روايات وقصص

لقيت طليقتي

— «أنا مش جيا عشان أسامحك يا علي.. ولا جاية عشان أرجع لك.. أنا أخدت أبوك هنا وعالجته من قرح الفراش بدواي اللي بشتراه من حق البلاستيك اللي بلمه كل يوم، عشان أثبت لنفسي إن نضيفة، وإن البنت الفقيرة اللي انت استحقرتها ورميتها، أصلها أنضف من ملايينك ومن عيلتك كلها.. الفلوس مش هي اللي بتعمل الرجالة يا علي، الأصل هو اللي بيعملهم.»

أبويا بدأ يصدر أصوات أشد، وشاور بإيده الناحية الثانية، كأنه بيحاول ينبهني لحاجة. ندى بصت للسرير وقالت لي بصوت حازم:

— «أبوك مش بس حزين على اللي حصل له.. أبوك مرعوب لأن مريم وأشرف شغالين دلوقتي على بيع المعرض الكبير بتاع دمياط! هما استغلوا التوكيل العام اللي أبوك كان عامله لمريم زمان قبل ما يتعب، وبيزوروا أوراق نقل ملكية بأسماء شركات وهمية عشان يصفوا كل أملاكك وأملاك أبوك ويهربوا بره مصر!»

الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة. التوكيل العام! أبويا فعلاً كان عامل توكيل إدارة وبيع لمريم من خمس سنين لما بدأ يتعب من السكر، عشان تسهل أمور المعارض والتراخيص. وأنا كنت غرقان في الصفقات الشغل والتوسع، وسايب الأمور المالية الإدارية كُلها في إيد مريم!

— «بيع المعرض؟!» قمت وقفت وجسمي كله بيفور بالدم والرغبة في الانتقام، «المعرض ده فيه شغل بأكتر من أربعين مليون جنيه، ده شقى عمري وشقى أبويا طول حياتنا!»

— «هما خططوا لكل حاجة صح..» ندى قالتها وهي بتفتح درج الكومودينو وتطلع أوراق تانية، «مريم زورت إمضاء أبوك على بصمات بيع ابتدائية لحساب شركة أشرف، واليومين دول بيخلصوا إجراءات التسجيل في الشهر العقاري. هما كانوا فاكرين إن أبوك مات أو هيموت في المصحة، وإنك انت غرقان في غرورك ومش دريان بحاجة.»

مسكت موبايلي بسرعة من جيب الجكيت، وأنا إيدي بترتعش بغضب مش طبيعي. فتحت تطبيق الكاميرا، وطلبت رقم محامي الشركة الخاص اللي بعتمد عليه في كل حاجة، لكن قبل ما أضغط اتصال، ندى حطت إيدها على الموبايل وقفلته.

— «متعملش كده..» ندى بصت لي بنظرة كلها دهاء وتركيز، «لو اتصلت بالمحامي دلوقتي أو جيت تصد أختك فجأة، هتعرف إن السر اتكشف، وأشرف ده مجرم، معاه نفوذ وناس وسخة، ممكن يزوروا أوراق تخلعك انت شخصياً من الشركة، أو يعملوا حاجة في أبوك عشان يقفلوا الباب ده للأبد. هما فاكرين إن أبوك ميت أو مجهول المكان، وفاكرين إنك لسه أعمى وبتبعت المبالغ لمريم كل شهر.»

— «طب أعمل إيه؟! أقف أتفرج عليهم وهم بياخدوا شقى عمري وبيرموا أبويا في الشارع وبيحاولوا يقتلوه؟!» صرخت وأنا مش قادر أتمالك اعصابي.

ندى قربت من أبويا، وغطته بالبطانية القديمة كويس، وبعدها بلت حتة قماشة نضيفة ومسحت بيها وشه، ولفت لي وقالت بصوت هادي ومخيف:

— «المية جنيه اللي رديتها عليا من شباك عربيتك يا علي.. المين جنيه دي انت هتحتاجها عشان تشتري بيها خطة ترجع لك حقك، وترجع لأبوك كرامته، وتدفع مريم وجوزها الثمن غالي.. بس بشرط واحد.»

— «أنا موافق على أي شرط!» زقيت الكرسي وقربت منها، «أي حاجة تطلبيها هعملها، لو عايزه المعارض كلها، لو عايزه الملايين اللي معايا، كل حاجة تحت رجلك بس انقذي أبويا ورجعي لي حقي من الخونة دول!»

ندى بصت لي بثبات، وعينيها كانت بتلمع بقوة غريبة:

— «شرطي مش فلوس يا علي.. شرطي إنك تتنفذ كل كلمة أقولها بالحرف الواحد من غير ما تسأل ولا تعترض، وإنك ترجع بيتك وتتعامل مع مريم كأنك لسه المغفل الأعمى اللي بيمشي ورا كلامها.. هتبعت لها الـ ٣٥ ألف بتوع الشهر ده عادي جداً، وهتطلب منها تقابلك في المعرض بكرة عشان تقول لها إنك عايز تكتب لها جزء من أسهمك هبة عشان “تضحياتها” مع أبوك!»

تنحت وأنا مش فاهم حاجة: «أكتب لها أسهمي؟! انتِ جننتي يا ندى؟ كدا أنا بدمج نفسي وبسلمهم كل حاجة على طبق من دهب!»

قربت ندى مني وصوتها بقى حاد زي الموس:

— «دي المصيدة اللي هتخليهم يرفعوا الغطا عن كل العقود المزورة اللي مع المورد أشرف في نفس اللحظة ونفس المكان.. بكرة في مكتب المعرض الرئيسي، لما يفتكروا إنهم كسبوا المعركة الأخيرة وأخدوا كل حاجة، هيكون فيه ضيف تاني مستنيهم في الأوضة اللي ورا المكتب.. ضيف هيفجر القنبلة في وشهم كلكم!»

— «ضيف مين؟» سألتها برعب واستغراب.

ندى بانت على شفايفها ابتسامة غامضة، ابتسامة حد بيجهز لعملية انتقام متخطط لها بذكاء شديد بقالها شهور، وبصت لأبويا اللي هز راسه ببطء كأنه عارف الضيف ده وموافق عليه.

— «أشرف جوز مريم ما كانش بيسرقك انت وأبوك بس يا علي..» ندى قالتها بثقة، «أشرف كان هربان من قضايا توظيف أموال واختلاس في الصعيد من أربع سنين، والناس اللي بيمتلكوا الفلوس الحقيقية اللي بيغسلها في شركتك، يدوروا عليه بالسراج والمنيل.. وأنا عرفت أوصل لواحد منهم الأسبوع اللي فات!»

حسيت ببرودة بتجري في جسمي. اللعبة كانت أكبر وأخطر بكثير من مجرد سرقة عائلية أو انتقام من طلاق.. دي كانت شبكة إجرامية كاملة، وأنا وندى وأبويا كنا في قلب العاصفة.

— «دلوقتي يا علي..» ندى شاورت لي على باب الأوضة الصاج، «اركب عربيتك الفارهة، وارجع لبيتك، واغسل الطين اللي على جزمتك.. واستعد للبكرة، لأن بكرة المعرض مش هيشهد بيع ولا شراء.. بكرة هيشهد الموت الحقيقي لكل الكدب اللي انت عشته!»

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

خرجت من الأوضة الصاج وأنا بجرّ رجلي بالعافية، المطرة كانت لسه نازلة بغزارة، بس المية اللي نازلة من السَما ما كانتش قادرة تغسل الوساخة والقرف اللي حسيت بيهم جوة نفسي. ركبت عربيتي، قعدت ورا الدكسيون وأنا جسمي كله بيتفاض، بصيت في المراية الشباك وشفت وشي.. وش الراجل المغرور اللي كان فاكر إن الفلوس بتشتري الحقيقة، واليوم بس اكتشف إنه كان أكبر غبي ومغفل على وش الأرض.

 

مسكت الموبايل، وعينيا على الشاشة. صوابعي كانت بترتعش وأنا بفتح المحادثة بيني وبين أختي مريم. آخر رسالة منها كانت إمبارح بالليل: “يا علي حبيبي، بابا النهار ده كان مبسوط أوي في الجنينة، الدكتور بيقول تحسنه ممتاز، أدعي له يا حبيبي وربنا يخليك لينا وما يحرمناش من خيرك.”

قرأت الرسالة وأنا حاسس إن في سكين بتتقطع في مصاريني. يا الله على كمية الغل والتمثيل! إزاي واحدة من دمي، أختي اللي كبرت معايا وأكلك معاها في طبق واحد، تعمل في أبويا كدة؟ ترميه في الشارع وتسيبه يتأكل من قرح الفراش علشان كام مليون؟!

مسحت دموعي بقسوة، وافتكرت كلام ندى: “ارجع لبيتك وتصرف كأنك المغفل الأعمى.”

ضغطت على زرار الاتصال بمريم. جرس.. اتنين.. وثالث رنة ردت بصوتها الناعم اللي كان زمان بيريحني والدلوقتي بيجيب لي التقيؤ:

— «أهلاً يا علي حبيبي! إيه الأخبار؟ أنت خلصت اجتماعك؟»

بلعت ريقي بصعوبة، وحاولت أظبط نبرة صوتي علشان ما تبانش فيها الشك أو الغضب، طلعت صوتي مجهد ومطفي زي ما بكون متعود:

— «أيوه يا مريم.. خلصت. بقولك إيه، أنا كنت بفكر في الموضوع اللي كنا اتكلمنا فيه بتاع الدار ومصاريف بابا.»

— «ماله يا علي؟» صوتها اتغير سنة، بقى فيه حذر مفاجئ. «فيه حاجة ولا إيه؟ الدار كلموك؟»

— «لا لا خالص.. بس أنا حسيت إنك شايلة هم كبير أوي مع بابا، وأنا مسافر دمياط بكرة الصبح بدري أخلص شوية عقود في المعرض الرئيسي. كنت عايزك تجيلي المعرض على الساعة ١٢ الضهر كدة.. فيه أوراق عايزك توقعي عليها.»

— «أوراق إيه يا علي؟» سألت بلهفة حاولت تخبيها.

— «أنا قررت أتنازل لك عن ٢٠٪ من أسهم المعرض الرئيسي، كتابة وهبة مني ليكي.. تقديرًا للمجهود اللي بتعمليه مع بابا، وعشان أؤمن مستقبلك ومستقبل عيالك لو جرى لي حاجة.»

السكوت ساد على الخط لخمس ثواني كاملين. كنت حاسس بضربات قلبها الهربانة من الفرحة عبر الأثير. سمعت نفس طالع منها بسرعة قبل ما تتكلم بصوت بيترعش من الفرحة المزيفة:

— «ربنا يخليك ليا يا علي! أنت أخويا وسندي في الدنيا.. من غيرك إحنا ولا حاجة! خلاص يا حبيبي، الساعة ١٢ الضهر بالظبط هكون عندك في مكتب دمياط.. تحب أجيب معايا أي أوراق أو ختم الشركة القديم؟»

— «أيوه.. هاتي معاكي ختم الشركة والتوكيل العام اللي مع أختك، عشان نعمل كل حاجة مظبوطة عند المحامي بالمرة.»

— «من عينيا يا علي، من عينيا يا حبيبي.. توصل بالسلامة!»

قفلت الخط. حطيت رأسي على الدكسيون وصرخت بعلو صوتي.. صرخة مكتومة خنقتها جوة العربية. الحية أكلت الطُعم بسرعة أسهل مما كنت متوقع. الطمع كان عامي عينيها لدرجة إنها ما فكرتش دقيقة واحدة ليه القرار ده جه فجأة.

طول الطريق لدمياط، والليل بيمر عليا زي سنة كاملة. عينيا ما غمضتش لحظة. كل ما أغمض، أشوف أبويا وهو ماسك في جكيتي وبيترعش في الأوضة الصاج، وأشوف ندى وهي بتفرز الزبالة تحت المطرة. الفجر أذن وأنا داخل مدخل دمياط. المحلات لسه قافلة، والهدوء مالي الشوارع، بس جوة عقلي كان فيه حرب مولعة.

وصلت المعرض الرئيسي الساعة تسعة الصبح. المعرض كان عبارة عن قصر من أربع أدوار، مليان أفخم أنواع الموبيليا والأثاث اللي بيتصدر لبرة. تحفة معمارية أنا وأبويا بنيناها عرق بعرق، حجر بحجر. دخلت المكتب الخاص بيا في الدور الثاني، فتحت الخزنة، وطلعت الملفات القديمة.. الملفات اللي مريم اتهمت فيها ندى بالسرقة من تلات سنين.

قعدت أراجع الفواتير والتوقيعات بعين جديدة.. عين الراجل اللي انزاحت من على وشها الغشاوة. فعلاً! التوقيعات كانت تقليد رديء لتوقيع ندى، والختم المستخدم كان هو ختم الإدارة المالية اللي كان دايماً في عهدة مريم! إزاي كنت أعمى كدة؟ إزاي الغرور خلاني أصدق إن مراتي بتخونني وأختي هي الملاك الطاهر؟

الساعة تشاور على ١١:٣٠ الصبح. باب المكتب اتفتح بالراحة.

دخلت ندى!

كانت لابسة عباية سوداء قديمة بس نضيفة، وطرحة مشدودة بوقار. وشها كان شاحب، بس عينيها كانت مليانة ثبات يرعب أي حد يبص فيها. دخلت ومن غير ما تتكلم كلمة واحدة، قفلت الباب وراها بالترباس.

— «وصلتي إزاي؟» سألتها وأنا بقوم أقف احتراماً ليها من غير ما أحس.

— «جيت في عربية نقل خضار من الفجر..» ندى قالتها وهي بتبص حواليها في المكتب الفخم ببرود، «أبوك أمان في مكان مأمنه مع ست طيبة في الحارة، وماحدش يعرف مكانه. المهم دلوقتي.. هل كلمت مريم؟»

— «كلمتها، وجاية في السكة، وقالت إنها هتيجي على الساعة ١٢.»

— «وجوزها؟ أشرف المورد؟»

— «ما جابتش سيرته، بس أنا متأكد إنه مش هيسيب فرصة زي دي تفوته.. لازم يكون جاري وراها عشان يتأكد إن الأسهم اتنقلت باسمها فعلاً.»

ندى طلعت من شنطتها القماش الصغيرة ملف أوراق أصفر، متبهدل ومصفر من الرطوبة. حطته على المكتب قدامي:

— «ده ملف القضايا والتحويلات المالية بتاعة أشرف في الصعيد.. الراجل ده كان شغال في شركة توظيف أموال وهمية في أسيوط، وسرق أكتر من ١٥ مليون جنيه من أهالي قرى كاملة وهرب على القاهرة ودمياط بالبطاقة المزورة واسم “أشرف المورد”. الفلوس دي هي اللي بدأ بيها يشتري منك خشب بأسعار وهمية عشان يغسل الفلوس جوة حسابات معارضك!»

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى