
لأول مرة يحس إن الأوضة الغربية اللي في آخر الجناح مش فاضية. تاني يوم الضهر، تليفون ماهر مابطلش رن. شريف بيتصل. السكرتيرة بتصرخ. “يا باشمهندس، كارثة. صفقة أرض الساحل طلعت مضروبة. الورق مزور، والبنك حاجز على فلوس الشركة. الصحافة هتنشر بالليل.” ماهر قفل السكة في وشه. الدنيا اسودت. الشركة. شقى عمره. اسم أبوه. قام لبس أول بدلة وقعت في إيده، من غير ما يسرح دقنه ولا شعره. نزل جري، وساق العربية بنفسه لأول مرة من يوم الحادثة.
وصل الشركة. الموظفين كلهم بيبصوله. الراجل اللي مات رجع. دخل مكتبه القديم. كل حاجة زي ما هي. اللوح، الملفات، وصورة ندى بالفستان الأصفر على المكتب. قفل الباب، وسند ضهره عليه، ونزل على الأرض. مسك الصورة وقال بصوت مكسور: “سامحيني. ضيعت كل حاجة. ضيعت البنت، وضيعت الشركة، وضيعت نفسي. كان لازم أموت أنا.” دفن وشه في كفيه واترج. البرواز وقع من إيده على الأرض اتكسر مية حتة. بس الدموع مابتنزلش. قلبه متحجر من يومها.
الباب خبط. “مش عايز أشوف حد!” زعق. الباب اتفتح سنة، وإيد دخلت حطت ملف على المكتب واختفت. ماهر رفع راسه. كان ملف صفقة الساحل، اللي نسيه في البيت. قام يبص مين، ملقاش حد. بس على الملف، كانت محطوطة ورقة مرسومة بألوان شمع. رسم چودي. مرسوم فيها تلات أشخاص ماسكين إيدين بعض. واحد طويل ليه دقن، وواحدة صغيرة بشعر كيرلي، وواحدة لابسة طرحة. وتحت الرسمة، هند كانت كاتبة بخطها: “بابا + چودي + ماما هند”.
ماهر مسك الورقة، وعينه وقعت على التفصيلة. إيديه هو وهند ماسكين إيدين چودي في النص. الورقة دي غرقته. الحبر كان بيسيح من عرقه، والورق اتبل. رمى الورقة وقام زي المجنون. ساق لحد المقابر. وقف قدام قبر ندى. الرخام الأبيض مكتوب عليه “ندى كمال. أم چودي”. نزل على ركبه، وصرخ بصوت خلع قلب التربي: “ليه؟ ليه سبتيهملي؟ ليه مأخدتنيش معاكي؟” خبط بإيده على الأرض: “أنا اللي قتلتها! كنت بكلمها، وسرحت ثانية. ثانية واحدة بس كانت كفاية أخسركم كلكم!”
كان بيكلم التراب، وبيكلم نفسه، وبيكلم ربنا.
حس بخطوات وراه. لف لقى هند واقفة بعيد، على أول الممر. صفية كانت كلمتها: “الحقينا يا هند، ماهر في المقابر ومش في وعيه”. زعق فيها: “جيتي ليه؟ جاية تشمتي؟ جاية تشوفي الراجل المكسور؟” هند قربت خطوتين، ووقفت. ماخافتش من صراخه. صوتها كان ثابت، ودافي زي كمدات امبارح. “أنا مش جاية أشمت يا باشمهندس. جاية أقولك إنك غلطان.” “غلطان؟ أنا اللي كنت سايق!” “والقدر فين؟” الكلمة خبطت فيه. هند كملت: “لو كانت غلطتك لوحدك، كانت چودي ماتت معاها. بس ربنا سابها لك. سابها لك أمانة. وسابك ليها. عشان تعيشوا. مش عشان تندفنوا أنتو الاتنين بالحيا.”
ماهر بص لها، وعينه فيها نار ودموع محبوسة. “بطلي كلام كتب. أنا اللي قتلتها.” هند بلعت ريقها وقالت: “طب قولي، ندى لو كانت مكانك، كانت هتعمل إيه؟ كانت هتموت نفسها على اللي فات، ولا كانت هتحضن بنتها وتكمل؟” السؤال ده كسره. ندى كانت تحضن چودي. كانت هتعيش. ماهر حط وشه بين كفيه، وجسمه كله اتهز. ولأول مرة من يوم الحادثة، من 6 شهور و18 يوم، الدموع نزلت. عياط راجل كبير، مكتوم، يوجع. عياط بيغسل 6 شهور سواد.
هند مقربتش. ممدتش إيدها. ماطبطبتش. بس فضلت واقفة. جنبه. سند من غير ما تلمسه. سابته ينزل كل اللي في قلبه لحد ما صوته اتنبح وسكت. بالليل، ماهر رجع الفيلا متأخر. هدومه عليها تراب المقابر، وعينه حمرا. وهو طالع على جناحه، عدّى من قدام الجناح الغربي. باب أوضة هند كان موارب، والنور الخافت طالع. وقف لحظة. سمع صوت واطي. بص من فتحة الباب. هند كانت ساجدة على سجادة الصلاة، وشها على الأرض، وكتفها بيتهز من العياط.
كانت بتدعي بصوت مسموع، مكسور: “يارب… يارب أنت العالم بحاله. يارب اشفه. اشفي قلبه واشفي بنته. يارب اجعلني سبب خير. سبب بس إنه يرجع يضحك، وإن البنت دي تنسى الوجع. يارب أنا ماليش غيرك، وهو وبنته مالهمش غيرك. حنن قلبه علينا، وحنن قلبنا عليه.” ماهر اتسمر مكانه. الكلام ده ماكانش ليه. كان لربنا. بس هو سمعه. سمع واحدة بتدعي له هو. الراجل اللي قالها “متتعشميش”، اللي قالها “قلبي مات”. بيدعي له في سجدتها، وهي ماتعرفش إنه سامع.
لأول مرة من يوم ما دخلت بيته، ماهر شاف هند. مش المربية. مش البنت الغلبانة. مش الصفقة اللي على الورق. شاف واحدة شايلة همه، وهم بنته، وبتصلي عشانه. سحب نفسه بشويش، وطلع على جناحه من غير ما يعمل صوت.
بس قلبه المتحجر، حس بيه لان أول مرة. حس إن في شرخ صغير، ونور بيتسرب منه. يتبع… — الفصل الخامس: العودة بيت مبني من جديد ماهر صحي بدري. مش من الكوابيس، صحي عشان الشمس دخلت من الشباك اللي سابه مفتوح امبارح. بص في المراية. اللحية اللي كانت مغطية وشه شهور، شافها النهاردة تقيلة على قلبه.
فتح الدرج، طلع مكنة الحلاقة القديمة. وقف قدام الحوض، وشغل المية السخنة. صوت الموس وهو بيعدي على وشه كان زي ما يكون بيكحت السواد اللي على قلبه. مع كل طبقة بتقع، كان حاسس إنه بيرجع بني آدم. خلص، بص لنفسه. ماكانش الوسيم بتاع زمان، كان في خطوط جديدة حوالين عينه، وشعرة بيضا طلعت في جنب راسه. بس كان هو. ماهر. نزل تحت، لقى هند في المطبخ بتعمل فطار لچودي. أول ما شافته وقفت متسمرة.
“صباح الخير.” صوته كان لسه خشن من النوم، بس فيه حياة. هند ابتسمت نص ابتسامة وقالت: “صباح النور يا باشمهندس. نورت.” قعد على السفرة لأول مرة من شهور. شرب قهوة، وبص لها وهي بتسرح لچودي. قال فجأة: “فاكر صفية قالت إنك خريجة تربية طفولة… وقفتي ليه؟ تحبي تكملي دراسة؟ ماجستير مثلاً؟” المعلقة وقعت من إيد هند. بصت له كأنه بيتكلم عبري. “أنا؟” “أيوه إنتِ. لو حابة، الشركة تتكفل بالمصاريف. وده مش جميلة، ده حقك.”
ماردتش. عينيها لمعت. كمل فطاره وسابها متلخبطة. بعد الضهر، كان في برج الصرفي. دخل الشركة، والموظفين كلهم وقفوا. شريف كان قاعد في مكتبه، أول ما شافه وشه جاب ألوان. ماهر مادالوش فرصةيتكلم. رمى ملف قدامه على المكتب. “الشئون القانونية خلصت التقرير. دي استقالتك عشان أحمي اسمك، ودي صورة من عريضة البلاغ للنيابة العامة. اختلاس، تزوير، وإضرار متعمد بمال الشركة. الأمن مستنيك تحت. لو ممضيتش حالاً، البلاغ ده هيكون على مكتب النائب العام كمان ساعة. اختار.”
شريف قام مفزوع: “إنت اتجننت؟ أنا اللي شيلت الشركة على كتافي!” ماهر قرب من وشه، وصوته واطي بس يخوف: “إنت اللي كنت هتدفنها. وكنت هتدفن بنتي معاك. امضي واخرج من هنا، ومش عايز أصوف خلقتك تاني غير في المحكمة.” شريف مضى وهو بيترعش وخرج بيجر أذيال الخيبة، وماهر قعد على كرسيه. لف بيه وبص من الإزاز البانوراما. القاهرة كلها تحتيه. رجع. بالليل في الفيلا، كانوا بيجهزوا أوضة چودي الجديدة. هينقلوها من أوضة البيبي لأوضة بنات كبيرة.
ماهر واقف في النص، الصنايعية حواليه. شاور لهند وقال: “تعالي. تحبي ندهن الحيطة لون إيه؟”
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



