روايات وقصص

بعد ما اتبرعت

بعد ما اتبرعت بدم عشان أنقذ جوزي المستقبلي، لمحت اسمي مكتوب على كيس الدم جوه صندوق تبريد.
مشيت ورا الممرضة من غير ما أحس.
دخلت أوضة جانبية، وشفتها بتطلع كيس الدم اللي اتسحب مني وترميه في صندوق النفايات الطبية الأحمر.
وفي نفس اللحظة، سمعت صوت خطيبي من أوضة ال وهو بيضحك
دي تعمل أي حاجة طول ما هي فاكرة إني بموت.
ما دخلتش أواجهه.
بصيت للكدمة اللي بدأت تظهر في دراعي، قفلت موبايلي، وفي نفس الليلة بدأت ألم هدومي.
لو بتحبيني بجد، متسأليش محتاجين قد إيه دم اعملي اللي أقولك عليه وبس.
دي كانت آخر رسالة من كريم قبل ما الممرضة تغرز الإبرة في دراعي.
بعد حوالي أربعين دقيقة، خرجت من بنك الدم في مستشفى خاص في القاهرة، وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني.
كان في شاش أبيض متثبت على دراعي، ودوخة خفيفة في دماغي، لكن جوايا كان إحساس أقوى من أي تعب.
كنت مقتنعة إني أنقذت الراجل اللي بحبه.
الراجل اللي بقالي تلات سنين معاه.
أو على الأقل ده اللي كنت فاكرة.
الساعة كانت اتنين وربع بعد نص الليل لما تليفوني رن.
كان المتصل مازن، أقرب أصحاب كريم.
صوته كان بيرتعش وبيمثل إنه بيعيط.
ندى كريم عمل حادثة بالعربية.
قلبي وقع.
حادثة إيه؟!
كان سايق بسرعة على طريق العين السخنة والعربية اتقلبت. الدكتور قال إنه فقد دم كتير جدًا.
سكت لحظة، وبعدين قال
وهو داخل العمليات كان بيسأل عليكي.
مافكرتش.
ماخدتش وقت حتى ألبس كويس.
خدت أول عربية وقعدت طول الطريق وأنا بدعي ربنا ما ياخدوش مني.
كريم العزايزي كان ابن عيلة كبيرة ومعروفة، ساكنين في مصر الجديدة، وعندهم شركات وأملاك وعلاقات تخلي أي حد يحسب لهم ألف حساب.
أما أنا، ندى سالم، فكنت بنت موظف معاشه على قده ومدرسة من شبرا.
ومع ذلك، عمري ما حسيت إن الفرق ده مشكلة.
كنت دايمًا بقول لنفسي
هو اختارني أنا.
كنت فاكرة إن دي أكبر علامة على إن ربنا بيحبني.
لحد الصبح ده.
بعد ما خلصت إجراءات التبرع، كنت رايحة ناحية الأسانسير، لما لمحت ممرضة بتزق صندوق تبريد صغير مخصوص لنقل أكياس الدم.
في الأول ما اهتمتش.
لكن وأنا بعدي جنبها، عيني وقعت على الاستيكر اللي على الصندوق.
الاسم المكتوب عليه كان
ندى سالم.
اسمي.
وقفت مكاني.
الممرضة دخلت أوضة صغيرة جنب بنك الدم.
مش عارفة ليه بس رجلي اتحركت وراها.
قربت من الباب وبصيت من فتحة صغيرة.
الممرضة فتحت الصندوق.
طلعت كيس الدم اللي اتسحب مني.
فضلت باصة عليه ثواني.
وبعدين
رمته في صندوق النفايات الطبية الأحمر.
اتجمدت مكاني.
قلت لنفسي أكيد أنا فاهمة غلط.
يمكن ده مش كيس الدم بتاعي.
يمكن في إجراء طبي أنا مش فاهمته.
لكن قبل ما أتحرك، سمعت ضحك جاي من أوضة ال في آخر الممر.
الباب كان موارب.
وصوت كريم وصل لودني.
دخلت خطوتين.
وبصيت.
كريم كان قاعد على السرير.
مرتاح.
لابس هدومه العادية.
في إيده كوب قهوة.
والموبايل في إيده التانية.
مفيش محاليل.
مفيش أجهزة.
مفيش جبيرة.
مفيش حتى خدش صغير في وشه.
وحوالينه مازن، ومروان، وكام واحد من صحابه.
كانوا بيضحكوا.
قال مروان
طب كام بقى؟
مازن ضحك وقال
ستة وتسعين.
