منوعات

مراتي استهلكت كل طاقتها ج 2 حكـايات مني السيد حصري

صوت قفلة باب الأسانسير ساب وراه صدى عالي في بير السلم، حسيت معاه لأول مرة من سنين إن الهوا بيدخل صدري صافي ومفيهوش .نزلت للشارع والشمس كانت لسه طالعة، زحمة الصبح في الشارع وصوت العربيات والكلاكسات اللي كان بيصدّعني، كان النهاردة كأنه شريط شغال بعيد عني، وأنا ماشية وسط الناس بخطوة تانية خالص، خطوة واحدة تقيلة وواثقة وعارفة رايحة فين.

أول ما ركبت عربيتي ولفيت المفتاح، التليفون بدأ يرن في الشنطة ومبطلش. طلعت التليفون وبصيت للشاشة: “طارق”. رن مرة، اتنين، تلاتة.. سيبته يرن لحد ما سكت لوحده، وبعدها قفلته خالص. مش وقت كلام ولا وقت مسكنات، طارق لسه فاكرها خناقة عادية من بتوع كل سنة، اللي بتبدأ بزعلة وكلمتين عتاب، وتنتهي بإنه يجيب علبة حلويات شرقية ويقولي: “خلاص بقى فكيها، الراجل ومراته مالهمش غير بعض”، وأنا أبلع الإهانة وأطبخ الغدا وأسكت.

وصلت الشركة على الساعة تمانية ونص. دخلت مكتبي، زمايلي في قسم الحسابات بدأوا يرموا التحيات المعتادة، بس الكل لاحظ إن شكلي النهاردة مختلف. زميلتي نادية، اللي قاعدة في المكتب اللي قصادي، رمت نظرة على وشي وقالت: “صباح الفل يا مروة.. إيه النور ده؟ إنتي مروقة ولا إيه؟ وشك منور غير العادة!” ابتسمت ابتسامة هادية وقولت: “صباح الورد يا نادية. الحمد لله، أخدت قرار كان متأجل، والواحد لما بيشيل حمل من على كتافه بيحس إنه خف.”

خلصت الورق العاجل اللي كان على مكتبي، قفلت ميزانيتين كانوا متأخرين، والساعة عشرة بالدقيقة كان التليفون الأرضي بتاع المكتب بيرن، طلبت إذن ساعتين من المدير المالي، ونزلت على ميعادي مع الأستاذ رأفت المهدي.

مكتب الأستاذ رأفت كان في عمارة قديمة في روكسي، يافطة نحاس عريضة، ومكتب مليان كتب قانون ودوسيهات لحد السقف. راجل ستيني، وقور، شعره أبيض ونظارته الطبية على طرف مناخيره، استقبلني بهدوء أول ما قولتله إني من طرف دكتورة نهى أختي.

قعدت قدامه وفتحت الشنطة، طلعت الملف الأزرق، وحطيت الأوراق على المكتب ورتبتها قدامه ورقة ورقة: “أنا مش جاية أشتكي ولا أحكي فضفضة بيوت يا أستاذ رأفت.. أنا جاية في شغل وحق.”

بص في الورق باهتمام، وعدل نظارته: “اتفضلي يا مدام مروة، قوليلي طلباتك إيه بالظبط، والورق ده فيه إيه؟”

“دي أوراق شقتنا في العبور.. العقد مكتوب مناصفة بيني وبين جوزي طارق. دي أول نقطة. النقطة التانية، دي كشوف حساباتي البنكية لآخر تمن سنين، بتثبت بالقرش والمليم إن كل شيكات الأقساط، ومقدم الشقة، وتكاليف التشطيب بالكامل مدفوعة من حسابي الشخصي ومن مرتبي وفلوس شغلي الخاص، في حين إن حسابه هو مخرجش منه جنيه واحد يخص الشقة دي غير دفع مصاريف إدارية أول يوم وخلاص.”

سكت ثانية وطلعت ورقة تانية: “وده إيصال أمانة كان ماضيهولي من تلات سنين بميتين وخمسين ألف جنيه، لما أخد دهبي وباعه ودخل بيه في مشروع شركة الشحن مع أصحابه والمشروع خسر، قالي ساعتها هكتبلك الإيصال ده ضمان لحقك لحد ما أرجعلك تمن الدهب، وطبعاً مرجعش مليم.”

الأستاذ رأفت مسك الورق، قلّب فيه بتركيز، عينه بتجري بين الأرقام وتواريخ التحويلات، وبعد دقايق رفع عينه وابتسم بهدوء: “موقفك القانوني حديد يا فندم. المحكمة بتاخد بالأدلة المادية، وإنتي هنا معاكي إثبات صريح لسداد كامل تمن العين من ذمتك المالية المنفصلة. غير إن إيصال الأمانة ده لوحده كفيل يخليه يتفاوض وراسه في الأرض، غير دعوى استرداد الحقوق. إنتي ناوية على إيه بالظبط؟ طلاق للضرر؟ ولا خلع؟”

رديت بنبرة مفيهاش تردد: “أنا مش عايزة بهدلة محاكم بالسنين يا متر، أنا عايزاه يخرج بالمعروف زي ما دخلت معاه بالمعروف، بس يعرف إن الحيلة والفهلوة مش هتمشي عليا تاني. هو شايف إني استهلكت ومبقاش فيا نَفَس، وأنا عايزة أثبتله إن النَفَس اللي كان شايله وعامله بني آدم هو نَفَسي أنا. الشقة دي شقايا وشقا ولادي، يكتبلي نصيبه فيها تنازل رسمي، وقصاد كده يتنازل عن كل حاجة ويطلق بهدوء ويسيبلي إيصال الأمانة، أو الإيصال هيروح النيابة قبل العصر، ودعوى بطلان ملكيته للنص التاني هتترفع بكرة الصبح.”

المحامي هز راسه بإعجاب: “كلام حكيم ومحسوب بالسنتي. تحبي أكلمه أنا ولا إنتي اللي هتبلغيه؟” “أنا هبلغه بنفسي الأول.. ولو لف ودور، حضرتك هتستلمه.”

خرجت من عنده وحسيت إن كل خطوة على الرصيف بتدوس على سنين الذل والسكوت اللي عشتهم. فتحت تليفوني، لقيت سبعة وتلاتين مكالمة فايتة من طارق، وعشر رسايل كلها شتيمة وتهديد ووعيد: “انتي اتهبلتي يا مروة؟” “يعني إيه ألم شنطتي؟ إنتي اتجننتي على كبر؟” “افتحي الزفت ده أحسنلك، ده بيتي ومحدش يقدر يخرجني منه!” “والله لأعرف أهلك كلهم عمايلك دي وقصتك الفارغة!”

كتبتله رسالة واحدة: “أنا في طريقي للشقة، جهز نفسك عشان المحامي منتظر ردي الساعة أربعة، والكلام اللي هيتقال مفيش فيه هزار.”

رجعت العمارة على الساعة تلاتة ونص بعد الضهر. طلعت الأسانسير، المفتاح في الباب كان كأنه بيفتح حياة تانية.

أول ما فتحت، لقيت طارق واقف في الصالة، الأوضاع مكنتش هادية خالص. كان مالي الصالة دخان سجاير، القميص مفتوح الصدر، وعينيه حمرة من الغيظ والغضب المكتوم.

“شرفتي يا هانم!” صرخ بصوت رج الحيطان، وقرب مني بخطوات سريعة كأنه هيمد إيده، “إيه اللي بتكتبيه ده؟ وإيه الجنان اللي مسكك من الصبح؟ انتي فاكرة نفسك مين؟ خارجة من ورايا وبتقفلي تليفونك وبتقوليلي ألم شنطتي؟ هو إنتي صدقتي نفسك ولا إيه؟ ده بيتي ومكتوب باسمي زيك بالظبط، وأنا الراجل هنا!”

فضلت واقفة مكاني عند مدخل الصالة، حطيت المفاتيح على الترابيزة جنب الباب بهدوء مريب، مكنش فيه رجفة في إيدي، ولا رمشة في عيني: “خلصت كلامك ولا لسه فيه تاني؟”

“لا مخلصتش!” زعق وهو بيخبط بإيده على ترابيزة السفرة اللي كان بيتباهى عليها إمبارح، “إنتي هتفوقي لنفسك وتشوفي إيه الهبل ده، ولا هقسملك بالله هكلم أبوكي وأخوكي يجوا يشوفوا المهزلة دي ويلموكي!”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى