
رجع كريم منصور بيته قبل معاده بساعات، وفجأة وقف مكانه لما سمع ضحكة بقاله 23 شهر فاكر إنها اختفت للأبد.
الضحكة ما كانتش جاية من التلفزيون، ولا من واحد من الأخصائيين اللي كانوا بييجوا كل أسبوع للفيلا العائلية في التجمع الخامس. كانت جاية من الصالون، حيث كانت لوسى عبد الرحمن، الست اللي شغالة في البيت بقالها 4 سنين، بترقص وإيديها مفرودة قدام آدم، ابنه اللي عنده 9 سنين.
آدم كان بيتحرك على كرسي متحرك كهربائي بسبب إعاقة حركية، وكان ضمن طيف التوحد. الأصوات المفاجئة كانت بتسبب له ضغط شديد، والتغييرات المفاجئة كانت بتلخبطه، ومن ساعة ما أمه، ندى، ماتت، وهو تقريبًا ما بقاش بيضحك.
كريم كان بيعمل الحاجة اللي بيعرف يعملها أحسن من أي حاجة تانية: يدفع فلوس.
دور على أخصائيين في القاهرة، ونظم له جلسات خاصة، واشترى أجهزة للتواصل، وحوّل جدول يومه لقائمة مواعيد طبية، غالبًا ناس تانية هي اللي كانت بتحضرها مكانه. كان بيدير شركة للأمن السيبراني فيها أكتر من 500 موظف، وفي نفس الصبح كان لسه قافل عقد بقيمة 31 مليون يورو.
في عالمه، لو المشكلة مهمة، بيتحدد لها ميزانية.
لكن العصر ده فهم إن فيه حاجات ما ينفعش تتحل بفاتورة.
لوسى لفت لفة ببطء. آدم رفع إيده، وقلد حركتها، وضحك تاني. وبعدها أشار للبيانو الكبير اللي بقاله تقريبًا سنتين مقفول. كان تمنه 72 ألف يورو، وكريم كان شاريه لمجرد المنظر، وقت ما كان لسه فاكر إن البيت الفخم لازم يبقى مليان حاجات مبهرة.
لوسى قعدت قدام الكيبورد، وعزفت لحن هادي.
آدم قرب بالكرسي، وداس على 3 مفاتيح بشكل عشوائي، واستنى.
لوسى ما صححتلوش.
كررت نفس النغمات، وخلتهم جزء من اللحن.
في اللحظة دي، كريم دخل.
لوسى بطلت عزف. آدم وطّى عينيه.
قال لها:
— إنتِ بتعملي كده من إمتى؟
قالت:
— من وقت ما فهمت إن آدم بيحب يشارك، مش ينفذ الأوامر.
قال كريم:
— أنا بدفع لناس متخصصين جدًا عشان يساعدوه.
ردت لوسى:
— وهم بيعملوا شغلهم، وأنا مش بنافس حد.
كريم أشار للبيانو.
— طب إزاي بتخليه يضحك؟
قالت:
— أنا مش بخليه يضحك. أنا بسيبه على راحته.
الرد ضايقه.
قال:
— مش طبيعي إن واحدة متعينة لتنضيف البيت تقرر تستخدم بيانو تمنه 72 ألف يورو من غير إذن.
لوسى خلعت الجوانتي بهدوء.
وقالت:
— وبرضه مش طبيعي إن أب ما يعرفش إيه اللحن اللي بيهدي ابنه.
سكت المكان كله في لحظة.
كريم حس إن الجملة ضربته في مكان أعمق من أي نصيحة مهنية سمعها قبل كده.
قال:
— خلي بالك من كلامك.
ردت:
— أنا حاولت أتكلم مع حضرتك 4 مرات. مرتين كنت داخل اجتماعات، ومرة كنت مسافر إسكندرية، وفي المرة الأخيرة قلتلي أحكي كل حاجة لمساعدك.
كريم بص لآدم.
— إنتِ عارفة عن ابني إيه وأنا ما أعرفوش؟
لوسى بصت للولد قبل ما ترد.
— عارفة إمتى بيحتاج هدوء، وعارفة إيه نوع الملمس اللي ما بيستحملوش، وعارفة إن صوت الأسانسير بيوتره، وعارفة إنه قبل ما ينام بيدور على 3 خبطات خفيفة على الترابيزة، وعارفة ليه اللحن ده بالذات بيرجع له ابتسامته.
كريم قطّب جبينه.
لوسى فكّت المريلة، وطوتها وحطتها على كرسي البيانو، وقالت:
— قبل ما تقرر تطردني، المفروض تعرف أنا كنت مين قبل ما أشتغل في البيت ده، وإيه اللي أم آدم طلبته مني بخصوصه قبل ما تموت.
حكايات_ميراا
سيبوا لايك، ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ.
باقي القصة هتنزل هنا، الجزء التاني.
كريم فضل واقف مكانه، وكأن آخر جملة قالتها لوسى محتاجة منه وقت عشان يستوعبها.
— أمي آدم طلبت منك إيه؟
لوسى ما ردتش فورًا.
بصت ناحية آدم، اللي كان لسه حاطط إيده على مفاتيح البيانو.
— مش هنا.
كريم عقد حواجبه.
— هنا.
— لو قلتلك اللي طلبته، حياتك هتتغير يا أستاذ كريم.
— حياتي اتغيرت من يوم ما أمي ماتت.
لوسى أخدت نفس طويل.
— هي ما كانتش خايفة عليك، كانت خايفة على آدم.
الجملة خلت كريم يتجمد.
— يعني إيه؟
في اللحظة دي، صوت خطوات نزل من السلم.
كانت والدته، سعاد، داخلة الصالون.
أول ما شافت لوسى، وشها اتغير.
— إنتِ لسه هنا؟
لوسى بصتلها بهدوء.
— لسه.
سعاد قربت منها وقالت بعصبية:
— أنا قلتلك قبل كده، وجودك في البيت ده انتهى.
كريم وقف بينهم.
— محدش هيمشيها قبل ما أفهم.
سعاد بصت لابنها باستغراب.
— تفهم إيه؟
— إيه اللي أمي طلبته منها قبل ما تموت؟
للحظة، سعاد سكتت.
لكن لوسى كانت بتراقب عينيها، وشافت الخوف.
الخوف اللي كانت مستنياه من أربع سنين.
قالت لوسى:
— أنا ما كنتش ناوية أتكلم النهارده.
سعاد ردت بسرعة:
— يبقى ما تتكلميش.
كريم التفت لها.
— ليه؟
ما جاوبتش.
فجأة، آدم بدأ يضرب بإيده على طرف الكرسي.
ثلاث خبطات.
توقف.
ثم ثلاث خبطات تاني.
لوسى قربت منه فورًا.
— أنا هنا يا آدم.
لكن كريم كان مركز في إيده.
— هو بيعمل كده كل يوم؟
لوسى هزت رأسها.
— من يوم ما أمه ماتت.
كريم ابتلع ريقه.
— وأنا افتكرت إنها حركة عصبية.
— لا.
لوسى بصت له.
— دي طريقته في إنه يقول إن فيه حاجة عايز يقولها.
كريم قرب من ابنه.
— عايز تقول إيه يا آدم؟
آدم ما بصش له.
مد إيده ناحية البيانو.
لوسى فهمت.
فتحت الغطاء الصغير الموجود أسفل لوحة المفاتيح.
لكن ما كانش فيه حاجة.
كريم استغرب.
— إنتِ بتدوري على إيه؟
لوسى حطت إيدها تحت الخشب، وضغطت على جزء صغير جدًا.
صدر صوت “تك”، وانفتح درج مخفي.
كريم اتراجع خطوة.
جواه كان فيه ظرف أبيض قديم.
ومكتوب عليه بخط إيد واضح:
“لكريم، لو لوسى هي اللي وصلتك للظرف، يبقى الوقت جه تعرف الحقيقة.”
كريم مد إيده.
لكن قبل ما يلمسه، سعاد صرخت:
— ما تفتحهش!
كريم بص لها.
وكانت أول مرة في حياته يشوف أمه بالشكل ده.
مرعوبة.
فتح الظرف ببطء.
وأول سطر قرأه كان:
“كريم، أنا ما متش بسبب الحادث اللي اتقالك عليه.”
الجزء التالت
كريم فضل باصص للورقة، وعينيه بتتحرك بين السطور كأنه مستني الكلمات تتغير.
لكنها ما اتغيرتش.
“أنا ما متش بسبب الحادث اللي اتقالك عليه.”
رفع عينيه ناحية أمه.
— يعني إيه؟
سعاد ما ردتش.
— ماما، إيه اللي في الورقة دي؟
لوسى كانت واقفة بعيد، ساكتة.
كريم كمل القراءة:
“لو أنت بتقرأ الرسالة دي، يبقى غالبًا أنا مش موجودة، ولوسى هي الشخص الوحيد اللي أثق فيه عشان يوصلك للحقيقة.”
إيده بدأت ترتعش.
قلب الصفحة.
“قبل موتي بشهور، اكتشفت إن حد من أقرب الناس ليا كان بيخفي عنك حاجة تخص آدم.”
كريم رفع عينه بسرعة.
— آدم؟
لوسى قربت خطوة.
— كمّل.
قرأ:
“من يوم ما اتولد آدم، كان فيه ملف طبي كامل بيتحفظ بعيد عن ملفات المستشفى العادية. أنا اكتشفته بالصدفة، ولما حاولت أسأل عنه، اتقال لي إن الملف اتقفل.”
كريم بص لابنه.
آدم كان ساكت، لكن عينيه كانت متعلقة بالورقة.
كريم قال بصوت منخفض:
— ملف طبي؟
لوسى هزت رأسها.
— أيوه.
— وإنتِ عرفتي عنه إزاي؟
— ندى ادتهولي قبل ما تموت.
كريم وقف فجأة.
— إنتِ كنتِ تعرفي أمي من قبل ما تشتغلي هنا؟
لوسى سكتت.
وسعاد قالت بسرعة:
— كانت بتعرفها معرفة سطحية.
لوسى بصت لها.
— مش صحيح.
كريم لف ناحية أمه.
— إنتِ ليه بتكذبي؟
سعاد ردت بعصبية:
— لأن الست دي بتحاول تقلب حياتك عليك!
لوسى فتحت شنطتها وأخرجت ملفًا بنيًا قديمًا.
حطته على الترابيزة.
— أنا ما جتش البيت ده عشان أشتغل.
كريم بص لها باستغراب.
— أمال جيتي ليه؟
قالت:
— أم آدم هي اللي طلبت مني أجي.
— ليه؟
لوسى فتحت الملف.
جواه صورة قديمة.
كريم مسكها.
الصورة كانت لندى وهي شايلة آدم وهو رضيع.
لكن في خلفية الصورة كان واقف شخص آخر.
كريم قرب الصورة من عينه.
اتجمد.
— ده مستحيل.
لوسى قالت بهدوء:
— إنت عارفه.
كريم ما قدرش يتكلم.
لأن الشخص اللي في الصورة كان والده.
الجزء الرابع
كريم فضل ماسك الصورة بإيده، وعينيه ثابتة على والده.
— الصورة دي اتاخدت إمتى؟
لوسى قالت:
— قبل ولادة آدم بأسبوعين.
كريم هز راسه بسرعة.
— مستحيل. أبويا كان مسافر وقتها.
سعاد قاطعتهم:
— لوسى، كفاية لعب بعقولنا.
لكن كريم رفع إيده.
— ماما، اسكتي.
أول مرة سعاد تسكت قدامه بالشكل ده.
كريم رجع يبص للصورة.
في الخلفية، والده كان واقف قدام باب مستشفى، وفي إيده ملف طبي.
لاحظ كريم حاجة صغيرة في الصورة.
رقم الملف.
نفس الرقم المكتوب في الورقة اللي قدامه.
قلبه دق بعنف.
— إيه علاقة أبويا بملف آدم؟
لوسى قالت:
— ده السؤال اللي أم آدم كانت بتحاول تجاوب عليه قبل ما تموت.
كريم قلب الصفحة بسرعة.
كان فيه تقرير طبي قديم، وتحت التقرير توقيع طبيب.
قرأ الاسم.
ثم تجمد.
— الدكتور ده مات من 6 سنين.
— أيوه، قالت لوسى. بس قبل ما يموت، سلّم نسخة من الملف لأم آدم.
كريم رفع عينه.
— فين النسخة؟
لوسى أشارت للملف.
— دي مش النسخة كلها.
— يعني إيه؟
— في صفحة ناقصة.
سعاد اتوترت.
— مفيش أي صفحة ناقصة.
لوسى بصتلها مباشرة.
— إنتِ عارفة؟
سعاد ما ردتش.
كريم قرب منها.
— ماما، إنتِ كنتِ تعرفي؟
سعاد بدأت تبكي.
— أنا كنت بحاول أحميك.
— تحميني من إيه؟
قالت بصوت مكسور:
— من الحقيقة.
وفجأة، آدم أصدر صوتًا عاليًا، ثم ضرب على الترابيزة 3 مرات.
لوسى راحت له.
آدم بص لها.
لكنه ما بصش لها.
مد إيده ناحية درج البيانو مرة تانية.
كريم فتحه.
كان فاضي.
لكن لوسى لاحظت إن آدم بيشير للجانب السفلي من الدرج.
لمست الخشب.
فوجئت بقطعة ورق صغيرة ملزوقة من الداخل.
سحبتها.
كانت الصفحة الناقصة.
كريم خطفها منها وبدأ يقرأ.
وفي أول سطر، كان مكتوب:
“آدم ليس هو الطفل الذي تعتقدون أنه ابن كريم.”
سكت الجميع.
حتى آدم توقف عن الحركة.
كريم رفع عينه ببطء ناحية أمه.
— إنتِ كنتِ عارفة إن آدم مش ابني؟
سعاد انهارت على الكرسي.
لكن لوسى ما بصتش لكريم.
كانت بتبص لآدم.
لأن في أسفل الصفحة كان فيه سطر أخير بخط ندى:
“والأخطر من كده إن آدم يعرف الحقيقة أكتر مما تتخيل.”
الجزء الخامس
كريم حس إن الأرض بتتهز تحت رجليه.
— آدم يعرف الحقيقة؟!
بص لابنه، ثم للوسى.
— يعني إيه يعرف؟ هو عنده 9 سنين!
لوسى قربت من آدم، لكن الولد بدأ يضرب على الترابيزة تاني.
ثلاث خبطات.
ثم وقف.
ثلاث خبطات.
كريم بص للوسى.
— إنتِ فاهمة هو بيقول إيه؟
هزت راسها.
— أيوه.
— بيقول إيه؟
— إننا ندور في المكان اللي أمه خبّت فيه باقي الحقيقة.
سعاد رفعت وشها فجأة.
— مفيش باقي حاجة!
لوسى بصتلها.
— يبقى ليه حضرتك خايفة؟
سعاد سكتت.
كريم نزل لمستوى آدم.
— ابني، لو فاهمني، اعمل نفس الحركة.
آدم بص له لأول مرة.
وضرب ثلاث خبطات.
كريم اتنفس بصعوبة.
— طيب فين؟
آدم حرك كرسيه ناحية الحائط.
وقف قدام لوحة كبيرة كانت معلقة في الصالون من سنين.
لوسى فهمت.
شالت اللوحة.
وراها كان فيه تجويف صغير في الحائط.
كريم فتحه.
جواه صندوق معدني.
على الصندوق كان فيه اسم واحد:
“ندى.”
إيده ارتعشت وهو بيفتحه.
جواه فلاشة، ومفتاح قديم، وصورة لآدم وهو طفل صغير.
لكن الحاجة اللي لفتت نظره كانت ورقة مكتوب عليها:
“كريم، لو وصلت للصندوق ده، ما تثقش في أي حد يقولك إن الحادث كان حادثًا.”
كريم رفع عينه.
— مين اللي عمل كده؟
لوسى ردت بهدوء:
— مش عارفة.
— بس أمي كانت عارفة؟
— كانت بدأت تعرف.
كريم مسك الفلاشة.
— والفلاشة دي فيها إيه؟
لوسى قالت:
— أم آدم قالتلي ما تتفتحش غير لما تكون لوحدك.
سعاد قامت فجأة.
— سيب الفلاشة يا كريم!
كريم بص لها.
— ليه؟
— لأنك لو شفت اللي عليها، مش هتعرف ترجع حياتك زي الأول.
كريم قرب منها.
— حياتي اتدمرت من يوم ما فقدت ندى.
ثم أشار للفلاشة.
— أنا هعرف كل حاجة.
في اللحظة دي، سمعوا صوت سيارة بتقف قدام الفيلا.
لوسى بصت ناحية الشباك.
وشها اتغير.
كريم سألها:
— مين؟
قالت بصوت منخفض:
— الشخص اللي أم آدم كانت خايفة منه.
كريم قرب من الشباك.
ولما شاف الراجل نازل من العربية، اتجمد.
لأنه كان الشخص الوحيد اللي كان موجود مع ندى قبل الحادث بساعتين.
الجزء السادس
كريم فضل واقف قدام الشباك، مش قادر يبعد عينه عن الراجل اللي نزل من العربية.
كان اسمه حسام.
صديق قديم للعيلة، وكريم كان طول عمره معتبره زي أخوه الكبير.
لكن دلوقتي، وجوده قدام البيت في اللحظة دي كان مريبًا.
سأل كريم بصوت واطي:
— هو عرف إزاي إننا فتحنا الصندوق؟
لوسى ردت:
— يمكن ما عرفش.
— أمال جاي ليه؟
قبل ما لوسى تجاوب، جرس الباب رن.
سعاد اتوترت.
— ما تفتحش.
كريم بص لها.
— ليه؟
— لأن ندى قبل ما تموت بيوم قالتلي: لو حسام جه هنا، ما تدخلوش.
كريم اتجمد.
— إنتِ كنتِ تعرفي إنه هييجي؟
سعاد ما ردتش.
الجرس رن تاني.
حسام بدأ يخبط على الباب.
— كريم! افتح، لازم نتكلم.
كريم مسك الفلاشة وحطها في جيبه.
وبص للوسى.
— خلي آدم في أوضته.
لوسى هزت راسها، لكن آدم مسك إيدها فجأة.
وكان بيبص ناحية الباب.
ثم قال لأول مرة منذ وقت طويل جملة واضحة:
— مش هو.
كريم اتجمد.
— آدم؟
الولد كرر:
— مش هو.
لوسى قربت منه.
— إنت عارف مين؟
آدم بص ناحية أمه وجدته، ثم أشار للسلم.
وبعدها قال:
— اللي فوق.
كريم بص للسلم.
— مين اللي فوق؟
سكت آدم.
ثم أشار بإصبعه ناحية غرفة ندى القديمة.
الغرفة اللي كريم ما دخلهاش من يوم وفاتها.
سعاد شهقت.
— مستحيل!
كريم لف ناحيتها.
— إيه اللي في أوضة ندى؟
سعاد بدأت تتراجع.
— ما تدخلش.
لكن كريم طلع السلم بسرعة.
فتح باب الغرفة.
كل حاجة كانت زي ما سابتها ندى تقريبًا.
السرير.
المكتبة.
صور آدم.
حتى العطر اللي كانت بتحبه.
كريم وقف في نص الغرفة، وعينه دمعت.
لكن آدم كان لسه بيبص ناحية مكتبة صغيرة في الركن.
لوسى وصلت عنده.
— هنا؟
آدم هز راسه.
كريم فتح الأدراج واحد ورا التاني.
مفيش حاجة.
لحد ما سمع صوت خفيف من جوه المكتبة.
حرّكها بعيد عن الحائط.
كان فيه باب صغير مخفي.
فتحه.
جواه جهاز تسجيل قديم.
وفوقه ورقة مكتوب عليها:
“شغّل التسجيل قبل ما تسمع أي حد.”
كريم ضغط الزر.
خرج صوت ندى من السماعة.
صوت ضعيف ومتعب.
— كريم، لو إنت سامع صوتي دلوقتي، يبقى أنا فشلت أحميك بالطريقة اللي كنت عايزاها.
سكت التسجيل ثواني.
ثم قالت:
— لكن لازم تعرف حاجة واحدة: آدم مش ابن الشخص اللي طول عمرك فاكره أبوه.
كريم حبس نفسه.
وفجأة التسجيل كمل بجملة خلت وشه يشحب:
— والراجل اللي واقف بره بيتك دلوقتي هو أكتر شخص كنت خايفة إنه يعرف إن آدم لسه عايش.
الجزء السابع
كريم فضل واقف قدام جهاز التسجيل، كأنه نسي إزاي يتنفس.
صوت ندى كان لسه بيتردد في الأوضة:
— لو حسام وصل لك قبل ما تسمع باقي التسجيل، ما تصدقش أي كلمة هيقولها.
كريم بص ناحية الباب.
— حسام؟
لوسى هزت راسها.
— كمّل.
التسجيل اشتغل من جديد.
— كريم، أنا عارفة إن الكلام ده صعب. بس آدم مش ابنك البيولوجي، وده مش معناه أبدًا إنه مش ابنك. أنت أبوه بكل معنى الكلمة، لكن يوم ولادته حصلت حاجة محدش قالك عليها.
كريم مسح دموعه بسرعة.
— إيه اللي حصل؟
صوت ندى تابع:
— الدكتور اللي كان مسؤول عن الولادة اكتشف إن فيه مشكلة في أوراق الطفل. في نفس الليلة، حصل تبديل في ملفين، واسم آدم اتسجل بطريقة مختلفة.
كريم بص للوسى.
— يعني آدم اتبدل بطفل تاني؟
— لسه ما نعرفش، قالت لوسى.
التسجيل أكمل:
— أنا بدأت أدور ورا الموضوع، واكتشفت إن الموضوع مش خطأ مستشفى. حد دفع فلوس عشان الملف يتغير. ولما قربت أعرف مين، بدأت التهديدات.
كريم قبض إيده.
— مين دفع؟
ثواني من الصمت.
ثم قالت ندى:
— أنا ما قدرتش أثبت الاسم، لكن عندي دليل واحد.
صدر صوت حركة في التسجيل.
— الدليل موجود في المكان اللي بدأ فيه كل شيء.
ثم توقف التسجيل.
كريم ضغط الزر تاني.
ولا حاجة.
— خلص؟
لوسى أخذت الجهاز.
— يمكن الشريط فيه جزء تاني.
فجأة سمعوا صوت خبطة قوية تحت.
حسام كان دخل البيت.
كريم نزل بسرعة، ولوسى وراه.
حسام كان واقف في الصالون.
أول ما شاف كريم، قال:
— لازم نتكلم لوحدنا.
كريم رد:
— اتكلم هنا.
حسام بص ناحية لوسى.
— هي لازم تمشي.
كريم ابتسم ابتسامة قصيرة.
— الغريب إن أمي قالت نفس الكلام.
حسام اتوتر.
— إيه علاقة أمك بالموضوع؟
كريم قرب منه.
— علاقة كبيرة.
ثم أخرج الفلاشة من جيبه.
وش حسام اتغير.
كريم لاحظ.
— إنت عرفت الفلاشة دي؟
حسام سكت.
— رد!
حسام قال بصوت منخفض:
— ندى كانت عايزة تحميك.
— من مين؟
حسام بص ناحية السلم.
ثم قال:
— من الشخص اللي كان بيدفع فلوس عشان يفضل آدم مختفي.
كريم حس بصدمة.
— آدم كان مختفي؟
حسام هز راسه.
— آه.
— إنت كنت تعرف؟
— كنت بحاول أوقفه.
— مين؟
حسام ما جاوبش.
لكن قبل ما يكمل، سعاد نزلت من السلم.
وكان في إيدها مفتاح صغير.
بصت لكريم وقالت:
— أنا اللي هقولك مين.
ثم حطت المفتاح على الترابيزة.
— لأن المفتاح ده هو اللي ندى كانت مخبياه عنك، ومفتاح خزنة أبوك.
الجزء الثامن
كريم بص للمفتاح، وبعدها بص لأمه.
— خزنة أبويا؟
سعاد هزت راسها، ودموعها نزلت.
— أبوك قبل ما يموت سلّمني المفتاح ده، وقالي ما أديهولكش غير لما تتأكد إنك عرفت كل الحقيقة.
كريم ضحك بمرارة.
— وإنتِ قررتي إمتى إني أكون جاهز؟
— كنت خايفة أخسرك زي ما خسرت أبوك.
حسام قاطعها:
— سعاد، خلاص.
كريم لف له.
— إنت مالك؟
حسام سكت.
كريم أخد المفتاح.
— الخزنة فين؟
سعاد قالت:
— في مكتب أبوك القديم.
طلعوا كلهم ناحية المكتب.
حتى آدم، اللي حرك كرسيه الكهربائي وراهم.
كريم وقف قدام الخزنة، ودخل المفتاح.
تك.
الباب اتفتح.
جواها كان فيه ملف أسود، وظرف كبير، وهارد صغير.
فتح الملف.
أول ورقة كانت نتيجة تحليل نسب.
كريم قرأها مرة.
وبعدين مرة تانية.
وشه أبيض.
لوسى قربت منه.
— إيه اللي مكتوب؟
كريم ما ردش.
حسام أخد الورقة منه.
قرأها.
ثم قال:
— دي نتيجة تحليل قديمة.
كريم بص له.
— إنت كنت عارف؟
حسام ما قدرش يجاوب.
كريم صرخ:
— إنت كنت عارف إن آدم مش ابني؟!
آدم فجأة بدأ يضرب على ذراع الكرسي.
ثلاث خبطات.
ثم رفع إيده ناحية الهارد.
لوسى لاحظت.
— آدم عايزنا نشوف اللي عليه.
كريم وصل الهارد باللاب توب الموجود في المكتب.
ظهر ملف واحد فقط.
اسمه:
“ليلة الولادة.”
فتحه.
بدأ فيديو قديم.
ظهر والد كريم جالسًا أمام الكاميرا.
كان واضحًا عليه التوتر.
وقال:
— لو الفيديو ده وصل لك يا كريم، يبقى ندى ما قدرتش توصلك للحقيقة بنفسها.
كريم قرب من الشاشة.
والده أكمل:
— آدم اتولد في نفس الليلة اللي حصل فيها تبديل في الملفات، لكن الطفل اللي خرج من المستشفى مع ندى كان فعلًا طفلها.
كريم شهق.
— يعني إيه؟
والده تابع:
— المشكلة ما كانتش في الطفل.
سكت لحظة.
ثم قال الجملة اللي قلبت كل حاجة:
— المشكلة كانت في الشخص اللي حاول ياخده من المستشفى.
وفجأة ظهر في الفيديو شخص آخر واقف خلفه.
كريم قرب من الشاشة أكثر.
وعرفه فورًا.
كان حسام.
لكن المفاجأة الأكبر كانت إن حسام في الفيديو كان بيقول:
— لو ما عملتش اللي طلبته منك، ابنك مش هيكمل الليلة.
كريم رجع خطوة.
وبص لحسام.
— إنت كنت بتعمل إيه مع أبويا؟
حسام أخيرًا انهار.
— كنت بحاول أنقذ آدم.
— من مين؟
حسام رفع عينه ناحية سعاد.
— من جدته.
كريم اتجمد.
سعاد بدأت تبكي.
وحسام قال:
— أمك كانت هي اللي طلبت مني أخلي آدم يختفي.
الجزء التاسع
كريم فضل ساكت، وعينيه على أمه.
— أنتِ؟!
سعاد حطت إيدها على قلبها.
— أنا ما كنتش عايزة أؤذيه.
— أمال كنتِ عايزة تعملي إيه؟!
حسام تدخل:
— سعاد كانت مقتنعة إن آدم في خطر.
كريم لف له بعصبية.
— خطر من مين؟
حسام بص لآدم.
— من عيلة أمه.
كريم اتجمد.
— عيلة ندى؟
حسام هز راسه.
— كان فيه شخص بيدور على آدم من يوم ما اتولد. شخص عنده سبب يخليه عايز يثبت إن الطفل ده مش موجود أصلًا.
كريم سأل:
— مين؟
حسام ما ردش.
لوسى فتحت الظرف اللي كان جوه الخزنة.
طلعت منه شهادة ميلاد قديمة، وصورة، وخطاب مكتوب بخط ندى.
قرأت بصوت مرتجف:
— كريم، لو وصلت للنقطة دي، لازم تعرف إن الشخص اللي بندور عليه مش غريب عن العيلة.
كريم مد إيده وأخذ الخطاب.
كمل القراءة:
— هو الشخص اللي كنت فاكرة إنه مات قبل ولادة آدم.
كريم رفع عينه.
— مين؟
لوسى قلبت الصورة.
كان مكتوب خلفها اسم واحد:
“محمود.”
كريم شهق.
— عمي محمود؟
حسام قال:
— أيوه.
— بس عمي مات من 12 سنة!
— ده اللي الكل فاكره.
ساد الصمت.
كريم افتكر فجأة حاجة قديمة.
قبل وفاة ندى بأيام، كانت قالت له:
— لو سألتك عن محمود، قول لي إنك ما تعرفش حاجة.
وقتها اعتبرها مجرد كلام غريب.
دلوقتي فهم إن ندى كانت بتحاول تحميه.
كريم بص لأمه.
— إنتِ كنتِ عارفة إنه عايش؟
سعاد انهارت.
— عرفت بعد موت ندى.
— وليه ما قولتيليش؟
— لأنه هددني.
— هددك بإيه؟
سعاد بصت ناحية آدم.
— قال إنه لو عرف إن آدم لسه موجود، هيأخده مني ومنك.
كريم قرب منها.
— طب ليه ندى ماتت؟
سعاد بدأت تبكي.
حسام قال:
— لأنها كانت قربت تكشف مكانه.
كريم قبض إيده.
— يعني الحادث…
حسام هز رأسه.
— ما كانش حادثًا.
فجأة، صوت جرس الباب دوّى في الفيلا.
الجميع اتلفت.
آدم رفع رأسه ناحية الباب.
ولأول مرة، ابتسم.
وقال بهدوء:
— عمو محمود.
كريم حس إن الدم انسحب من وشه.
لأن آدم عمره 9 سنين، وما حدش في البيت نطق الاسم ده قدامه من قبل.
الجزء العاشر
كريم بص لآدم، وبعدها ناحية باب الفيلا.
— إنت قلت إيه يا آدم؟
آدم كرر بهدوء:
— عمو محمود.
سعاد غطت بوقها بإيدها.
حسام همس:
— مستحيل…
جرس الباب رن مرة تانية.
المرة دي، آدم ابتسم أكتر.
كريم قرب من الباب، لكن لوسى مسكت دراعه.
— استنى.
— ليه؟
— لأن أم آدم قالت إن محمود كان عايز آدم يختفي.
كريم بص من العين السحرية.
في الأول ما شافش حد.
فتح شاشة الكاميرات.
ظهر رجل واقف قدام الباب.
كان أكبر سنًا، وشعره أبيض، لكنه كان شبه والده بشكل مخيف.
كريم رجع خطوة.
— ده هو.
حسام قال:
— ما تفتحش.
لكن صوت الرجل وصل من السماعة:
— كريم… أنا عارف إنك شفت الفيديو.
كريم تجمد.
الرجل كمل:
— وعارف إن لوسى معاك.
كريم بص لها.
— إنتِ كنتِ متوقعة ده؟
لوسى هزت راسها.
— كنت متوقعة إنه هيظهر في يوم من الأيام.
— ليه؟
لوسى قالت:
— لأن ندى كانت مستنية اليوم ده.
كريم فتح الباب الخارجي من غير ما يفتح باب الفيلا.
— إنت عايز إيه؟
محمود رد:
— عايز ابني.
كريم حس بصدمة.
— ابنك؟
محمود بص من خلال الزجاج ناحية آدم.
— أيوه.
سعاد بدأت تبكي.
— محمود، كفاية.
لكنه تجاهلها.
آدم مش ابنك يا كريم.
كريم رد بغضب:
— بس هو ابني.
محمود قال:
— وده بالضبط اللي ندى كانت خايفة منه.
لوسى فتحت الباب الداخلي فجأة.
كريم بص لها باستغراب.
— بتعملي إيه؟
قالت:
— بدي له فرصة يقول الحقيقة.
دخل محمود ببطء.
لكن أول ما شاف آدم، وقف.
آدم بص له لثواني طويلة.
ثم حرك كرسيه ناحيته.
محمود انحنى أمامه، ودموعه نزلت.
— كبرت يا ابني.
كريم وقف بينهم.
— إنت ابنه فعلًا؟
محمود هز رأسه.
— أيوه.
سعاد قالت:
— بس ندى كانت بتحاول تحميه منك!
محمود بص لها.
— لأنها كانت فاكرة إني جاي آخده.
— وأنت كنت جاي تعمل إيه؟
محمود سكت.
ثم قال:
— كنت جاي أقول لكم إن آدم هو الوريث الوحيد لشركة أبوه الحقيقي…
كريم قطّب جبينه.
— أبوه الحقيقي؟
محمود بص لكريم مباشرة.
— أبوك ما كانش والد آدم بالتبني ولا بالصدفة… أبوك كان شريكي، وآدم هو صاحب نص الشركة من يوم ما اتولد.
كريم اتجمد.
لكن لوسى قالت بهدوء:
— لسه فيه حاجة ما قلتهاش.
محمود بص لها.
فقالت:
— مين ندى؟
الجزء الحادي عشر
الغرفة كلها سكتت.
محمود ما ردش على سؤال لوسى.
كريم قرب منه خطوة.
— هي بتسألك مين ندى.
محمود نزل عينه للأرض.
— أنا ما…
كريم صرخ:
— طب مين؟!
محمود قال:
— الشخص اللي كان مستفيد من موتها.
لوسى ردت فورًا:
— يعني سعاد؟
سعاد شهقت.
— أنا؟!
محمود هز راسه.
— لا.
ثم بص لكريم.
— المحاسب القديم بتاع أبوك.
كريم عبس.
— فؤاد؟
— أيوه.
حسام تدخل:
— فؤاد كان بيحوّل فلوس من حسابات الشركة لحسابات برا البلد من سنين. أبوك اكتشفه، وندى اكتشفت جزء من الموضوع بعده.
كريم افتكر العقد اللي وقعه الصبح.
— يعني كل اللي حصل كان بسبب الشركة؟
محمود قال:
— مش الشركة بس. آدم كان مفتاح لحاجة أكبر.
— إيه؟
محمود أخرج ورقة من جيبه.
— أبوك قبل ما يموت كان حاطط نسبة من أسهم الشركة باسم آدم. وفؤاد كان عايز يلغي الترتيب ده قبل ما آدم يبلغ السن القانوني.
كريم بص للورقة.
— وليه ندى ماتت؟
محمود تنهد.
— لأنها رفضت توقع.
لوسى قالت:
— وده مش كل شيء.
محمود بص لها.
— إنتِ عارفة أكتر مما ينبغي.
— ندى قالتلي الحقيقة قبل موتها.
— إذن قوليها.
لوسى بصت لكريم.
— ندى ما كانتش لوحدها وقت الحادث.
كريم اتوتر.
— مين كان معاها؟
— أنا.
كريم اتصدم.
— إنتِ؟!
— كنت في العربية اللي وراها. شفت العربية اللي خبطتها.
— وليه ما قلتيليش؟
— لأن اللي كان سايقها كان لابس زي عامل صيانة، لكن ندى قبل ما تموت بدقائق اتصلت بيا وقالت جملة واحدة.
— قالت إيه؟
لوسى بلعت ريقها.
— قالت: لو حصل لي حاجة، ما تثقيش في كريم.



