلقى أم صامتة عاجزة على السرير، بتبص للسقف وبتبكي بدون صوت من حسرتها على ابنها اللي اتدمر وعلى حياتها اللي انتهت بالمرض. وبقى كل يوم جمعة، يركب القطر في نص الليل، ييجي الصعيد ويقعد الثلاث ساعات بتوع الرؤية في مركز الشباب، بس المرة دي ما بقاش ييجي يقعد بغرور أو غضب، كان بييجي يقعد ساكت، يلمس إيد حمزة ويتأمله، ويعيط في صمت.

وفي يوم من أيام الرؤية، بعد ما حمزة كمل سنتين وبدأ يتكلم ويفهم، جوزي قاعد مع الولد، والولد بدأ يستجيب له شوية بشوية. جوزي بص لي وأنا واقفة بعيد، وطلع من جيبه ظرف أبيض وناداني بصوت مكسور:

“شيماء.. تعال يا شيماء، خدي الجواب ده.”

قربت خطوتين وقُلت له: “جواب إيه ده؟”

رد وهو بينزل عينيه في الأرض والندم بياكل ملامحه:

“دي ورقة طلاقك يا شيماء.. أنا عرفت إنني لو فضلت معلقك هكون بظلمك تاني، وأنتِ ما تستاهليش إلا كل خير.. أنا دمرت حياتي بس مش هسيبك أذاكي أكتر من كده.. أوراقك كلها هتجيلك للبيت بالمأذون، مع كل حقوقك والمؤخر والنفقة.”

مسكت الظرف بإيدي، وبصيت له، لقيت عيونه مطفية تماماً، خالي من أي أمل، وكأنه سلم خلاص بعقابه الأبدي. وقبل ما يلف ويمشي، وقف ودور وشو لي وقال لي بنبرة تقطع القلب:

“أنا طلقتك بقلمي، بس والله يا شيماء، عمرك ما هتروحي من قلبي، وهفضل أندم على اليوم اللي زعلتك فيه لحد ما أنزل القبر!”

مشى وسابني واقفة بالورقة في إيدي، حمزة مسك في إيدي وهو بيقول: “بابا عيط ومشى يا ماما!”.. سكت وبصيت للسماء وأنا حاسة إن صفحتي القديمة اتطوت بالكامل، بس الأيام كانت بتجهز لمرحلة جديدة خالص في حياتي وحياة ابني!

مرت الأيام وتوالت السنين، والورقة اللي استلمتها في مركز الشباب كانت النهاية الرسمية لقصة مليانة بالوجع، بس كانت البداية الحقيقية لحياة جديدة بنيتها بعرق جبيني وكرامتي. خرجت من تجربة زواجي وأنا فاهمة إن الضعف استسلام، وإن الست لما بتنداس كرامتها مالهاش غير سند نفسها وأهلها اللي صانوها.

حمزة كبر وبقى يروح الروضة، ولد زي الفل، عينيه مليانة ذكاء وشقاوة، وكل ما يكبر كل ما يبهت أثره القديم في قلبي ويتحول لحب مطلق للطفل اللي بقى كل دنيتي. رجعت كملت دراستي المفتوحة اللي كنت وقفتها أيام الجواز، وبدأت أشتغل في حضانة خاصة في البلد، ومنها لتفصيل وتطريز الهدوم اللي تعلمته من أمي. بقيت أعمل قرشي بأيدي، ومرفوعة الراس، لا مستنية نفقة تتأخر ولا منّة من حد. أبوي كان يبص لي وأنا قاعدة على ماكينة الخياطة في الليل والولد نايم جنبي، ويقول لي وهو بيعدل شاله: “الله يرضى عليكِ يا بتي، رفعتي رأسنا وصنتي نفسك، والقرش اللي ييجي بعرقك هو اللي فيه البركة.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى