
سارة بصتلي بثبات رهيب، مفيش دموع، ومفيش أي علامة من علامات المفاجأة اللي كنت مستنيها! فجأة، لقيتها سابت الكوباية من إيدها بهدوء شديد، وابتسمت ابتسامة باردة غامضة، ابتسامة خلت شعر جسمي كله يقف. قالتلي بنبرة هادية لدرجة مرعبة: “أخيراً جيت وقلتلي يا أحمد.. أنا كنت مستنية اللحظة دي من زمان!”
أنا تنحت مكاني، وبقيت حاسس إن الكلام مش مفهوم، أو إني دخلت في كابوس مش عارف أصحى منه. سألتها بذهول: “مستنياها؟ يعني إيه مستنياها يا سارة؟! أنتِ عارفة أختك بتعمل إيه؟”
سارة عدلت قعدتها وقربت مني، وبصت في عيني مباشرة وقالت كلام نزل عليا زي الصاعقة: “عارفة يا أحمد.. عارفة كل حاجة من قبل ما هنا تيجي بيتنا أصلاً.. لأن أنا اللي طلبت منها تعمل كدا!”
الحقيقة المُرّة: الدنيا لفت بيا، وحسيت إن الأرض بتهتز تحت رجلي.
“أنتِ اللي طلبتِ منها؟! أنتِ واعية للكلام اللي بتقوليه؟!” صرخت فيها وأنا مش قادر أستوعب. سارة نزلت راسها للأرض ولأول مرة نبرة صوتها تتغير ويبان فيها الانكسار، وقالت: “أحمد، أنا بحبك.. بحبك لدرجة الخوف. من يوم ما اتجوزنا وكل الناس بتحسدنا على حبنا، وكل ما بطني كانت بتكبر مع الحمل، كان الخوف جوايا بيكبر معاها. كنت بشوف نفسي في المراية بتتغير، تعبانة ومجهدة، ومبقتش الست الجميلة اللي خطفت قلبك. وساعتها الشيطان لعب في دماغي!”
دموعها بدأت تنزل وهي بتكمل: “بدأت أخاف لتمل مني، أخاف لعينك تروح برا وأنا تعبانة ومش قادرة أهتم بيك. وفكرة إن في ست تانية ممكن تقرب منك كانت بتدبحني. لما ماما اقترحت هنا تيجي تساعدني، الشيطان وزّني.. قلت أختي صغيرة، وبتثق فيا ومستحيل تطمع فيك، وفي نفس الوقت مراهقة وطايشة.. فأتفقت معاها تعمل كدا!”
“اتفقتی معاها على إيه يا سارة؟!” سألتها والصدمة شالة لساني.
قالت وهي بتبكي بحرقة: “قلتلها تختبرك! قلتلها تحاول تقرب منك وتشوف رد فعلك.. كنت عايزة أطمن إن جوزي سندي وأماني مستحيل يضعف أو يبص لغيري حتى لو كانت بنت صغيرة وعايشة معاه في نفس البيت! كنت عايزة أشتري راحة بالي باختبار قاسٍ.. هنا مكانتش بتعمل كدا من ورايا، دي كانت بعد كل موقف تدخل الأوضة تحكيلي بالتفصيل أنت عملت إيه ورديت إزاي!”
المواجهة:
في اللحظة دي، حسيت بنار بتغلي جوايا. الثقة، الأمان، الحب اللي عيشته سنين، كل ده اتهز في لحظة واحدة بسبب شك ومرض نفسي ملُوش أي مبرر. أنا اللي كنت مرعب على مشاعرها وعلى بيتي، كنت مجرد حقل تجارب لشكوكها! وقفت على رجلي وزعقت بكل قوتي: “اختبار؟! أنتِ بتهدمي بيتنا وبتدمري ثقتي فيكِ وفي أهلك عشان اختبار؟ أنتِ خلتِ بنت مراهقة، لسه مش فاهمة حاجة في الدنيا، تتجرأ على جوز أختها وتتعلم أساليب عشان ترضي شكك؟! أنتِ دمرتِ صورتك وصورة أختك في عيني للأبد!”
في الموقف ده، الباب اتفتح بالراحة ودخلت هنا. كانت بتبكي ووشها أحمر من الكسوف والخوف. بصتلي وقالت وهي بترتعش: “أنا آسفة يا أبيه أحمد.. والله أنا بحبك وبحترمك زي أخويا الكبير، ومكنتش عايزة أعمل كدا.. بس سارة هي اللي ضغطت عليا وقالتلي إنها بتمر بأزمة نفسية ومحتاجة تتاكد إنك بتحبها عشان ترتاح في حملها.. أنا آسفة متزعلش مني!”
بصيت ليهم هما الاتنين، وحسيت بغربة شديدة. البيت اللي كان مليان دفا وحنان، فجأة اتحول لساحة من المؤامرات.
القرار الحاسم:
قعدت على الكرسي وحطيت راسي بين إيديا، كنت محتاج أتنفس، محتاج أستوعب حجم الخيانة النفسية اللي تعرضت لها. سارة حاولت تقرب مني وتمسك إيدي وهي بتبكي: “سامحني يا أحمد.. أنا غبية، أنا ضيعت نفسي وضيعت أختي من كتر خوفي عليك.. أرجوك متسبنيش، أنا حامل في ابننا!”
شلت إيدها براحة بس بحسم، وبصيتلها بنظرات جافة وخالية من أي مشاعر وقُلت: “الشك لما بيدخل من الباب، الحب بيهرب من الشباك يا سارة. أنا عمري ما قصرت معاكي، وعمري ما بصيت برا، وكنت بشيلك في عيني وأنتِ تعبانة.. تقومي تكافئيني بإنك تحطيني في موقف سيء زي ده وتلعبي بأختك الصغيرة؟”
سكتت للحظات وأنا باخد قراري اللي هيحمي اللي باقي من كرامتي وبيتي: “هنا.. بكرا الصبح ترجعي بيت والدتك، والموضوع ده يتقفل تماماً ومسمعش عنه نص كلمة تانية قدام أي حد من أهلك.. وأنتِ يا سارة…” بصيت لسارة اللي كانت بتترعش ومستنية حكمي، فكملت: “أنتِ هتفضلي في البيت ده لحد ما تقومي بالسلامة وتولدي ابننا، لأني راجل وأصيل ومش هرمي مراتي وهي تعبانة.. بس من اللحظة دي، أنتِ شريكة في البيت وبس.. الحب والأمان والثقة اللي كانوا بينا، أنتِ هديتيهم بإيدك، وعشان يرجعوا تاني.. هتحتاجي عمر كامل تبني فيهم اللي اتهد في لحظة شك!”
خرجت من الأوضة وسيبتها بنار دموعها وندمها، وقعدت في الصالة وأنا ببص للسما، حزين على الحب الكبير اللي ذبحه الشك، ومدرك إن أصعب الطعنات هي اللي بتيجي من أقرب الناس ليك.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