الكل انفجر في الضحك.
حسيت إن الأرض اتحركت من تحتي.
كريم ابتسم وقال
دي كانت من أحسنهم.
واحد تاني قال
لا يا عم، بتاعة الإسورة كانت أقوى.
مازن رد وهو بيضحك
لما خليناها تلف على رجليها في المطر أربع ساعات عشان تدور على الإسورة اللي قالت إنك ضيعتها.
إيدي اترعشت.
افتكرت الليلة دي.
افتكرت كريم وهو بيتصل بيا قبل الفجر بصوت مكسور ويقول
الإسورة اللي إنتي هديتهالي ضاعت مش قادر أصدق.
وقتها فضلت أدور عليها في الشوارع لحد الساعة تلاتة الصبح.
رجعت البيت مبلولة، وحرارتي عليت بعدها بيوم.
كنت فاكرة إني بعمل ده عشان الراجل اللي بحبه.
لكن الحقيقة؟
كانوا قاعدين بيتسلوا بيا.
واحد منهم قال
طب فاكرين لما خليناها تصدق إن كريم في العناية المركزة؟
ضحكوا.
أما أنا
فحسيت نفسي مش قادرة آخد نفس.
افتكرت الليلة دي برضه.
كنت قاعدة في مسجد صغير، بعيط وبادعي ربنا يشفيه.
كنت مرعوبة من فكرة إني ممكن أصحى الصبح وألاقيه مات.
وهو
ماكانش تعبان أصلًا.
ولا دخل مستشفى.
ولا كان في عناية مركزة.
كان بيتفرج عليا من بعيد وأنا بانهار.
سمعت واحد تاني يقول
ولسه موضوع اتهامها بسرقة مشروع التخرج!
قلبي وقف.
أنا فضلت شهور أحاول أثبت إني ما سرقتش بحث التخرج.
اتحرمت من حضور حفل التخرج.
دخلت في تحقيقات.
اتخانقت مع دكاترة الجامعة.
وحتى أهلي شكوا فيا فترة.
وفي الآخر قالولي إن الموضوع كان مجرد خطأ في تسجيل الأوراق.
لكن صوت مازن جه واضح
ده كان أحلى واحد فيهم.
رد كريم ببرود
أصلها صدقت بسرعة.
ضحكوا.
واحد منهم سأله
طب وإنت عملت إيه في الورق؟
مازن قال
بعته من إيميل مجهول زي ما اتفقنا.
حسيت إن وداني بتطن.
كل المصايب اللي حصلتلي
كانت متخططة.
مش صدفة.
مش سوء حظ.
هم اللي كانوا وراها.
وفجأة سمعت مازن يقول
فاضل تلاتة بس.
الضحك اختفى.
مروان بص لكريم
وبعد التلاتة؟
سكت كريم شوية.
وبعدين قال
أسيبها.
مازن ابتسم.
وترجع لمين؟
كريم رفع عينه وقال
لسارة.
اسمها وقع عليا كأنه حجر.
سارة منصور.
البنت اللي كانت بتنافسني من أيام الجامعة.
البنت اللي كنت دايمًا حاسة إنها بتكرهني من غير سبب.
من سبع سنين، أنا وسارة كنا بنشارك في مسابقة رقص في جامعة في الإسكندرية.
هي كانت المرشحة الأولى.
أهلها كانوا صارفين عليها فلوس كتير، ومدربين مخصوص، وناس بتدعمها.
أما أنا؟
كنت بتدرب في أوضة صغيرة فوق سطح بيتنا.
وأبويا كان موفر تمن الجزمة بالعافية.
ومع ذلك
أنا كسبت.
وسارة أخدت المركز التاني.
ماكنتش أعرف إن الليلة دي هتفضل في دماغها بالشكل ده.
سمعت مروان يقول
ندى أخدت منها الكأس اللي كانت شايفاه حقها.
مازن رد
وعشان كده كريم قرب منها.
سكت لحظة، وبعدين كمل
الأول يخليها تحبه.
وبعد كده؟
يخليها تدفع تمن اللي عملته.
حطيت إيدي على بقي عشان ما أصرخش.
تلات سنين.
تلات سنين وأنا بحاول أفهم ليه كريم ساعات يبقى أحن إنسان في الدنيا، وساعات تانية يتحول لشخص بارد وقاسي.
كنت دايمًا بلوم نفسي.
كنت بقول
يمكن أنا حساسة زيادة.
يمكن أنا شكاكة.
يمكن أنا اللي بفهمه غلط.
لكن الحقيقة كانت أبشع.
أنا ماكنتش حبيبته.
كنت لعبته.
وسمعت صوته تاني.
وبعدين متكبروش الموضوع. ندى أصلًا بتدخل نفسها في الحاجات دي.
ضحك.
محدش بيجبرها على حاجة.
الجملة دي كانت كفاية.
رجعت لورا قبل ما حد يشوفني.
مشيت في الممر وأنا حاسة إن كل خطوة بتبعدني عن البنت اللي كنتها.
خرجت من المستشفى.
قعدت على كرسي قدام المدخل.
بصيت لدراعي.
الكدمة اللي من الإبرة كانت بدأت تزرق.
فضلت أبص لها شوية.
وبعدين تليفوني رن.
أمي.
رديت وأنا ساكتة.
قالت
ندى؟ بابا خلص إجراءات البيت في المنصورة.
سكت.
هننقل الشهر الجاي، ولسه أوضتك زي ما هي.
فضلت ساكتة.
كانت بقالها شهور بتطلب مني أروح معاهم.
وأنا كل مرة أقول
مش هقدر أسيب كريم.
عمري ما تخيلت إني هقول الجملة اللي بعدها.
ماما؟
أيوه يا حبيبتي.
خديلي أوضتي معاكي.
سكتت أمي ثواني.
وبعدين قالت
إنتي كويسة؟
بصيت قدامي.
ومسحت دمعة نزلت غصب عني.
لأول مرة آه.
قفلت المكالمة.
بعد ثواني، موبايلي اهتز.
رسالة من كريم.
فتحتها.
تعالي بكرة عندي. لسه فاضل تلات حاجات لازم نخلصهم.
فضلت باصة للرسالة.
دلوقتي فهمت إن الأرقام اللي بيتكلموا عنها مش هزار.
رقم 97.
98.
99.
لكن اللي ماكنتش أعرفه
إن رقم 99 ماكانش مجرد مقلب جديد.
ولا خيانة.
ولا حتى فضيحة عادية.
كانوا مجهزين حاجة أكبر بكتير.
حاجة متخطط لها من شهور.
حاجة هدفها مش بس تذلني
لكن تدمّر سمعتي قدام كل الناس اللي أعرفهم.
وهم كانوا فاكرين إني لسه البنت الغبية اللي هتصدق أي كلمة يقولها كريم.
لكنهم ماكانوش يعرفوا إن من اللحظة اللي خرجت فيها من المستشفى
ندى

لقديمة ماتت.
والبنت اللي هترجع لهم بكرة
ماكانتش ناوية تلعب دور الضحية تاني.
تاني يوم الصبح، صحيت قبل المنبه.
الغريب إني ماكنتش خايفة.
ولا حتى مكسورة.
كنت حاسة بحاجة غريبة جدًا
هدوء.
الهدوء اللي بييجي بعد ما تعرف إن أسوأ حاجة كنت خايف منها حصلت فعلًا، ومابقاش عندك حاجة تخسرها.
قعدت على طرف السرير، وبصيت للكدمة اللي في دراعي.
نفس الكدمة اللي من يومين كنت ببصلها وأنا بقول
أنا عملت كل ده عشان أنقذ كريم.
دلوقتي كنت ببص لها وأقول
دي أول حاجة فضحتكم.
مديت إيدي للموبايل.
دخلت على محادثتي مع كريم.
آخر رسالة منه كانت
تعالي عندي. لسه فاضل تلات حاجات لازم نخلصهم.
كتبت
حاضر.
وبعت.
ثواني والرسالة اتقريت.
جالي منه
كنت عارف إنك مش هتخيبي ظني.
ابتسمت.
لأول مرة من تلات سنين، ابتسمت وأنا بقرا رسالة من كريم من غير ما أحس بأي حاجة ناحيته.
لا حب.
لا خوف.
ولا حتى كره.
مجرد احتقار.
لبست فستان بسيط، وخدت شنطتي، ونزلت.
قبل ما أخرج من البيت، اتصلت بماما.
أيوه يا ندى؟
ماما، أنا جاية المنصورة النهارده.
بجد؟
آه.
سكتت.
وبعدين قالت بصوت فرحان
طب أعملك مكرونة بالبشاميل؟
ضحكت رغمًا عني.
اعملي.
إنتي كويسة؟
بصيت لنفسي في المراية.
أيوه يا ماما.
وبعدين ضفت
بس لو حصل مني حاجة غريبة الأيام الجاية أو حد كلمك وقالك إني تعبانة أو مجنونة أو عملت مصيبة ما تصدقيش غير لما تسمعي مني.
سكتت أمي.
ندى حصل إيه؟
هحكيلك لما أرجع.
قفلت.
كنت محتاجة حد واحد على الأقل في الدنيا دي يفضل مصدقني.
وبعدين روحت لمكان واحد.
مش عند كريم.
المحامية.
صاحبتي القديمة، هالة.
كانت بتشتغل في مكتب محاماة صغير في وسط البلد، وكنت أعرف إنها من أكتر الناس اللي بتكره الظلم.
دخلت عليها من غير ميعاد.
أول ما شافتني، قامت.
ندى؟!
محتاجة منك خدمة.
إيه؟
حطيت موبايلي قدامها.
عايزاكي تقوليلي حاجة واحدة بس.
شغلت تسجيل الصوت اللي سجلته وأنا واقفة قدام أوضة كريم.
هالة سمعت أول دقيقتين.
وشها اتغير.
ولما وصل التسجيل لجملة
نخلص التلاتة ونسيبها.
وقفت الصوت.
وبصتلي.
إنتي متأكدة إن الصوت ده كريم؟
آه.
والتسجيل ده اتاخد إمتى؟
امبارح.
ومحدش كان عارف إنك بتسجلي؟
هزيت راسي.
لأ.
هالة فضلت ساكتة.
وبعدين قالت
ندى، لو اللي في التسجيل ده حقيقي، الموضوع مش مجرد خطوبة فاشلة.
عارفة.
لازم نعرف التلات حاجات دول إيه.
وأنا عارفة إنهم هيحاولوا يخلوني أعملهم بإيدي.
هالة قربت مني.
وإنتي ناوية تعملي إيه؟
بصيت لها.
أخليهم يعملوا كل حاجة بإيديهم هما.
الساعة كانت ستة ونص مساءً لما وصلت بيت كريم.
الفيلا كانت مليانة عربيات.
دخلت.
لقيت أمه في الصالون.
أول ما شافتني، ابتسمت ابتسامة باردة.
ندى! أخيرًا.
حضنتني.
أنا حضنتها.
وأنا عارفة إنها بتلمس البنت اللي ابنها ناوي يدمرها.
قالت
كريم مستنيكي فوق.
طلعت.
لقيته واقف قدام المراية، لابس قميص أبيض.
بمجرد ما شافني، فتح دراعه.
حبيبتي!
قرب وحاول يحضني.
بعدت نص خطوة.
قال باستغراب
مالك؟
تعبانة شوية.
من التبرع؟
بصيت له.
آه.
ابتسم.
أنا حاسس بالذنب أصلًا.
كان بيكذب بسهولة لدرجة تخوف.
قعدت.
دخل مازن.
وبعده مروان.
وبعد كام دقيقة دخلت سارة.
أول ما شفتها، فهمت ليه كانت واثقة قوي من نفسها في الجامعة.
كانت لابسة فستان غالي، وبتتحرك في البيت كأنها صاحبته.
قربت مني.
إزيك يا ندى؟
كويسة.
ابتسمت.
سمعت إنك اتبرعتي بدمك عشان كريم.
بصيت في عينيها.
آه.
قالت
ده حب بجد.
قلت
أكيد.
وسكت.
كريم قال
بما إننا كلنا موجودين، نخلص أول حاجة.
حط قدامي ظرف.
افتحي.
فتحته.
لقيت ورقة.
قرأت أول سطر.
إقرار بالتنازل عن أي مطالبات مالية أو حقوق مستقبلية تخص العلاقة بين ندى سالم وكريم العزازي.
بصيت له.
يعني إيه؟
ضحك.
مفيش حاجة. ده إجراء عادي قبل الجواز.
كنت عارفة إن دي أول واحدة.
واحد.
من التلاتة.
قلت
حاضر.
مديت إيدي للقلم.
وشفت عينيه بتلمع.
مسكت القلم.
وقبل ما أمضي
وقفت.
ممكن أقرأها بهدوء الأول؟
اتوتر للحظة.
لكن رجع يبتسم.
طبعًا.
حطيت الورقة في شنطتي.
هاخدها معايا أراجعها.
وش كريم اتغير.
لا، دي تتقري هنا.
ابتسمت.
طب ليه؟
سكت.
سارة تدخلت
ندى، كريم بيحاول يطمنك.
بصيت لها.
وأنا بحاول أطمن نفسي.
سكتت.
أخدت الورقة ومشيت.
سمعت كريم بينادي
ندى!
ماوقفتش.
نزلت السلم.
وأول ما خرجت من الفيلا، بعت صورة الورقة لهالة.
ردت فورًا
ما تمضيش.
كتبت
كنت عارفة.
بعد ثواني
دي مش تنازل عادي. دي صياغة تخليه يقدر يستخدمها ضدك لو حصلت مشكلة.
ابتسمت.
أول خطوة فشلت.
لكن كنت عارفة إنهم مش هيستسلموا.
بعد يومين، كريم اتصل.
ندى؟
أيوه.
أنا آسف على اللي حصل.
حصل إيه؟
سكت.
حاسس إنك متغيرة.
يمكن.
أنا عايز أشوفك.
ليه؟
عشان أديكي الحاجة اللي طول عمرك نفسك فيها.
قلت
إيه؟
خاتم الجواز.
قفلت عيني.
كنت فاكرة إنه هيقول أي حاجة إلا دي.
قلت
ماشي.
قابلته في مطعم راقي في الزمالك.
قعد قدامي.
طلع علبة صغيرة.
فتحها.
خاتم ألماس.
اتجوزيني.
بصيت للخاتم.
وبعدين له.
إمتى؟
الجمعة.
ضحكت.
بسرعة كده؟
عايز أصلح كل حاجة.
وفي اللحظة دي، موبايلي اهتز.
رسالة من رقم مجهول.
لو وافقتي على الجواز، هتندمي.
رفعت عيني لكريم.
كان بيبتسم.
قلت
أنا موافقة.
اتصدم.
بجد؟
آه.
ابتسم ابتسامة واسعة.
كنت عارف إنك بتحبيني.
قلت
أكتر مما تتخيل.
رجعت البيت وفتحت الرسالة المجهولة.
ما رديتش.
بدل كده، بعتها لهالة.
هالة ردت
خليكي مكملة. واضح إنهم عايزين الجواز عشان حاجة أكبر.
وفعلًا
بعد ساعات عرفت.
كريم ماكانش ناوي يتجوزني أصلًا.
كان ناوي يعمل حفلة خطوبة كبيرة قدام عيلته وأصحابه، وبعدها يحصل الموقف.
والموقف كان عبارة عن فيديو متفبرك يبينني وأنا بسرق من خزنة العيلة مبلغ كبير.
والأسوأ؟
كانوا مجهزين شهود.
وشخص هيقول إنه شافني.
وشخص تاني هيقول إني اعترفت.
أما الخطة الحقيقية
فكانت إنهم يصوروا المواجهة كلها.
وبعدها يطلع الفيديو على السوشيال ميديا.
ندى سالم، البنت اللي اتخطبت لابن عائلة العزازي عشان فلوسهم، وتم ضبطها وهي بتسرق.
كنت هتحول من حبيبة إلى نصابة في ليلة واحدة.
والتلات حاجات كانوا
التنازل.
السرقة.
والفضيحة.
لكن كان في حاجة هما مايعرفوهاش.
أنا عرفت الخطة قبل ما تبدأ.
يوم الحفلة، لبست فستان بسيط.
وصلت.
القاعة كانت مليانة.
عيلة كريم.
أصحابه.
ناس من شركته.
ناس من الجامعة.
وحتى سارة.
كانت واقفة جنبه.
قربت مني وقالت
مستعدة؟
ابتسمت.
جدًا.
بعد نص ساعة، كريم قال
ندى، تعالي معايا.
دخلني غرفة جانبية.
على الترابيزة كان في صندوق مفتوح.
وفيه مبلغ كبير.
قال
أنا حاطط الفلوس دي هنا عشان أوريكي حاجة.
بصيت له.
إيه؟
هاتفي.
مد إيده.
سيبي موبايلك هنا.
قلت
ليه؟
عايز أتكلم معاكي من غير تصوير.
ابتسمت.
حاضر.
حطيت موبايلي على الترابيزة.
لكن قبل ما أدخل، كنت بالفعل بعثت موقعي لهالة.
وبعتلها
بدأت.
دخلت.
كريم قفل الباب.
بعد دقيقة، دخل مازن.
وبعده سارة.
قال مازن
خلاص؟
كريم هز راسه.
سارة قالت
حطي الفلوس في شنطتها.
اتجمدت.
كنت متوقعة كل حاجة.
إلا الجملة دي.
قال كريم
وبعدين ننده للناس.
سارة بصتلي.
أخيرًا هتفهم إن الكأس اللي خدته مني من سبع سنين كان أغلى من مجرد مسابقة.
بصيت لها.
إنتي عملتي كل ده عشان مسابقة رقص؟
صرخت
مش عشان المسابقة!
سكتت لحظة.
وبعدين قالت
عشان إنتي أخدتي كل حاجة.
إيه اللي أخدته؟
الاهتمام.
الحب.
النجاح.
وحتى كريم.
ضحكت.
كريم؟
بصيت له.
هو ماكانش بيبص لسارة.
كان بيبص للأرض.
قلت
إنتي فعلًا فاكرة إن كريم اختارك؟
سارة اتعصبت.
اسكتي!
هو كان بيستخدمك زي ما كان بيستخدمني.
كريم رفع عينه.
ندى، كفاية.
بصيت له.
إنت خايف؟
من إيه؟
من الحقيقة.
في اللحظة دي، الباب اتفتح.
ودخلت واحدة من موظفات القاعة.
أستاذ كريم، في مشكلة.
خرج.
أنا خرجت وراه.
الناس كلها بدأت تتجمع.
مازن فتح شنطتي.
وطلع الفلوس.
وصوت من آخر القاعة صرخ
سرقة!
الكل بصلي.
واحد من أقارب كريم قال
دي فلوس كانت في خزنة العيلة!
مروان قال
أنا شوفتها وهي بتدخل الغرفة.
سارة قالت
أنا للأسف كنت شاكّة فيها من زمان.
كنت واقفة في النص.
كلهم بيتكلموا.
لكن أنا ما اتكلمتش.
بصيت لكريم.
وقلت بهدوء
قولهم.
قال
أقولهم إيه؟
قولهم إني سرقت.
سكت.
قولهم إني نصابة.
سكت.
قولهم إني وحشة.
كان عايز يتكلم.
لكن قبل ما يفتح بقه
اتسمع صوت من السماعات.
صوت كريم نفسه.
واضح.
نقي.

صوت سارة
حطي الفلوس في شنطتها.
ثم صوت كريم
وبعدين ننده للناس.
الناس بدأت تبص لبعض.
مازن حاول يجري ناحية السماعات.
لكن الباب اتفتح.
دخلت هالة.
ومعاها محامي تاني.
ومعاهم اتنين من الشرطة.
كريم بصلي.
إنتي عملتي إيه؟
ابتسمت.
عملت اللي إنت علمتني أعمله.
إيه؟
صدقتك.
هالة حطت ملف على الترابيزة.
وقالت
بس المرة دي، صدقتك ومعايا دليل.
الموضوع ماخلصش هنا.
الشرطة فتشت المكان.
واتضح إن كاميرات القاعة اتسجلت عليها كل التحركات.
والأهم
إن الكاميرات سجلت مازن وهو بيحط الفلوس في شنطتي.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في التسجيلات اللي طلعتها هالة.
كانت مش مجرد تسجيلات صوت.
كان في تسجيلات من موبايل مازن نفسه.
رسائل بينهم.
صور.
تحويلات مالية.
قائمة مكتوب عليها
ندى 99 موقف.
وتحتها عشرات التواريخ.
كل حاجة حصلتلي كانت موجودة.
الإشاعة.
اتهام سرقة مشروع التخرج.
موضوع الإسورة.
مكالمة المستشفى الوهمية.
حتى حادث العربية.
لكن لما هالة فتحت ملف حادث العربية، ظهر شيء أخطر.
الحادث أصلًا ماكانش حادث.
كان كريم متفق مع واحد من السواقين إنه يعمل تصادم بسيط، وبعدها يدخل المستشفى لساعات.
لكن اللي ماحسبوش حسابه
إن السواق كان عليه قضية قديمة، ولما الشرطة بدأت تحقق معاه، انهار واعترف.
واعترف بحاجة تانية.
إن كريم كان بيدفع فلوس عشان يعمل حوادث صغيرة لأشخاص اختلفوا معاه في الشغل.
هنا الموضوع خرج من نطاق الانتقام.
وبقى قضية جنائية حقيقية.
أما موضوع الدم
فكان أكبر صدمة.
هالة قدرت توصل لطبيب في المستشفى.
والطبيب اعترف إن كريم ماكانش محتاج نقل دم أصلًا.
التحاليل أثبتت إن فصيلة دمه وحالته ماكانوش يستدعوا نقل دم.
أما كيس الدم اللي اتسحب مني
فكان جزء من خطة تانية.
كانوا عايزين يستخدموه كدليل مزيف بعدين إن ندى اتبرعت بكميات غير آمنة من الدم وإنها كانت بتتصرف بشكل متهور بسبب تعلقها بكريم.
لكن الممرضة اللي رمت الكيس ماكانتش متورطة في كل الخطة.
كانت فاكرة إن الكيس اتسحب بالخطأ وإنه غير صالح للاستخدام بسبب مشكلة في التسجيل.
لما الشرطة حققت معاها، قالت الحقيقة.
وكمان قالت إن الشخص اللي طلب منها التخلص منه كان مازن.
كل قطعة كانت بتقفل باب.
وكل كذبة كانت بتفتح عليهم باب أكبر.
بعد أسبوعين
سارة انهارت.
قابلتني في المحكمة.
كانت قاعدة لوحدها.
قربت مني.
ندى.
وقفت.
إيه؟
بصت للأرض.
أنا آسفة.
سكت.
أنا كنت غبية.
قلت
لأ.
رفعت عيني.
إنتي كنتي عارفة كويس إنتي بتعملي إيه.
دموعها نزلت.
أنا حبيت كريم.
هزيت راسي.
وأنا كمان.
سكتنا.
وبعدين قلت
بس الفرق إنك حاولتي تكسري إنسانة عشان راجل.
سارة بكت.
وإنتي؟
بصيت لها.
أنا كنت فاكرة إن الحب معناه أستحمل.
ودلوقتي؟
ابتسمت.
دلوقتي عرفت إن الحب اللي يطلب منك تهيني نفسك مش حب.
مشيت.
وما بصيتش ورايا.
بعد شهرين، صدر الحكم.
كريم اتدان في قضايا الاحتيال والتزوير والتحريض على تلفيق الاتهامات والتلاعب بالأدلة.
مازن اتعاقب باعتباره شريكًا أساسيًا.
أما سارة، فحصلت على حكم أخف بعد ما اعترفت بكل شيء وقدمت الرسائل والتسجيلات.
لكن بالنسبة لي
الحكم الحقيقي كان حاجة تانية.
إني دخلت المحكمة باسم ندى سالم.
وخرجت منها بنفس الاسم.
من غير تهمة.
من غير فضيحة.
من غير ما أكون مدينة لحد بحاجة.
بعد ست شهور، كنت واقفة قدام محل صغير في المنصورة.
على اللافتة كان مكتوب
سالم ديزاين.
مشروع صغير بدأته من الصفر.
أنا اللي بديره.
أنا اللي بختار الناس.
أنا اللي بدفع المرتبات.
وأنا اللي باخد قراراتي.
في يوم الافتتاح، بابا كان واقف جنبي.
قال
فاكرة لما كنتي بتقولي إنك مش هتقدري تعيشي من غير كريم؟
ضحكت.
كنت غبية.
ابتسم.
كلنا بنتعلم.
ماما خرجت من المحل وهي شايلة صينية.
يا ندى، الناس هتخلص الكيكة!
ضحكت.
ولأول مرة من سنين
كان الضحك حقيقي.
مش تمثيل.
مش محاولة أخبي وجع.
ضحك من القلب.
بالليل، وأنا بقفل المحل، لقيت ظرف صغير تحت الباب.
اتوترت للحظة.
فتحته.
ورقة واحدة.
رقم 100.
قلبي دق.
بصيت حواليّا.
وبعدين قلبت الورقة.
كان مكتوب
المرة دي مش مقلب.
فضلت باصة للورقة.
لحد ما سمعت صوت حد ورايا.
مبروك.
لفيت.
لقيت هالة.
ضحكت.
إنتي اللي حطيتيها؟
هزت راسها.
آه.
ليه؟
مدتلي مفتاح.
عشان أقولك إن المشروع الجديد بتاعك اتقبل.
بصيت للمفتاح.
مشروع إيه؟
الفرع التاني.
سكت.
يعني؟
ابتسمت.
يعني رقم 100 الحقيقي مش فضيحة.
أمال إيه؟
قالت
بداية جديدة.
بصيت للمحل.
وبعدين للشارع.
ولأول مرة فهمت حاجة ماكنتش فاهمها طول السنين اللي فاتت.
كريم كان فاكر إن أقسى حاجة ممكن يعملها فيا إنه ياخد مني حبّه.
لكن الحقيقة
هو ماكانش واخد مني حاجة.
هو كان بيخليني أخسر نفسي وأنا بحاول أرضيه.
ولما خرج من حياتي
أنا أخيرًا رجعت لنفسي.
بعد سنة كاملة، كنت راجعة من القاهرة للمنصورة.
وأنا في العربية، تليفوني رن.
رقم غريب.
رديت.
صوت راجل كبير قال
حضرتك ندى سالم؟
أيوه.
أنا مدير بنك الدم في المستشفى اللي حصل فيها موضوع التبرع.
سكت.
إحنا بنراجع بعض الإجراءات القديمة، وحبيت أبلغ حضرتك إن التحقيق أثبت إن التبرع بتاعك اتسجل باسمك بشكل صحيح، لكن تم التخلص منه بأمر غير قانوني.
ابتسمت.
عرفت.
وفي حاجة تانية.
إيه؟
الممرضة اللي كانت موجودة وقتها طلبت مني أقولك إنها آسفة.
سكت لحظة.
وبعدين قلت
خليها ما تعتذرش.
ليه؟
لأنها كانت أول شخص خلاني أشوف الحقيقة.
قفلت المكالمة.
وبصيت من شباك العربية.
الدنيا كانت بتجري.
نفس الطريق.
نفس البلد.
لكن أنا ماكنتش نفس البنت.
بعد سنتين
كنت في مكتبي الجديد.
جالي إيميل.
فتحت.
كان من شركة كبيرة بتطلب شراكة مع مشروعي.
وقعت العقد.
وبعدها وقفت قدام الشباك.
السكرتيرة قالت
مدام ندى، في حد عايز يقابلك.
مين؟
مش عايز يقول اسمه.
ضحكت.
دخليه.
الباب اتفتح.
دخل شاب في أوائل التلاتينات.
قال
أنا آسف إني جيت من غير ميعاد.
اتفضل.
أنا كنت واحد من الناس اللي كانوا موجودين يوم حفلة كريم.
سكت.
وكنت واحد من اللي ضحكوا عليكي.
بصيت له.
إنت عايز إيه؟
طلع من جيبه ورقة.
عايز أديكي حاجة كان كريم محتفظ بيها.
أخدت الورقة.
كانت صورة قديمة.
أنا وكريم.
من أول سنة اتعرفنا.
كنت مبتسمة.
بريئة.
فاكرة إن الدنيا حلوة.
قلبت الصورة.
كان مكتوب وراها بخط كريم
هكسرها وأخليها هي اللي تفضل تجري ورايا.
قرأت الجملة.
فضلت ساكتة.
وبعدين مزقت الصورة نصين.
الشاب اتفاجئ.
مش عايزاها؟
بصيت له.
لأ.
ليه؟
رميت القطعتين في سلة الورق.
عشان دي آخر حاجة تخصه عندي.
في نفس الليلة، رجعت البيت.
ماما كانت قاعدة في الصالة.
قالت
ندى، تعالي.
نعم؟
في حد اتصل بيا.
مين؟
ابتسمت.
حد بيسأل عليكي.
رفعت حاجبي.
مين؟
اسمه عمر.
ضحكت.
عمر مين؟
معرفش.
وبعدين قالت
بس صوته محترم.
ضحكت.
يا ماما، أنا مش ناقصة جواز.
محدش قال جواز.
أمال إيه؟
ابتسمت أمي.
قال إنه عايز يتعرف عليكي.
سكت.
ولأول مرة، ماحسيتش بخوف.
ولا حسيت إني لازم أهرب.
قلت
خلي رقمه.
أمي ابتسمت.
بس؟
بس.
دخلت أوضتي.
وقفت قدام المراية.
بصيت لنفسي.
لمست مكان الكدمة القديمة في دراعي.
ماكانش فيها أي أثر تقريبًا.
وفهمت إن ده بالظبط اللي حصل لجوايا.
الأثر اختفى.
لكن الدرس فضل.
مافيش إنسان يستحق إنك تخسر نفسك عشانه.
ومافيش حب حقيقي يخليك تثبت إنك تستحق الحياة عن طريق الألم.
أنا اتبرعت بدم عشان أنقذ رجل كنت فاكرة إنه بيموت.
وفي الآخر
طلع هو اللي كان بيموت من غيري.
مش جسده.
صورته.
سلطته.
وقدرته إنه يتحكم فيا.
أما أنا؟
أنا ما متّش.
أنا بدأت.
ومن يومها
كل ما أشوف أثر الإبرة القديم على دراعي، ما بفتكرش كريم.
بفتكر ندى.
البنت اللي دخلت المستشفى وهي فاكرة إنها بتنقذ حبيبها
وخرجت منها وهي بتنقذ نفسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى